Thursday, November 08, 2018

نهايات لائقة


لم أعد أكتب حين أريد، بل أتسلل إلى الكتابة في الخفاء.. 
لا وقت للكتابة؟ هكذا أزعم.
ما أصبحت أعلمه جيدا، أن النهايات تشبه المسارات السابقة عليها، كما أنها تليق دائما بطبيعة الأماكن.
وإن كانت الانطباعات الأولى تدوم، فهي تقودك إلى نهايات تشبهها.




في الأعوام الأخيرة.. التقيت الرداءة بكل أصنافها، وتساقط حولي كل ما كنا نردده بنبرة مراهقة مثالية. نحن الآن في مستنقع رحب، يتسع للجميع، وكلما غرق أحدهم جاء آخر.

لا مانع من السوداوية أحيانا.. فهي لا تضر كما يظن أرباب التنمية البشرية، بل تمهد الطريق وتجفف المستنقعات، فما أغبى أن  نسوّق بركة آسنة على أنها روضة من الجنة.


هل تعلم ما هو أجمل شئ في النهايات؟ أنها بدايات جديدة.. 

Tuesday, October 02, 2018

الشمعة رقم 38.. ضوء أم حريق؟


ربما هي المرة الأولى التي لا أكتب فيها عن ذكرى ميلادي مبكرا. فمنذ الخامسة والعشرين وأنا أكتب بانتظام في هذه المناسبة، واليوم، ورغم أننا ما زلنا في الفاتح من تشرين الأول، وهو عيد ميلادي الرسمي، إلا أنني أشعر بالتأخر.. 
الثامنة والثلاثون، هوس بتعويض ما فات، وسؤال: كيف أكمل ما بدأت؟


يهنئ جوجل أبناءه المخلصين، يضيء شموعا في واجهة الشاشة، بينما يلقي الأصدقاء التحية عبر فيسبوك، اليوم 1 أكتوبر، حفل خاص بهذه المناسبة. 
القلق يأكل دماغك، هل أصبحت تشبه من تكرههم؟ يشغلني سؤال أكبر: لماذا لم أكتب مبكرا في سبتمبر كما اعتدت في السنوات الماضية؟ يتشظي السؤال إلى أسئلة أخرى أكثر تفاهة: لماذا تأخرت؟ هل نضب بئر الأفكار؟ هل تهرب من كشف تفاصيل جديدة عن حياتك؟
في الحقيقة.. ولا شئ سوى الحقيقة، كنت سأكتب قبل أسابيع، تحت هذا العنوان المروّع: "أن تُبـْتــَلى فيـ(ما/من) تحب". شعرت بثقل العنوان والفكرة، وكرهت أن يرتبط العنوان بالثامنة والثلاثين. وقلت: "لماذا التراجيديا المتأنقة؟" ثم تكاسلت عمدا ولم أكتب.
في الحقيقة.. ولا شئ سوى الحقيقة مرة أخرى، أدركت أن كشف ما بداخلك لم يعد سهلا، فالأعين، والسكرين شوتس، وعبارات "إنت كويس؟" "إنت مكتئب؟" لم تعد مسلية. أدركت أني في موضع استهداف، نعم.. تعاظمت البارانويا مؤخرا بشكل عنيف بسبب ما أواجهه من استهداف يومي. فأنت دائما هدف لأحدهم.




في الأسبوع الماضي، نجوت من حوادث عدة، بسبب السرعة والمغامرة على الطريق، تعلمت القيادة قبل عامين، والآن انطلق في الشوارع ملاحقا من لا أعرفهم، وأسعى يوميا وراء هدف "هش".. أن أصل في الموعد. ورغم هذا الانضباط فقد تأخرت عن طقس الكتابة السنوي.
في الطريق.. أستهدف من يستهدفونني، دوما هناك من يستهدفك، في المصالح الحكومية موظف يستهدفك بلا غرض سوى تعذيبك، هكذا هي الطقوس اليومية، دائما هناك استهداف من آخرين لآخرين.
في العام 2006 أو 2007، كتبت موضوعا عن التنمر، واستخدمت على مدار السنوات التالية هذا اللفظ، واليوم أجده منتشرا حولي، فلماذا بحثت عن هذا الموضوع مبكرا؟ كنت أعلم –ربما- أن التنمر قادم، وأن الجميع سيستهدف الجميع، وستتصادم السيارات المنتظرة أثناء الوقوف أمام إشارات المرور، وسيعطلك الموظف البائس لمجرد أنك أصبحت هدفا له، وسيحاول الجميع إفشال سعيك الدؤوب في إخضاع الجميع لمثالية برج العذراء. 
الآن فقط أفاق الجميع وانتبه للتنمر. شكرا لكم.




يقول أحدهم: "الابتلاء لا يأتي إلا في عين ما تحب". ربما قالها أحد العارفين والله أعرف، أو أحد البائسين المتشدقين، أو... أيا كان.
كنت سأكتب: "أن تُبـْتــَلى فيـ(ما/من) تحب". عنوان يليق بضحية، وأنا أكره الضحايا، فبعض من أكثروا استهداف الآخرين يتطهرون اليوم بتقديم أنفسهم كضحية: "أنا مستهدف أيضا.. الظروف والناس وكلاب الشوارع وغيث السماء و.. كلهم يستهدفونني، أنا ضحية". لذا تركت هذا العنوان، وامتنعت عن الكتابة. 
اليوم، أعود مرة أخرى.. قرأت في معنى الابتلاء، أو الاختبار، وأدركت أن لا أهمية لاختبار سوى بالنتائج، فاهتمامك بعملك يدفع بك إلى الجنون إذا ما ساء الوضع، هذا بلاء سئ، والعشق لا يختبر إلا عند الخوف من فقدان الحبيب، وهذا بلاء أسوأ. وهكذا.

لحظة.. هل يدرك جوجل ما أتحدث عنه هنا في عيد ميلادي الرسمي؟ لا أظن.





A post shared by Abderrahman Mostafa (@abderrahmanmostafa) on

أصبحت أدرك أن لديّ ما هو أهم، وأن عليّ انتقاء من أستهدفهم، وأن ألعن من يستهدفونني دون خجل، فلا أريد استهلاك طاقة الاستهداف على من لا يستحق.
قال لي صديقي قبل أشهر أثناء قيادتي السيارة ليلا: هل أنت في مطاردة؟ الأمر لا يستحق.
أعلم أن الأمر لا يستحق، ولا أشعر بالرضا، أحمد الله على سلامتي، وأشكر الحظ.
**
 في الثامنة والثلاثين، لن تندم على خسارة، ستدرك أن الوقت يسرقك ويستهدفك لكنه أضعف من ضربة حظ تصنعها بنفسك ولنفسك.
في الثامنة والثلاثين، إما أن تكمل بقلب بارد حذر متشكك، أو أن تحول الدفة إلى طريق آخر لم تعرفه بعد.

Wednesday, July 25, 2018

أنت ما تحن إليه


أنت تشفق على نفسك، من أي شئ ومن كل شئ، ربما تعتصر الغربة قلبك بعنف وتذكِّرك بلحظات مارست فيها الخوف والقلق تجاه نفسك وتجاه من تحب، لكنك قاومت دون انتصار أو هزيمة. وفي عقلك، جمعت ذكرياتك البائسة لتخفيها من حياتك اليومية، وظننت أن طريق الانعتاق يبدأ بالوحدة والتوحد، كصوفي يصنع عالما من الرضا. تكاسلت عن مواجهة كل ما فات، وحان الوقت كي تنفجر الألغام مع كل خطوة جديدة تخطوها نحو الرضا.
**
السوط بيدي الآن، كم جلدة مقابل خطئك؟ سنوات من التلوّن والتطبُّع والمزايدة حتى ظننت أنك لست أنت، وفي لحظات صدق إجبارية، فوجئت بأنك ما زلت تمارس هوايتك في الإشفاق على العالم وانتزاع البؤس من الأيام.
أنت لا تستحق الجلد! فلن تنجح في استغلال الألم لصنع أسطورة جديدة، أنت بحاجة لعقوبة أفضل، أن تعود إلى مغارتك، وتواجه بؤسك المحبّب إلى نفسك، بعد أن تمرعلى حقل الألغام قافزا كراقص باليه محترف.

نويبع - يوليو2018

أنت لا تعـرف إيـّاك.. ولا تـدرى مـن أنـت.. ولا كيـف الوصـولْ - الغزالي 

تدرك اليوم أن "ما تبحث عنه يبحث عنك".. أنت الآن تبحث عن حقل ألغام مفروش بالشفقة والخوف والغربة، وتستقطب طول الوقت ما هربت منه، وقد نبَّهك هذا وذاك بما كنت عليه قديما، ثم ابتعدوا قسرا، بعد أن حاولت تركهم اختيارا.
قالت لك: "أنت اخترتها بديلا عنهم بعد أن فارقتهم خشية الخوف والقلق، وتريدها أن تكمل مسيرتهم"، كان من حقك أن تغضب من هذا الحديث، لست خسيسا لهذه الدرجة، أنت لم تبتعد عن من ظللت سنوات تشفق عليهم وتشاركهم الإحساس بالضعف والوهن.
كنتَ طفلا يبحث عن حل، أردت أن تكون مع من أحببت دون ضعف، أردت قوة دون تجبّر.
قالت عبارتها ثم ذهبت في رحلة أنت بدأتها مبكرا، كنتما تبحثان عن القوة، وحين اقتربت منها، خافت، فقوتها المصطنعة جذبتك.. لعلها هربت منك ومن ضعفها المدفون، لم يفهمك إلا قليل، فأنت لا تحتقر الضعف، لكنك تكره الخوف والغربة.



يا زارع الريحان حول خيامنا.. لا تزرع الريحان، لست مقيمُ- أبوفراس الحمداني

البعض ودّعك بقسوة، فيما كنت تبتعد عن آخرين بهدوء، والآن ما زال هناك من ينتظر الرحيل، فقد علموا أنك تحِنُّ إلى ما هربت منه، وأنك لست من هذا النوع الذي يستعرض عضلاته أمام الآخرين، فأنت تؤمن بأن القوة لا تحتاج إلى شرح وضرب بالأمثال، كنت هادئا في التعامل مع الجميع رغم أجواء الشفقة والتأثر، لكنها لحظة مختلفة الآن..

"جاءت معذبتي" 

اصطحِب الفقدان دون صراخ، كطفل يتيم لم ينس أباه، كلاجئ لا وطن له سوى الغربة.. جاءت من تذكرك بالمعركة، واجه ما تحنُّ إليه، واجه الشفقة والبؤس والفقدان. تخبرك دون أن تقول بأن عليك أن تقلل معارك إثبات القوة أمام الماضي، أن تقلل خوفك وقلقك، الذي هو حنين إلى هوان وخشية من غربة تضل فيها الطريق. هي تقدم لك طريقا بديلا.. هل تأخذها في زيارة إلى حقل الألغام؟ أم تأخذك هي إلى طريق أبعد من ألغامك الحزينة؟


"حين توفت والدتي لم أبك حتى اليوم" ليست عبارة تفخر بها، أنت فقط تراجع نفسك.. هل ما زلتُ على نفس الثبات أم أصبح الفقدان أشد وطأة؟
تصالَح مع ضعفك، اصطدم بمزيد من الألغام في طريقك إلى النعيم.. استمتع بقدرك، وإن كان بائسا.

Friday, March 16, 2018

أرض المدافن.. كيف تقاوم العداء لمدينة 6 أكتوبر؟

كنت مولعا قبل سنوات بتتبع أثر الماضي في شوارع المدن، ربما بحثت عني أو عن أجدادي هناك، فتشت عن أصل الأشياء والعلاقات وعن جذور ما أراه. لكني أدركت أمرا، أني كلما اتجهت غربا، ازدادت الوحشة في نفسي.
لك أن تعلم أنك ستسقط في كوابيسك يوما ما، فما تبحث عنه يبحث عنك، فتخير وجهتك جيدا، وعليك ألا تخشي مغارب الأرض بعد اليوم.


هل أتى على الإنسان حين من الدهر كان يخشى الانتقال إلى الجانب الغربي من النيل؟ يبدو أن علاقة الإنسان المصري الصميم كانت واضحة من البداية، فقد اختار تقسيما واضحا، إذ كان يعتقد القدماء أن الحياة في الشرق، حيث تقبل الشمس فتهب الناس الضياء والدفء، ثم تغرب خلف التلال لتؤنس الموتى. لذا كانت المدافن في الأغلب على الجانب الغربي من النيل.
كنت أدرك هذا الأمر حين أنتقلت من شرق العاصمة إلى غربها، وإلى الآن ما زلت أزور مناطق مثل التجمع الخامس أو الرحاب وغيرهما، فأشعر بألفة أكبر على عكس الناحية الأخرى من الجيزة، وخاصة في أقصى الغرب، حيث مدينة السادس من أكتوبر. طبعا أنا لم أتحدث عن هليوبوليس وشبرا ومناطق أخرى أحبها في الجهة الشرقية.




من المؤكد أن خلق أساطير موجزة في رأسك قد يقدم تفسيرات لأمور كبيرة، منها على سبيل المثال تلك العلاقة مع جبل المقطم، إذ ارتبط معي بحكايات بعض الأقارب ناحية الإباجية، حيث رووا لي قصة أحد شبابهم الأطهار، الذي يتجلى لهم ليلا من بين المقابر بصحبة مجموعة من المنشدين بأيديهم الدفوف.
ليست هذه القصة الوحيدة التي تربطني بالمقطم، فمازالت سيرة الحاكم بأمر الله حاضرة في هذا الأمر، وتحديدا نهايته التي زعم البعض أنها كانت جوار هذا الجبل الشامخ. هو جبل مسحور، ورغبت في السكن هناك، مكان يليق بالنهايات، الحاكم بأمر الله، الإخوان المسلمون، قصة حب فاشلة.. كذلك نهاية هذا الشاب من الإباجية الذي يتجلى ليلا من بين المقابر.




يقال أن قبيلة عربية جاءت إلى مصر مع عمرو بن العاص، اسمها همدان، وكسر هؤلاء العرب ما اعتقد فيه المصريون من أن الموت في الغرب، فاتجهت همدان لأسباب عسكرية تخص تأمين حصن بابليون، إلى غرب النيل، ولما اجتازوا النهر، سميت تلك الأرض بالجيزة، وما زال هناك شارع باسم همدان وآخر باسم مراد، نسبة إلى العرب الأوائل الذين عاشوا غرب النيل دون خوف.
ولما اتسعت الجيزة، ظهرت مدينة السادس من أكتوبر، وفي خلفيتها المدافن الأعظم، الأهرامات.


A post shared by Abderrahman Mostafa (@abderrahmanmostafa) on


تركت الحياة شرق النيل، وأصبحت أعمل في مدينة السادس من أكتوبر، وحين سكنت، لم أجد سواها أيضا، من بعيد أرى الأهرامات الضخمة، تذكرني بأسطورة الأجداد، أن الحياة ليست هنا. أسكن الآن في منطقة ما زالت تحت الإنشاء، قرب طريق الفيوم، أرى لافتة على الطريق، (الفيوم 65 كيلو)، هذه المسافة أقرب لي من الذهاب إلى سيتي ستارز في مدينة نصر.
اليوم أكتب هذه الكلمات بعد أن قررت اختراق صحراء الفيوم، حتى بلغت موقعا يطل على بحيرة قارون، لا أرى الأهرامات، ولا الجيزة، ولاهمدان، لكني أعلم أني ما زلت في الغرب، بعيدا عن معنى الحياة. أنا الآن أمام الموضع الذي خسف الله فيه الأرض بقارون، والمكان الذي ضاعت فيه ذكرى امرأة العزيز.

A post shared by Abderrahman Mostafa (@abderrahmanmostafa) on


في الطريق إلى الفيوم، ودعت خيالات أهرامات الجيزة خلفي، لأرى مقابر أخرى لمسلمين ومسيحيين، في "طريق الفيوم"، غربا.
لم أعد أبغض مدينة السادس من أكتوبر، بقدر ما أشتاق إلى الشرق، أرى مستقبلا أوسع أمام أكتوبر، التي ربما أفارقها في لحظة، مثلما انتقلت إليها في لحظة.

Thursday, January 04, 2018

أثر الفراشة.. أو ما لم يقُله الشخص الغريب

لا أدري ما حدث، ولا كيف ولا متى ولا لماذا.. لم أعد أعرف الشخص الغريب. ففي داخل الزنزانة لا تعرف حقيقة من حولك حتى تغادر. بإمكانك أن تنسج الدراما الكاملة لنفسك ولمن حولك، وتنساها بمجرد الخروج.
**
أعود كما كنت، طفل يركض خلف الفراشات، يقبض على إحداها فيخشى أن تتحطم، ويخفف قبضته على أخرى خشية أن تطير بعيدا، ثم يعيد الركض من جديد. 
ليس للعقل دور في اختيار الفراشة، الأمر يبدأ بخلق حكايات لم تروها لك، ثم التدقيق في ألوانها التي لم يدركها بصرك للوهلة الأولى. تفر الفراشة من قبضتك، أو تطلقها بعيدا عنك، الأمر سواء.


تقول العرافة، إن هذا العام سيشهد تغييرات انتظرتها منذ سنين، وتنصح بألا تحزن على فراشات أفلتت من يديك، فهناك من أحرقتها النار، وهناك من ألقت بها الرياح بعيدا.
"انتظر آيار".. تكلمت بثقة، ثم أضافت "فربما..".
الآن لم أعد أعرف الشخص الغريب، ولا أعرف آيار، ولا الفراشات.
**
لم تدرك الفراشة أن تحريك جناحيها يثير عاصفة في عقل أحدهم، ليست المرة الأولى، لكنه يرغب أن تكون الأخيرة، فيتوقف الصياد عن تتبع فرائسة، وينضج الطفل ويمتنع عن مطاردة الفراشات.
أنت تعلم أنك لست أنت، أنت الشخص الغريب الذي لم تعد ترغب في لقائه، فكلما أردت العودة إليك، استنجد بك الغريب لتدافع عنه بشهامة، لكنك تفاجأ بأنه: "قد تكون جنازةُ الشخصِ الغريب جنازتي".


 التقيته في بداية العام الجديد، حذرني من الفراشات، وحذرتني الفراشات منه.. اجتمع الحكماء ليفضوا نزاعا بينك وبينك، وقالوا: "استدعوا الفراشات"، لم يأت أحد. فقالوا: "استدعوا الشخص الغريب"، فقيل مات، أو قتل.
وبعد أن انعقدت الجلسة دون شهود، قررت المحكمة إصدار حكمها على المتهم والمجني عليه، أنا. وقالوا في الحيثيات كلمة واحدة: "خذلتنا".
**
لقد كنت كريما عزيزا في أهلك، لم تخرج من بيتك لتبحث عن الشخص الغريب. لكنه اقترب فرحبت به، كما أنك لم تخرج من بيتك لتطارد الفراشات، طارت أمامك فطاردتها، هكذا يحدث الأمر.
في أعوام أسوأ، كنت تطلب ما لا تطيق، وقد تحقق. في هذا العام، تطلب أن تتخفف مما حمّلت نفسك به، وقد يتحقق.

لم تعد طفلا يطارد الفراشات، ولا مراهقا يسير في ركب الشخص الغريب.
إنه يجلس معهم، يراقبون بطء خطواتك، يشفقون عليك من فناء بلا مقابل، وإخلاص لا وقت له. إنهم جميعا هناك، يتابعون أثر الفراشة.

Sunday, October 01, 2017

في السابعة والثلاثين.. لديك حكايات ترويها

تهل نسمات تشرين العطرة، وأنا لست في أسوأ حال بعد، لدي تجارب أرويها لهؤلاء الذين لم يبلغوا ما بلغت، ولم يروا ما رأيت. 
**
بإمكانك الآن أن تستدعي تجارب ومشاهد رأيتها قبل 20 سنة.. وقتها لم تكن طفلا، كنت في الثانوية العامة "الحديثة". التي لم تصبح قديمة، لأنها لم تستمر طويلا.
تخيل.. هناك من يندهش حين يتذكر العالم في 1997!



**
المفارقة، أنني – وربما أغلب أبناء الجيل العظيم – لا نبدي أي اهتمام بالظهور كأصحاب تجارب.. أسسنا، أو شهدنا تأسيسا، ثم أصبحنا جزءا من العدم. لم يعد هناك من يهتم بالحديث عن أشياء رآها قبل 20 سنة، لكنه يصدم حين ينطقها هكذا: الكلام ده كان من 20 سنة.. ياااه تصدق!!
**
في العام الماضي، كنت أنظر إلى العام السابع والثلاثين بازدراء، هو أحد الأعوام المكملة للأربعين، وحين تنظر إلى هؤلاء الذين يعيشون صدمة ما بعد الثلاثين، تخبرهم: انتظروا ما بعد الخامسة والثلاثين. 
وتشفق، بتواضع مصطنع، على من لم يبلغوا الثلاثين، ثم تمرر كلمات "الاستظراف" التي يلقونها عليك، وتقول لنفسك: ياااه الكلام ده انا شوفته قبل كده. بعدين هيعرفوا.
**
الآن تدرك حكمة الرئيس مبارك، الذي تورطت في الثورة عليه. ألم يقل: خليهم يتسلوا؟. كان الرجل عدميا أكثر من ادعاءاتك بالعبث واللاجدوى.


**
هذا ليس عيد ميلاد.. ولا ذكرى سنوية، بل مجرد احتفال، وتفاخر بسنوات مضت. أنت من هذا الجيل الذي لم يتعلم شيئا، ولا يراهن علي شيء، بلغ النضج دون أن يعلن، وصنع تجارب دون أن يدرك أهميتها.
في هذا العام، تدرك أهم درس لم يتعلمه من هم أصغر، أنك لم تتعلم الكثير، وأنك ما زلت تتعلم وتجرب وتخفق.
الحقيقة الوحيدة أن العالم يتغير، وقد ينفجر في لحظة، بل إن العالم قد انفجر بالفعل، ورأيت ما لم تره عيناك من قبل في 2011، ثم بدأت في التعلم من جديد. لقد وقعت الثورة وأنت في الثلاثين، لم تكن مراهقا، وإن كنت تبدو كذلك.
**
ماذا أهداك العالم في السابعة والثلاثين؟ إخفاقات متتالية ونجاحات متتالية أيضا. في هذا العام، لم يعد من المهم أن تتذكر أشياء حدثت قبل 20 سنة أو قبل سنتين، لأن الماضي والحاضر لم يعودان كما كانا، فقد يأتي الماضي إلى الحاضر بضغطة زر، أو ينفجر الحاضر في وجهك فتجده ماضيا لم ينته.
وسط كل هذه الإخفاقات، وما يعتبره آخرون نجاحات، أنت سعيد، تواصل تدمير صحتك، وتتداعى الضغوط عليك، لكنك أهدأ، وإن بدوت أكثر انفلاتا.


A post shared by Abderrahman Mostafa (@abderrahmanmostafa) on

قبل هذه الذكرى أو العيد أو الاحتفال، بأسابيع، جاءتك هدية.. في الحقيقة، الهدية لم تأت، بل أنت من ذهب إليها، وتخشى أن تضيع ضمن الهدايا الضائعة. أصبحت تقدّر قيمة الهدايا الثمينة، خاصة قبل أن تضيع.

Saturday, September 16, 2017

أربعة أشياء إن تبد لكم تسؤكم


بعض الأشياء تظل خافية عنك رغم وضوحها أمامك، الصدق، الفشل، الصحة، الحنين، ومن الذكاء ألا تظن أنك علمت حقيقتها، لن تعلم، ومن رحمة الله ألا تعلم إلا متأخرا، حين تكون أكثر تقبلا للنتائج.
**
4 أشياء تلاحقني، هي النجاة والهلاك، الذعر ينتابني كلما حاولت إدراك تفاصيلها، وكشخص مولع بالتفاصيل، أسعى للوصول إلى أي شيء، وعند اللاشئ أدرك الحيرة والقلق، فأكتفي.


 الصدق

نقطة ضعف ليس لها مقويات تنفع، أو علاج يسد هذه الثغرة التي ينفذ منها العدو والصديق. في كل مرة اندفع نحو الكلام المباشر، والقول الذي لا يحمل أية حسابات، ورغم أنها قد تكون مصيدة، لكني احترم صاحب القول الصادق والكلام المباشر.
لن أروي كيف انجذبت وتورطت، ما أعرفه جيدا أنني أكرر الشيء نفسه، أسعى وراء الصدق، هل يدوم؟ هل تنكشف بعده أسباب الإخفاق التي لم أرها وسط وهج الصدق؟ ربما.


A post shared by Abderrahman Mostafa (@abderrahmanmostafa) on

الفشل

"من ذاق طعم الفشل أدرك معنى النجاح"، أو كما قالوا.
صاحب التفكير المثالي، القلوق، لا يتحمل تكرار الإخفاق، وإن حدث، يقضي عمره في حذر من التجارب الهشة. يزداد قلقه، ويتشبث بمثاليته خشية أن يستسلم أمام فشل جديد.
يحتاج هذا المسكين إلى وقت طويل حتى يدرك أن الفشل مرحلة قبل أو بعد نجاح، لا يجد من يطمئنه على نفسه، أنت لم تخطئ، وإن أخطأت فهي مرحلة.. لا تحزن إن الله معنا.

الصحة

ليطمئنه أحدكم يا سادة.. أو يا سيدات. الجسد يفنى في قلق وغضب، أخبروه أن الحياة أبسط، وأن خسارة الصحة لا تضاهيها خسارة، المال، الأصدقاء، العمل، كلها أمور يمكنك تجديدها أو الاستغناء عنها، إلا الصحة.
حذره الأطباء والأهل والأصدقاء، وبمزاج عنيد ينتظر المفاجأة، وينظر بعيدا إلى الماضي بحثا عن حياة أهدأ. أخبروه أن المستقبل ليس في الماضي.

الحنين

كلما مر على ديار الحبيب، وقف وتأمل، وانتظر.. يطوف طواف الحجيج دون أمل، لا يجد من يغفر له، ولا يطلب الشفاعة من أحد.