Friday, May 15, 2015

الإنسان سيرة مش صورة


كان لجدي رحمه الله قول شهير، "الإنسان سيرة .. مش صورة". استمعت لهذه الجملة عدة مرات، حتى بعد رحيله عام 1991، واليوم يختلف الحفيد مع الجد في شئ، إذ اكتشفت أن "الإنسان صورة .. مش سيرة".
**
يحزن الأصدقاء لاهتمامي بالناس، بينما أنا لست مهتما، أنا فقط أحاول تجنب شرورهم، وصنع صورة ضبابية أختفي وراءها. ليس هذا جبنا أو خوفا لا سمح الله، بل هو نوع من التسلي على خلق الله، يقولون: يساري، فيتكشفوا أني يميني، ويقولون: يميني، فيكتشفوا أني يساري. هم لم يكتشفوا شئ. هي مجرد صورة أتلاعب بها كيفما أشاء.
من أنا؟ أو كما قال الشاعر: هل أنا حقا أنا؟ لا يعلم من أنا سوى الله وبعض العارفين بالله والراسخون في العلم من الأصدقاء. أما الباقين .. طز !
**
التقيت فتاة على ما يبدو أنها لا تعرف من هي، أصابني الشك أنها تلعب نفس اللعبة .. الصورة الضبابية، وحين اقتربت، وجدت سرابا. هي تقدم صورة لها، تختفي وراءها، لا تقدم صورة ضبابية، لكن اقترابي منها كشف أن صورتها تتناقض مع ما بداخلها، ومع شخصيتها التي أفترضها أنا الآخر، تحولت الفتاة إلى دمية، باربي، ترتدي حسب ذوق صاحب اللعبة، تتحدث دون أن تقدم معلومة، ليس لديها موقف من الحياة .. ربما تكون البساطة متجسدة، لا أعلم. لكنها هي الأخرى صورة .. مش سيرة.
**
بعد أن كتبت تلك الكلمات التائهة، توجهت إلى قبر جدي في الأباجية، قرأت الفاتحة واعتذرت، فبعد أن فكرت وتدبّرت، وجدت أنه كان على حق، فخلف كل صورة هناك شخصية، وخلف كل شخصية هناك سيرة، الشخصية هي السيرة، تزول الصورة وتبقى الشخصية أو السيرة. الإنسان سيرة .. مش صورة.

Tuesday, April 21, 2015

بين عاصفة الحزم وإعادة الأمل

أيام الجيتار


القصة باختصار .. أريد أن أكتب، ليس هربا من الخلل المحيط بي من كل جانب، لكن، القصة باختصار .. أريد أن أكتب.
**
تعلمت أن أواجه العبث بالجدية، والجدية بالعدمية، لكن سرعان ما أصابتني هذه اللعبة بالملل، إذ يزداد الضغط فوق الاحتمال، على سبيل المثال قد تعرضت في الأسابيع الماضية لحادث اختطاف، في الحقيقة لم يحدث ذلك في الأسابيع الماضية، فقد تعرضت قبلها بسنوات لاختطاف أقدم، ثم انتزعني خاطفون جدد مؤخرا، كانت خطتهم أن أكون في أسرهم لفترة مؤقتة، وتجاوبت معهم، وحين عدت إلى الخاطفين الأصليين، أفتقدت هؤلاء الجدد، شعرت بالتشتت، وطرأ على ذهني سؤال بديهي: لماذا أنا مختطف من الأصل؟
**
منغمس أنا منذ أيام مضت في عالم الموسيقى، أعلم أن الموسيقى هي المهرب الأكبر الذي اتجه إليه في أوقات الشدة، لم تكن حلا في يوم من الأيام، لا أعلم مما أهرب .. بل أعلم، أنا هارب من الماضي والحاضر والمستقبل، لماذا الماضي والحاضر والمستقبل معا؟ لأن الزمن لم يعد بالنسبة لي خاضعا لهذا التقسيم الفج، فأنا أرى المستقبل في الماضي، والماضي بالمستقبل، والحاضر بينهما في ثبات. ماذا عن الخاطفين الجدد؟ يكررون محاولاتهم لاستعادة الزمن، وإعادتي إلى التقسيم الزمني التقليدي، ماضي وحاضر ومستقبل، أعلم أن هناك أزمنة .. ماضي وحاضر ومستقبل، لذا أقدر محاولاتهم إفاقتي من اللازمن.
**
هل تعلم سيدي القارئ العظيم أني أكتب هذه الكلمات وفي خلفية الكتابة صوت المتحدث العسكري باسم العملية العسكرية في اليمن، وقد أعلن نهاية "عاصفة الحزم"، وبدء عملية "إعادة الأمل"، وبفضولي المعتاد بحثت عن هذا التعبير، واكتشفت أن المسمى نفسه كان لعملية سابقة قامت بها القوات الأمريكية في الصومال، هل يحاول الخاطفون الجدد أن يعيدوني إلى الأمل؟ هل سيعيدوا الأمل على الطريقة الأمريكية الفاشلة؟ لا أدري.
**
أنا أشبه ذلك الجندي المصري الذي انطلق في عاصفة الحزم دون أن يعلم أي شئ عن اليمن، أشبه عَمي الذي حارب في اليمن وهو لم يدرك منها سوى بعض المنتجات والذكريات التي عاد بها لأسرته في منتصف الستينات. لا أنا عاصفة للحزم، ولا عودة للأمل.
**
لن أصل إلى حل هنا، والحقيقة أنا لا أعرف إذا ما كنت أنا من خطف خاطفيه أم أنني رهينة لديهم، لكن، القصة باختصار .. أريد أن أكتب.

Thursday, March 05, 2015

مؤتمر 25 يناير 2016 للمصالحة الوطنية الكبرى

 لم أكن أتخيل أن أكون جزء من هذا المشهد، أنا هنا بصفتي "أحد شباب الثورة". جاءتني الدعوة، وقبلت .. العنوان الكبير المعلق على الحائط: "مؤتمر المصالحة الوطنية الكبرى". لم يكن هناك مبرر لاستخدام كلمة "الكبرى"، لكن أحدهم هنا أخبرني أنها الكبرى بعد محاولات صغرى سابقة لم تنجح.
**
في الصباح، مررت بأرض الأجداد في حي الجمالية، أقبلت على الشيخ أدهم ندا وسط مريديه، جلست بعد أن صمت الحضور، ولم يتبدل نظر الشيخ يمينا أو يسارا، كان يطالع وجهي بتركيز شديد.
"عليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، قالها أحد الحاضرين، ثم أشار الشيخ بغضب لفض المجلس، ودعاني إلى خلوته، وسط رائحة البخور، ثم جلس خلف طاولة قصيرة عليها بقايا أرز وملوخية.
"انت عارف مين كان هنا قبلك يوم 24 يناير 2011؟". لم أرد .. قام من مجلسه، وطاف حولي مرة، ثم قال: "الرئيس عبدالفتاح السيسي". لم أكن أعرف المعلومة من قبل، لكني توقعتها .. روى لي القصة، وكان أكثر أجزائها تشويقا، هو وصفه للمشهد الذي أخرج فيه الشيخ سيفا من أسفل الكنبة، ووهبه إلى السيسي مع ساعة أوميجا هدية. "كنا عارفين إنه هيبقى ريس". كانت العلامة واضحة منذ وقت مبكر.
**
تذكرت ما دار في الصباح أثناء جلوسي في المؤتمر .. "سبحان مغير الأحوال". جلست في دائرة خلف الدائرة الأصلية المتراصة حول الطاولة، وسمحوا لي بالمشاركة في الجلسات السرية، كنت في خلفية عبدالفتاح السيسي ومحمد البرادعي، الذي عاد خصيصا لحضور المؤتمر.
أما في خارج قاعة المؤتمرات، فقد كانت الشوارع تعج بالفوضى، مررنا بالعديد من اللجان الشعبية المساندة لقوات الجيش، وفي بعض مناطق القاهرة، كانت هناك لجان شعبية أخرى مكونة من إسلاميين، ولا يخلو الأمر من أعمال سرقة وقتل يومية، وفي خارج القاهرة اتسعت الأزمة بشدة، حيث أصبحت هناك مناطق يحكمها الإسلاميون بمساندة عائلات وقبائل عربية.
**
ضمت طاولة المؤتمر كافة أطراف الصراع مع الأطراف المحايدة، ووصل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على كرسي متحرك ملحق به جهاز للتنفس الاصطناعي، وكان آخر الحاضرين من الخارج، وبعد فترة قصيرة .. بدأت الجلسة. "حبوا بعض .. متطلعوش من هنا، غير اما تحلوا المشكلة دي، أنا لازم أسيبكوا دلوقت". تحدث مبارك بصعوبة، ثم رحل، بعدها بدقائق تحدث الكاتب محمد حسنين هيكل عبر الفيديوكونفرانس، في كلمة قصيرة تحض على المصالحة، ورفض المؤامرات الاستعمارية.
 نفس الملل، نفس المشاهد .. جلسة واحدة للغداء، ثم مناقشات. الخلاصة: حكومة ائتلافية، وتوزيع الوزارات على الفصائل.
**
استدعاني السيسي في مكتب ملحق بقاعة المؤتمرات، دخلت الغرفة في الوقت الذي تزامن فيه خروج الشيخ أدهم ندا بصحبة الرئيس السابق عدلي منصور .. جلست .. دقيقة وجاء البرادعي. ثم ظهرت فكرة لحل جذري.
"إحنا نعمل مجلس رئاسي مدنى".

Monday, February 09, 2015

أن تشبه من تكرههم

"لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتّ.. فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت.. فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كي تتكلم، ولا تتكلم كي تصمت".
**
في يوم من الأيام، قال صديق: ستصبح كهؤلاء الذين تكرههم، في هذه المرة، لم أقاوم، لم أتلو عليه ما أحفظ من حقائق، عن العمل النموذجي، والزواج النموذجي، والصداقة النموذجية .. لم أتحدث عن الأشياء كما تجب أن تكون، ولا عن الخطوة التي تفكر قبلها ساعات، وأيام، وسنوات، لم أخبره عن أي شئ. قلت: آه ممكن قوي.
"انتهى"
**
كلما مرت الحياة، أدركت أني لا أدرك كيف تكون الحياة، وكيف يجب أن تكون الحياة .. استسلمت لحياة لا أؤمن بها، وخسرت من آمنت بهم، بعد أن خسروا ما آمنوا به.
تقول شيرين: "كل حاجة ناقصة حاجة"، ويقول الشاعر في رثائه للأندلس : " فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ .. لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ".
في البدء .. يبدو كل شيء كاملا، ثم تبدو نقائصه، وعليك أن تكمل أو أن تنسحب.
**
" أنت إنسان وجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة " – جبران
إما أن تقبل نصف حياة، تظنها كاملة، أو أن تكون كمن كنت تكرههم . 

Sunday, January 25, 2015

25 يناير.. الحل عند أصحاب اليقين

بعد 4 سنوات مرت على 25يناير 2011، انقسم أصحاب اليقين إلى:
1- من لديه يقين بأن الثورة ستنتصر، وأن التغيير قادم، وأن ما كان لن يتكرر مرة أخرى، مهما كانت الانتكاسات.
2 - من لديه يقين بأنها كانت ثورة إسلامية منذ البداية، وعلى الإسلاميين أن يصححوا مسارها، وأن يكونوا خلفاء في الأرض.
 3- من لديه يقين بأنها كانت مؤامرة على السلطة، لخدمة أطراف خارجية وداخلية.
**
توضيح :
هناك فرق بين أصحاب اليقين الثابت ومن يعيشون في الصخب الدعائي والحماسي. غالبا ما يبدو صاحب اليقين، أكثر ثباتا، لديه قدرة على عرض وجهة نظره، وانتقاد من يتفقون معه في يقينه، قبل انتقاد من يخالفونه. وغالبا ما يبحث عن صورة متكاملة ليقينه، تشمل الجميع.
**
خضت تجارب شخصية في التفاعل مع أصحاب اليقين، وتحديدا هؤلاء الذين يعيشون على هامش المشهد وسط مجموعاتهم، حتى إن بدوا ذوي  سلطة أو نفوذ أو تأثير. فهم ليسوا أصحاب مصلحة مباشرة في ازدياد أعداد أتباعهم، بل يراقبون الآخرين بقلق، ولا يقول أحدهم : أنا فلول، أنا إسلامي، أنا ثوري، سوى على مضض حين يعرض يقينه، وليس بهدف دعائي.
**
ربما يكون الحل، حين تترك هذه النماذج "اليقينية" معسكراتها، وينخرط كل قسم منهم في تجربة الآخر. فكل طرف لديه معلومة، تكمل معلومة الآخر، وهناك نقاط لم يعد عليها خلاف. أما الدعائيون الثرثارون في كل طرف، فليذهبوا إلى الجحيم .. فالجحيم الحقيقي، سيكون في حالة أن قام توافق في المستقبل على يد المنافقين الدعائيين من كل فريق.

Friday, December 26, 2014

حكايات السلم والأسانسير

"السلم بيبدأ من الدور الأول، والأسانسير برضو بيبدأ من الدور الأول"
**
لو هدفك إنك توصل الدور الأخير، ممكن تركب الأسانسير وتوصل لفوق على طول، بس لما تقابل الناس اللي فوق، ويسألوك عن اللي شوفته في طريقك لحد ما وصلت، أو لو حد منهم طلب منك موضوع تعبير في وصف مارأيت من غرائب العمارة، مش هتلاقي حاجة تقولها، ممكن ساعتها تفضل وسطهم في الدور الأخير، بس هتبقى مجرد شخص موجود، ومش مفيد.
**
لو طلعت على السلم، هتخطي برجلك على كل عتبة، ويمكن تتكعبل، ويمكن تقابل حد يحذرك، أو تقابل حد يحكيلك حكايته، وهتلاقي اللي يعطلك، واللي يكعبلك، ..الخ. بس هتبقى عندك مساحة في كل دور تطلعه، إنك تفهم إيه اللي بيحصل .. ولما تتسأل في الدور الأخير، ده إذا وصلت، هتبقى فاهم كل حاجة بتحصل في كل دور، وهتحكي عن الناس اللي قابلتهم، وعن انطباعات سكان كل دور، وساعتها هتبقى من أكتر الشخصيات المفيدة في المكان، ويوم ما تنزل في مهمة من الدور الأخير لأي دور تاني، هتبقى عارف انت رايح فين، وهتعمل إيه .. على عكس اللي لسه بيتفاجئ.
**
طب ما فيه حد ناصح ممكن يقولك أنا أركب الأسانسير، وانزل في كل دور أفهم إيه اللي بيحصل، بس من غير ما استخدم سلالم، ووجهة نظره : هو ليه التعب ما دام ممكن اخد فكرة بالاسانسير ..؟ الشخص الناصح ده، بيقع أول ما حد يجيله من اللي وصلوا بالسلم، فبيبان ضعفه ونفسنته.
**

السلم والأسانسير، بيبتدوا من الدور الأول، ويكملوا للنهاية سوا .. بس الفرق في الرحلة .

Tuesday, December 16, 2014

تقول له : إنت حمار .. يقول لك : لا أنا إبن وسخة

المشهد كالتالي ..

كنت ماشي مع ناس في حوش المدرسة، والواد اللي مابطيقوش كان ماشي مع صحابه، وبعدين راح خابطني بكتفه وهو جاي علينا، وراح ضاحك .. أنا مكنتش طايقه، وعايز أول فرصة عشان أتخانق معاه، فعلى طول رحت قايل له : إنت حمار !!
كان المتوقع إنه تدب خناقة كبيرة بعد الجملة دي، وكل مجموعة كانت متحفزة للخناقة فعلا، بس اللي حصل كان مفاجأة . الواد قرب مني، وفي وسط ما الكل متحفز، راح قايل: لا أنا ابن وسخة .
مافهمتش في الأول، فضلت باصص له وعايز أسمع أي جملة تانية، لكنه فضل يكرر الجملة : أنا إبن وسخة .. يا عم أنا ابن وسخة.
اللي حصل إني صحابي شدوني، وهو صحابه شدوه لبعيد، بس شفت نظرات الخزي والعار وفي عينين صحابه، لدرجة إن واحد منهم راح حاطط إيده على بق الواد، وقل له : بس بقى ..
أما أنا، فواحد صاحبي قال لي : سيبك بقى، هو مش عايز يتخانق معاك، وبيجيب ورا.
**
إللي يهمني في الموضوع هو اللحظة، اللي كان الإدرينالين في أعلى درجاته، وفجأة حصل تصرف مش طبيعي، أفسد اللحظة، يعني واحد بتقول له إنه حمار عشان تبتدي خناقة، فيقولك، وكإنه بيتخانق معاك، لا أنا ابن وسخة .. شكيت إنه بيشتمني أنا، لكن لما كررها، اكتشفت إنه بيشتم نفسه . "آه .. أنا ابن وسخة".
**
السلطة الحالية بتعمل كده .. ماشية بمنطق "آه .. أنا ابن وسخة". فبتحطك في موقف غريب، بتستكتر فيه على نفسك إنك تدخل خناقة، مع حد محتقر نفسه، ومش مقتنع بنفسه، لدرجة إن حلفاءه بيتكسفوا منه ومن هبله.