Sunday, October 12, 2014

بين الفصام والفطام .. علاقات شائكة

جربت تكون نجار وتقطع بالمنشار 
جربت تكون موسيقار مزيكتك زى النار
جربت تكون مشهور من غير ماتكون مغرور 
جربتى تكونى رقاصة وتكونى واخداها وراثة
جربت تكون دكتور فى عيادتك يقفو طابور 
جربت تكون سباك وتصلح هنا وهناك
جربت تكون انسان ولا تيجي على الغلبان
**
أحيانا ما تمر بنا مراحل، نعتاد فيها على نمط حياة سحري، أيا كان .. ولا تدرك سحره، إلا حين تودعه، فالاعتياد يعطيك مساحة من الاستقرار، والألفة، والطمأنينة، كالطفل الصغير يلتقم ثدي أمه، فلا يشعر بالغربة أو الوحشة، إلا عند لحظة الفطام.
وهنا أفترض أن هذه الحياة السحرية، حيث الاعتياد والألفة، تشبه عالم المصاب بالفصام، حيث ينسج علاقات من الوهم، ووقائع لا ولم ولن تحدث، لكنه اعتاد على ذلك، حتى تأتي لحظة الفراق.
**
كلما جلست في المقهى المطل على شارع القصر العيني، رأيت الرجل نفسه، أحفظ ملامحه جيدا منذ كنت طفلا صغيرا في نهاية الثمانينات، كان يظهر في برنامج لعرض صحافة الغد، أراه اليوم يتحرك بصعوبة، ولم يعد يظهر "بالقدر الكافي" في التلفزيون، رغم زيادة عدد القنوات الفضائية، ويمر هذا الصحفي الكبير أمامي بشكل شبه يومي، أتردد في الوقوف لتحيته، فقد ترك عالما قديما، ولم يتبق منه سوى ما أنتجه من مؤلفات.. الحقيقة في مواجهة الفصام.
**
في عالم الفصام، أنت تعيش في بيئة آمنة، في شئ من التحقق، وتأكد عزيزي، أنهم يعاملونك – بفصامهم- بما يعزز إحساسهم بالأمان، فأنت في النهاية أيضا مجرد عنصر يحقق الطمأنة .. وحين تنتهي مهمتك، أو حين تمثل عنصر قلق في المنظومة الفصامية، ستواجه لحظة الحقيقة .. لحظة الفطام.
**
هناك وسائل عديدة لفطام الطفل الرضيع، أشهرها أن تضمه الأم إلى صدرها، فيجد ثديا مغطى بـ"تفل الشاي"، أو بـالبن أو بالصلصة أو ..الخ، فيصاب بصدمة عنيفة، ويبدأ في التفكير في نهاية عالمه الذي اعتاده، وفي مستقبل علاقته بأمه، ثم ينشغل بهَم أكبر .. كيف سأعيش دون رضاعة ؟ لا تفطم الأم رضيعها كراهية في سحنته، بل لأنه قد تحول إلى عبء على صدرها، ولابد أن ينفصل عن عالم الطمأنينة، ويعيش في عالم جديد، حيث يأكل الناس ويشربون، ويألفون أطعمة ويكرهون أخرى.
**
حين يتحالف الجميع على أن تترك عالمك، وحين تودع ثديا اعتدت التغذي منه، اعلم أن أمامك رحلة جديدة،  فصام جديد، اعتياد وألفة تصنعهما بنفسك، وحين يعودون إليك، ستراهم ضيوفا على عالمك، مثلما رأوك ضيفا على عالمهم.

Monday, September 29, 2014

عن العام 34 .. احتفالية حورس وكمال بيه

الفنانة هبة خليفة

في جلسة بسيطة قرب النصب التذكاري بميدان التحرير، أطفأتُ شمعة قبضت عليها بيدي اليمنى، بينما أمسكتُ بيدي اليسرى "كاب كيك"، وذلك بعد محاولات فاشلة لوضع الشمعة فوق "الكاب كيك"، كبديل عن كعكة عيد ميلادي الــ 34 .
أمامي كمال بيه، وقد أطلق لحيته، حاولت كسر جبل الجليد المحيط بنا، وقلت: "يلا حالا بالا، ...". ضحكت ضحكة مفتعلة على أمل تبديل حالة الجمود العبثي حولنا، فطلب مني إيقاد الشمعة مرة أخرى، وفجأة أصبح كل ما حولي ثابتا في مكانه، كأني ضغطت زر "Pause". ثم ظهر الإلة حورس في السماء، وانضم إلى جلستنا .. حدث كل ذلك دون أن تنطفئ الشمعة.
**
نفخ "حورس" الشمعة ، ثم أخذها من يدي وألقى بها بعيدا .. نظرت إلى كمال بيه لأتأكد إذا ما كان قد أصابه الجمود والثبات الذي أصاب كافة المخلوقات حولنا. أخرج الإله حورس سيجارة كليوباترا، أشعلها، ثم نفث دخانها نحوالسماء، فتحولت إلى بالونات، وعبارة تقول: Happy Birthday.
بعد صمت دام قليلا، بدأت قائلا: "كيف كانت حياتكما في الرابعة والثلاثين؟". قام كمال بيه، نفض بعض التراب فوق ملابسه، ودار دورة كاملة يطالع فيها المشهد "المتحفي" من حوله، ثم قال: "في الرابعة والثلاثين .. كان العمر واحد والرب واحد .. كانت سنة تشبه ما قبلها وما بعدها، كنت في رحلة تدريبية لمكافحة الإرهاب، وبقيت بعدها أكافح الإرهاب، وأشياء أخرى".
**
جلس كمال بيه في مكانه، ثم قام حورس وفرد جناحيه، وتحولت رأس الصقر إلى وجه آدمي وسيم، ثم قال: "في الرابعة والثلاثين، لم أنفخ البالونات، ولم أرقص في الملهى الليلي الشهير .. ركبت قاربا رخيصا، وأبحرت ساعتين فوق النيل، لم أتحدث، وسمعت كل ما قيل، حتى حلاوة روح .. سمعتها". صمت قليلا، ثم صرخ: "هل أنا حقا أنا ؟".
قلت: "ده محمود درويش ؟!"، نظر إليّ في شرود، ثم عاد رأس الصقر مرة أخرى، وانطلق إلى السماء.
**
عادت الجماهير إلى الحياة مرة أخرى في ميدان التحرير، ودّعني كمال بيه، ثم أوقف دورية للعمليات الخاصة يعلوها ضباط ملثمون، ركب معهم، واختفى.
أما أنا، فأسندت ظهري إلى النصب التذكاري، أخرجت قلما، وكتبت فوقه "يقول حورس: هل أنا حقا أنا ؟ #محمود_درويش".

Friday, September 05, 2014

ماذا حدث لك في العام 34 بعد الميلاد ؟

علينا أن نعلم جميعا أن المكتوب أدناه، قد كتبته في نهاية شهر أغسطس الماضي، أي قبل عيد ميلادي المفترض في 2 سبتمبر، وكما كررنا في أقوال سابقة، أن عيد ميلادي الرسمي -حسب الأوراق الحكومية- هو 1 أكتوبر. وقد كتبت ما كتبته بالأسفل، بمزاج سئ .. سئ للغاية.
واليوم في 5 سبتمبر، أنقل إليكم ما كتبته في ورقة رديئة إلى هذه المدونة الصبورة. بعد أن اختلف المزاج، وازداد الصبر، لم أعد أهتم بما كنت أهتم به. أما الأهم.. أني سأكتب في أول أكتوبر القادم، إن نجحت في بلوغ الرابعة والثلاثين بنجاح.
وإليكم ما قيل ..
**
(هو)
كنت تعتقد في العام الماضي أنك مسيح يجول في الأرض يصنع خيرا، وأنك ممثل أهل الجنة على الأرض، فماذا حدث ؟ هل رفعك الله إلى السماء الثانية كمسيح غدر به أهل الأرض؟ هل دخلت الجنة وذقت ثمارها وشربت من أنهارها؟ لم يحدث .. بقيت في الجحيم كمسيخ وجد ضالته في شعب من المستضعفين.
**
(أنا)
جمعني بها لقاء كنا قد عقدناه دون خطة أو نية اللقاء، أخبرتني أني حققت الكثير من الانجازات في السنوات الماضية، كنت أتحدث بحماس وغيظ، استوقفتني عدة مرات لتكرر: "هدي نفسك .. مفيش حاجة تستاهل". هي واحدة من ثلاث فتيات أعرفهن، يقضين أوقاتهن بين الجلسات العائلية والعمل والمنزل، أنا عابر في حياتهن، أبحث معهن عن التطهر من قذارات متراكمة، لا هن بريئات، ولا انا بهذا السوء.
**
(هو)
ضاقت الرؤية، وضاقت العبارة، ولا تعرف أين من المفترض أن تكون .. في خارج البلاد؟ في منحة دراسية تضيع فيها أوقاتك بعيدا عن كل هذا العبث؟ في زواج قائم على قصة حب ملفقة ؟ في اعتزال واعتكاف وعزلة؟ أنت لا تدري، ولا أنا .
**
(أنا)
كنت قد اعتزلت الناس بين سن 22 و 28 سنة، إذ تعرضت قبلها لصدمات عنيفة دفعتني إلى الابتعاد، محاولا ألا أتحول إلى قصة يتذكرها الناس وهم يستمعون إلى أغنية مكي الكئيبة. أنا الآن حائر بين أن أعود مراهقا كما كنت قبل سن 22 سنة، أو أن أكون زاهدا معتكفا مثلما عشت بعدها حتى الثامنة والعشرين. 
أنا لست هذا ولا ذاك، بل أنا هذا وذاك .. أنا ملك الأعراف.
**
(هو)
(أنا)
قيل لي قبل سنوات، ما فائدة أن تفضح نفسك في كلام يمر عليه الآلاف على الانترنت؟ وقلت لك أنه ليس كل من مر هنا قد قرأ، ولا كل من قرأ قد اهتم . فاطمئن.

Monday, August 25, 2014

إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي


جرت العادة في مثل هذه الأيام العطرة، أن أبتعد قليلا، ثم أنظر من بعيد، وأوجه السباب واللعنات بصوت هادئ، ثم أطلق بصقة عابرة للقارات، وأعود إلى صمتي المعتاد.
هذا لا يحدث حاليا .. فقد اعتدت في الماضي زيارة بعض الأماكن المقدسة، للتطهر من دنس الأيام. اتجهت في البداية نحو النيل، ثم أصبحت أتجه إلى بورتوفيق، ثم الاسكندرية، وأخيرا أصبحت أتوجه إلى جنوب سيناء. وهذا ما لا يحدث حاليا.


عندى طول الوقت رغبة فى القعاد ع الأرض وحدى

عندى طول الوقت رغبة فى السكات و القعدة وحدى

**
التقطت الهاتف المحمول، وفتحت قائمة الاتصال، اخترت اسم "مولانا". هو صديق يعيش في التبت، يقضي شهورا وسط أجواء متقلبة فوق آلاف الأمتار أعلى سطح البحر. الشبكة معطلة .. اتصل هو بعدها بساعتين، وقال: "انت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي ؟". كنت أفكر أن أذهب معه في رحلة، نستقر فيها فوق السحاب، لكن عبارته استفزتني. فأجبته: "انت قاعد في التبت، وبتقول إفيهات مسرحيات عادل إمام؟ اسفوخس". وأغلقت الهاتف.
**
بحثت مرة أخرى في الهاتف، وضغطت على اسم "خرابة"، سألته بعد التحية والسلام: "بتعمل إيه يا نجم؟". رد قائلا: "أنا مع ليلى المغربية". صمت قليلا، ثم أضاف: "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟". فأجبت : "انت قاعد في كباريه، وبتقول إفيهات مسرحيات عادل إمام؟ اسفوخس". ثم أغلقت الهاتف، وبدأت أشعر أن الاختيارات بدأت تقل.
**
لم يعد أمامي سوى الاتصال بصديقتي M&M'S، هكذا حفظت اسمها على الهاتف منذ لقاءنا الأول، فقد بدأت علاقتنا بعد أن تشاركنا كيس من حلوى M&M'S. هي كائن ثمانيناتي، وأنا أعتز بالثمانينات، بيننا مشاكل، لكنها مازالت صديقتي العزيزة.
-          ألو .. بتعملي إيه عندك ؟
-          أنا في الساحل .. "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟"
كان أمامي نفس الاختيار، أن أجيب نفس الاجابة التي تلقاها كل من "مولانا" و"خرابة".
-           آجي أعمل إيه ؟
-          أمال بتتصل ليه؟ ما أنت أكيد قاعد عندك بتهوي، ومش لاقي حاجة تعملها.
-          طيب ..
أغلقت الهاتف بهدوء، ونزعت البطارية.
**
قضيت عدة أيام في قلق، كنت أخشى أن أتصل بأحدهم أو إحداهن فأتلقى نفس الإجابة، "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟". وهكذا مرت 4 أيام من العطلة دون فعل شئ. ما الحل ؟
أريد أن أسمع إجابة مختلفة، من شخص يفهم ولا يردد ما يقوله الآخرين بشكل مبتذل.

عندى طول الوقت وحدة

عندى جوة الوحدة وقت

**
كسرت ملل العطلة الفاشلة، وأرسلت رسالة واحدة إلى 16 صديق، يمكنني السهر معهم/معهن أو السفر بعيدا عن هذا الجحيم. أرسلت إليهم رسالة نصية تقول: "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟".
وتلقيت 7 ردود للاستفهام عن معنى الرسالة، ولم أتلق أي رد من ثلاثة أصدقاء. وتلقيت 3رسائل بمضمون واحد "ما تيجي إنت !"، ورسالتان يتضمنان سبا وقذفا في حقي، ورسالة تهديد من خطيب إحدى صديقاتي.
**
جرت العادة في مثل هذه الأيام العطرة، أن أبتعد قليلا، ثم أنظر من بعيد، وأوجه السباب واللعنات بصوت هادئ، ثم أطلق بصقة عابرة للقارات، لم أكن أعرف وقتها إلى من أوجه السباب واللعنات والبصق .. لكني عرفت في عطلتي الحالية.

Monday, August 18, 2014

ليالي المُحن والارتباك

حلقتنا النهارة .. عن المُحن
"حلقة النهارده عن الحب .. لأ مش عن الحب، هي عن المُحن، أو عن أي حاجة ملتبسة ومرتبكة، بدون مبرر"
**
أغلقت الهاتف بعد حديث تقليدي مع أحد المصادر، ولم نتحدث في صلب الموضوع، بقدر ما تحدثنا عن أمور تخص الموضوع، ولم يتبق في ذاكرتي من حديثه سوى تلك العبارة: "كل شئ حولنا قد أصبح مرتبكا بشكل واضح".
ولأني بطبعي لست متفائلا، وأدقق النظر في نقاط الاختلاف قبل الاتفاق، وفي الصعوبة قبل اليسر، وفي التعقيد قبل الانبساط .. خطفتني الجملة، فقد مرت بي مواقف ومشاهد تؤكد عبارته التراجيدية.
**
في الحقيقة، أنا لن أتحدث عن المُحن بشكل مباشر، وذلك لأن "كل شئ حولنا قد أصبح مرتبكا بشكل واضح"، لذا سأتحدث عن تلك العلاقات التي تبدأ بإعجاب صامت، ثم بحديث خاطف يُعرِّي هذا الاعجاب الخجول، وبعدها تدخل العلاقة في صراع بين التودد والكبرياء، ثم يستسلم طرفي العلاقة لحديث مفتعل لكسر هذه الحالة المشوهة .. فلا هي صداقة، ولا هي حب، ولا هي أي شئ. مجرد تعارف مشوه، أشبه بالتعرف على أحدهم في المترو، ولإن هناك إعجاب يشيع طاقة إيجابية بينهما، فيبذل كل طرف جهده في جمع المعلومات عن الطرف الآخر، وفي هذه المرحلة الدقيقة، يصح أن نقول أنهما قد تعارفا دون أن يتعارفا.
**
هذه المواقف لا تحتمل الحديث المبتذل، أو استخدام ألفاظ من نوعية "المُحن" وغيرها، فأنا أتكلم عن أزمة وعبء، خاصة حين يتطور الأمر إلى القلق من التقدم خطوة إلى الطرف الآخر، حتى لا تكشف عن اهتمام زائد قد يدمر العلاقة في بدايتها، وهو ما يقود إلى المرحلة الأخيرة البائسة، مرحلة التوتر والانسحاب الهادئ. ويفقد كل منهما القدرة على التواصل الفعال تماما، فالاعجاب الذي دفع إلى جمع معلومات عن الطرف الآخر، قد يصنع حالة من الهوس، في الوقت الذي لم تنشأ فيه العلاقة المتوقعة، لكن يظل في داخل أحدهما أو كليهما حلما بأن يكون الطرف الآخر هو صديق العمر، أو شريك العمر، هكذا يصنع الاعجاب فتنة في قلوب البعض، فأنت لا تريد أن تنخرط في علاقة "عادية"، أما الأسوأ، أن تكتشف أثناء رحلة جمع المعلومات، ما يشوه الصورة التي تريدها، وهو ما يزيد من حالة التوتر.
**
ينتهي الأمر بابتعاد الطرفين عن بعضهما لفترة، كي لا يقعا في دائرة الاستنزاف النفسي والحيرة، وقد يلتقيا في مناسبات متباعدة، وتعود المودة الصامتة، لكن مع فقدان القدرة على إدارة حوار جديد، فأنت تتحدث مع شخص تعرف عنه الكثير، لكنك لا تعرفه، ولم تناقشه فيما عرفته عنه، ولا توجد المساحة التي تسمح لك بالنقاش معه، فيستخدم كل من الطرفين الكبرياء أسوأ استخدام ممكن، حتى يصبح الكبرياء عائقا وحاجزا بين الطرفين.
**
هل هو "المُحن" ؟
لا أعرف، لكنها تجربة لن يعرفها سوى من مر بها.

**

حلقتنا النهاردة مش عن "الحب"، ولا عن "المُحن" .. حلقتنا النهاردة عن الارتباك الذي ضرب حياتنا.

Wednesday, July 30, 2014

بعد المعركة الأخيرة ضد داعش وإسرائيل

قبل القيامة بقليل، سيخرج يأجوج ومأجوج للقضاء على خيرات البلاد التي ستقع تحت أيديهم، سيهبطون إلى العراق، وستكون نهاية داعش على أيديهم .. ستفتح أمامهم الطرق في سوريا والأردن، حتى يصلوا إلى بوابات بيت المقدس، وستسقط إسرائيل، ولن يذكر إسمها بعد ذلك .
سيعبر يأجوج ومأجوج سيناء، ثم قناة السويس، حتى يأتي هلاكهم في ترعة بحر مويس في محافظة الشرقية، ومن لم ينجو من الغرق، ستهلكه البلهارسيا.
**
أحكي تلك القصة القصيرة المشوقة لأقول، أن يأجوج ومأجوج سيرددوا نشيدا سوفيتيا قديما، وستكون المرة الأخيرة التي يتلى فيها هذا النشيد في تاريخ البشرية، هنا.. في مصر.

اسم النشيد : Polyushka Polye أو Полюшко Поле أو كانوا الخيالة


Friday, May 16, 2014

ست طلقات لأربعة مصادر صحفية



 جلست أمام السيد الأستاذ الوقور، الأكاديمي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لم أعرف كيف أبدأ، ولا كيف يمكنني الاستفادة من انخراطه في عدد من الكيانات السياسية، أو من خبرته الأكاديمية، يكاد أن يكون أكثر المصادر استهلاكا في الصحافة وأكثر الضيوف ظهورا في الفضائيات .. كان عليّ أن أبدأ.
سألته سؤالا مستهلكا يشبه طلـّته التقليدية: "كيف ترى المشهد السياسي حاليا؟"، وبدأ حديثه بالتشاؤم، ثم مزيد من التشاؤم، حتى قال: "مصر مقدمة على نفق ليس له نهاية". توقفت عدة ثوان أمام العبارة، سألني: "اتفضل كمّل أسئلتك، ولا خلصت؟". تركت أوراقي جانبا، أخرجت المسدس، "بتعمل إيه يا مجنون !!". أطلقت رصاصة استقرت في صدره.
**
في داخل منزل مبني من الطوب اللبن، تجمع حولي 4 أفراد من أبناء المنطقة العشوائية، حيث عشرات من الأسر المهددة بالتهجير القسري، "احنا ناس غلابة يا باشا .. محدش هنا حاسس بينا، ولا صحافة، ولا إعلام، اكتبوا بقى وبطلوا كدب". أنهيت اللقاء سريعا، واعدا إياهم أن أنقل الصورة إلى الجمهور، كما يملي عليّ ضميري، ثم طلبت من الرجل الذي أمرني بالكتابة دون كذب، أن يصاحبني حتى أطراف الطريق، وفي منطقة مظلمة، أمامها مساحة شاسعة من الصحراء التابعة للقوات المسلحة، قلت له: "أنت ليه متخيل إني هكتب كلام كدب؟"، قال: "الإعلام كله كدب، وانت عارف يا باشا، أنا ابن عمتي كان بيكتب في جرنال مراجيح الحرية، وساب الشغلانة، واشتغل على تاكسي .. وقاللي على كل حاجة". أخرجت مسدسا كبيرا بكاتم للصوت، وأطلقت طلقة هادئة، اخترقت منتصف جبهته.
**
في بناية عظيمة تطل على النيل، جلست المديرة الشابة خلف مكتبها الأنيق، وحكت لي قصة نجاح الشركة، منذ أن كانت مجرد شقة عادية في الضفة الأخرى من النيل حتى هذه اللحظة، "كان الفيو برضو بيطل على النيل؟"، هكذا سألت. وجاءتني الإجابة بتوتر: "آه كانت بتطل على النيل، بس كانت أصغر.. وكنا خمسة بس، إنما احنا دلوقت 33 موظف !". طلبت منها أن تفتح الشباك، وأن تشير إلى موقع المقر القديم، حيث تلك الشقة المتواضعة المطلة على النيل، وأثناء وقوفها خلف الشباك المفتوح، سددت رصاصة غادرة، أسكتتها إلى الأبد.
في هذه المرة، توجهت إلى المذيعة اللامعة، التي اشتهرت (بسلخ) ضيوفها، سواء كانوا نجوما مشهورين أو كانوا ضحايا مغمورين، حذروني بشدة من هذا الحوار، وأنها قد تكون نهايتي المهنية، واخترت التحدي، وقيل لها أني مجرد صحفي لطيف، لو (زغرت) لي سأعود إلى لطافتي المعهودة، وهكذا دار الحوار، حاولت استفزازي، والاستهاني بي، وشتمي مباشرة، وكل هدفي هو انهاء الحوار، فلدي هدف أسمى من ذلك.
"لدي سؤال أخير .." صمتت، نظرت إليّ ببرود، فاستكملت وأنا أضع يدي داخل الحقيبة الجلدية التي لا تفارقني: "هل شايفة انه المشاكل الجنسية اللي بيواجهها البني آدم، ممكن تأثر على أدائه الإعلامي؟". اتسعت عيناها، ثم قامت من مكانها وهي تردد: "انت قلت إيه دلوقت ؟!!". لم تستطع تكرار الجملة، فقد استقرت رصاصة في صدرها .. ماتت وهي مذهولة.
**
في مسيرة، اكتشفت بعدها بقليل أنها كانت جنازتي، وسط مقابر كثيفة في جوار القلعة، تركوا المحفة قرب القبر، فنظرت إلى لوحة رخامية تعلو الشاهد، تقول: "شهيد الصحافة المصرية". 
أصبت باستياء شديد. "إيه الحركة اللي ملهاش معنى دي، ازاي العيلة سمحت بالرخص ده !؟". سمعت من خلفي صوت رجل وامرأة، كان الناس قد رحلوا، وتركوني وحيدا أمام القبر.. الاستاذ الأكاديمي والاعلامية الشابة، يرتديان (أبيض في أبيض)، يحملان نظرة تسامح، ومغفرة. قالت الإعلامية: "أنا مسامحاك على فكرة، والدكتور برضو جاي يقولك كده". اخترق صوت طلقتي رصاص هدوء المقابر، وسقطا معا وسط تصفيق الموتى.