Wednesday, July 30, 2014

بعد المعركة الأخيرة ضد داعش وإسرائيل

قبل القيامة بقليل، سيخرج يأجوج ومأجوج للقضاء على خيرات البلاد التي ستقع تحت أيديهم، سيهبطون إلى العراق، وستكون نهاية داعش على أيديهم .. ستفتح أمامهم الطرق في سوريا والأردن، حتى يصلوا إلى بوابات بيت المقدس، وستسقط إسرائيل، ولن يذكر إسمها بعد ذلك .
سيعبر يأجوج ومأجوج سيناء، ثم قناة السويس، حتى يأتي هلاكهم في ترعة بحر مويس في محافظة الشرقية، ومن لم ينجو من الغرق، ستهلكه البلهارسيا.
**
أحكي تلك القصة القصيرة المشوقة لأقول، أن يأجوج ومأجوج سيرددوا نشيدا سوفيتيا قديما، وستكون المرة الأخيرة التي يتلى فيها هذا النشيد في تاريخ البشرية، هنا.. في مصر.

اسم النشيد : Polyushka Polye أو Полюшко Поле أو كانوا الخيالة


Friday, May 16, 2014

ست طلقات لأربعة مصادر صحفية



 جلست أمام السيد الأستاذ الوقور، الأكاديمي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لم أعرف كيف أبدأ، ولا كيف يمكنني الاستفادة من انخراطه في عدد من الكيانات السياسية، أو من خبرته الأكاديمية، يكاد أن يكون أكثر المصادر استهلاكا في الصحافة وأكثر الضيوف ظهورا في الفضائيات .. كان عليّ أن أبدأ.
سألته سؤالا مستهلكا يشبه طلـّته التقليدية: "كيف ترى المشهد السياسي حاليا؟"، وبدأ حديثه بالتشاؤم، ثم مزيد من التشاؤم، حتى قال: "مصر مقدمة على نفق ليس له نهاية". توقفت عدة ثوان أمام العبارة، سألني: "اتفضل كمّل أسئلتك، ولا خلصت؟". تركت أوراقي جانبا، أخرجت المسدس، "بتعمل إيه يا مجنون !!". أطلقت رصاصة استقرت في صدره.
**
في داخل منزل مبني من الطوب اللبن، تجمع حولي 4 أفراد من أبناء المنطقة العشوائية، حيث عشرات من الأسر المهددة بالتهجير القسري، "احنا ناس غلابة يا باشا .. محدش هنا حاسس بينا، ولا صحافة، ولا إعلام، اكتبوا بقى وبطلوا كدب". أنهيت اللقاء سريعا، واعدا إياهم أن أنقل الصورة إلى الجمهور، كما يملي عليّ ضميري، ثم طلبت من الرجل الذي أمرني بالكتابة دون كذب، أن يصاحبني حتى أطراف الطريق، وفي منطقة مظلمة، أمامها مساحة شاسعة من الصحراء التابعة للقوات المسلحة، قلت له: "أنت ليه متخيل إني هكتب كلام كدب؟"، قال: "الإعلام كله كدب، وانت عارف يا باشا، أنا ابن عمتي كان بيكتب في جرنال مراجيح الحرية، وساب الشغلانة، واشتغل على تاكسي .. وقاللي على كل حاجة". أخرجت مسدسا كبيرا بكاتم للصوت، وأطلقت طلقة هادئة، اخترقت منتصف جبهته.
**
في بناية عظيمة تطل على النيل، جلست المديرة الشابة خلف مكتبها الأنيق، وحكت لي قصة نجاح الشركة، منذ أن كانت مجرد شقة عادية في الضفة الأخرى من النيل حتى هذه اللحظة، "كان الفيو برضو بيطل على النيل؟"، هكذا سألت. وجاءتني الإجابة بتوتر: "آه كانت بتطل على النيل، بس كانت أصغر.. وكنا خمسة بس، إنما احنا دلوقت 33 موظف !". طلبت منها أن تفتح الشباك، وأن تشير إلى موقع المقر القديم، حيث تلك الشقة المتواضعة المطلة على النيل، وأثناء وقوفها خلف الشباك المفتوح، سددت رصاصة غادرة، أسكتتها إلى الأبد.
في هذه المرة، توجهت إلى المذيعة اللامعة، التي اشتهرت (بسلخ) ضيوفها، سواء كانوا نجوما مشهورين أو كانوا ضحايا مغمورين، حذروني بشدة من هذا الحوار، وأنها قد تكون نهايتي المهنية، واخترت التحدي، وقيل لها أني مجرد صحفي لطيف، لو (زغرت) لي سأعود إلى لطافتي المعهودة، وهكذا دار الحوار، حاولت استفزازي، والاستهاني بي، وشتمي مباشرة، وكل هدفي هو انهاء الحوار، فلدي هدف أسمى من ذلك.
"لدي سؤال أخير .." صمتت، نظرت إليّ ببرود، فاستكملت وأنا أضع يدي داخل الحقيبة الجلدية التي لا تفارقني: "هل شايفة انه المشاكل الجنسية اللي بيواجهها البني آدم، ممكن تأثر على أدائه الإعلامي؟". اتسعت عيناها، ثم قامت من مكانها وهي تردد: "انت قلت إيه دلوقت ؟!!". لم تستطع تكرار الجملة، فقد استقرت رصاصة في صدرها .. ماتت وهي مذهولة.
**
في مسيرة، اكتشفت بعدها بقليل أنها كانت جنازتي، وسط مقابر كثيفة في جوار القلعة، تركوا المحفة قرب القبر، فنظرت إلى لوحة رخامية تعلو الشاهد، تقول: "شهيد الصحافة المصرية". 
أصبت باستياء شديد. "إيه الحركة اللي ملهاش معنى دي، ازاي العيلة سمحت بالرخص ده !؟". سمعت من خلفي صوت رجل وامرأة، كان الناس قد رحلوا، وتركوني وحيدا أمام القبر.. الاستاذ الأكاديمي والاعلامية الشابة، يرتديان (أبيض في أبيض)، يحملان نظرة تسامح، ومغفرة. قالت الإعلامية: "أنا مسامحاك على فكرة، والدكتور برضو جاي يقولك كده". اخترق صوت طلقتي رصاص هدوء المقابر، وسقطا معا وسط تصفيق الموتى.

Friday, May 02, 2014

النزاهة كنز قد يفنى ،،


لم أنجح في نسيان ذلك المشهد من فيلم "الرجل الذي فقد ظله"، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب فتحي غانم، كان المشهد كالتالي: يدخل كمال الشناوي إلى مكتب رئيس التحرير، ويخبره عن حريق أصاب دار الأوبرا، فيسمع منه رئيس التحرير حتى النهاية، ويخبره أن معظم التفاصيل التي قالها، لم تحدث، ثم يبتسم قائلا: "هي الصحافة كده، نصها حقيقة، والنص التاني فبركة".
يلخص هذا المشهد إحدى نقاط ضعف الصحافة، فأحيانا ما تعلو قيمة السرعة على حساب الدقة، والإثارة على حساب المصداقية، وفي النهاية يفصل بين كل هذا حقيقة هامة، وهي حجم المبيعات، خاصة بعد ما حدث في السنوات الأخيرة من فقدان الصحافة الورقية قوتها أمام الانترنت والفضائيات، وما يعانيه سوق الاعلانات من تعثر.
**
ما الذي يدفع صحفي إلى فبركة خبر أو تأليف قصة إنسانية ؟ نحن هنا نتحدث عن تدمير أهم خدمات الصحافة، ألا وهي تقديم المعلومات، لذا فإن غياب النزاهة والمصداقية، هو أمر يقضي على سبب وجود الصحافة من الأساس، فلا أحد يحتاج إلى معلومة خاطئة.
هل تعلم ما الذي يدفع إلى استبعاد النزاهة والمصداقية من العمل ؟ الضغط والإجبار والاحساس بالضعف.. 
**
يبرز عامل الضغط في الجانب المالي، الذي يقود إلى ضرورة تطعيم المادة بالإثارة، بل والاختلاق أحيانا، والتركيز على معلومات قد لا تفيد القارئ بقدر ما تخاطب غرائزه، غالبا ما يأتي القرار هنا بعد اجتماعات فوقية، من أصحاب رأس المال، لإيجاد حلول لدى إدارة التحرير، كي يزيدوا من المبيعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
أما الإجبار فيبرز في العامل السياسي، الذي لم يعد دوره خفيا في التأثير على توجهات الصحف، وهنا، إن لم ينصاع المحرر للخطط الجديدة، فعليه أن يتقبل التهميش، أو تطويع أخباره لترضي الموجة السياسية الحاكمة.
أما العامل الأخير، فيبرز في أشكال تافهة من تصفية الحسابات بين أصحاب المصالح من الصحفيين، فليس غريبا أن يتعرض محرر ناشيء لتوجيه من مديره، كي يطعن في المهرجان الفلاني، أو في الشركة العلانية، والسبب أن صحفيا منافسا، قد اغتنم منصب المستشار الاعلامي الذي كان يطمح إليه، وهنا يتحول الصحفي الناشيء إلى أداة في يد رئيسه.
**

أذكر أني قد تحدثت مع زميلة حول هذا الموضوع قبل الكتابة، وكانت إجابتها عملية جدا .. هل تستطيع إثبات تلك التفاصيل بالدليل ؟ أما أنا فأرى أن الدليل على الفبركة وغياب النزاهة، هو كم الأخبار والقصص الملفقة التي تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية يوميا، لكن الدليل على أسباب الفبركة، لن تسمعه سوى في كواليس الصحافة، من شباب يريدون زيادة كشف انتاجهم، ومديرين تحركهم ضغوط مالية، أو حسابات شخصية .. لكن ما زال في هذا المسرح دورا صغيرا لأحدهم، يحاول أن يبتعد عن تلك الحسابات الفاسدة، سواء كان رئيس تحرير، أو مديرا، أو محررا عاديا.

Tuesday, April 22, 2014

1980s‎ - قصة جيل عدمي بالفطرة

أنا -ولا فخر- إبن جيل، نجح في تحقيق معادلة صعبة، فهو من دمر مشروعات الأجيال السابقة، وضيّع أحلام الأجيال التالية، فلم يعترف بركود من كانوا، ولا بطيش من سيأتون بعده، ثم جلس فوق جبل الأعراف، يطالع من بعيد انجازه الهدّام، منتظرا اللحظة التي سيُحَكّم فيها بين طرفين، أحدهما مدمر، والآخر ضائع.
**
ومادام الطبع - كالعادة - تملي بيغلب التطبيع
هتفرق تربية زيادة فـ واحد بالجينات هيصيع ؟!

لم يختر أبناء جيلي العدمية مذهبا، لكنها كانت أسلوب حياتهم منذ أن أشرقت أيامهم بنور ربها، إذ كان رئيسهم حكيما للشرق، يفد إليه زعماء العالم للإستئناس برأيه ومشورته، كان يخرج في الخطاب الواحد ليتبول على الجميع قائلا: ياراجل كبر مخك .. ويصف أعداءه بقوله : خليهم يتسلوا. ثم انتهت الأسطورة بنهاية تراجيدية. فكيف نؤمن بأبطال وحكماء بعد هذا البؤس؟
وماذا ننتظر من جيل ذهب إلى المدرسة، دون أن يدرس، وإلى الجيش، دون أن يحارب، وإلى العمل دون أن ينجر .. جيل لاينتظر قيمة ينتجها، فقيمته في وجوده.
ليست نرجسية، لكنها التربية، والطبع، والعادة، وسمة الزمان، التي تجسدت فينا.
**
لامونا اللي غاروا منا، وقالوا نحن جيل بلا آباء، وأقول .. ما حاجتنا لآباء، ألم يكن محمد يتيما وسط أقرانه؟ ألم يكن المسيح بلا أب؟ ألم يتبرأ أبو الانبياء من أبيه؟ هل نحن أفضل منهم كي نبحث عن آباء ؟
لن يعجبهم كلامي، ولن يُعجَب بعضنا بكلام بعضنا، فمازال بعض أبناء جيلنا يتمسح في المدمر والضائع، لكن الأمل كله في هؤلاء، الذين ثبتوا على عقيدتهم، دون رغبة في تسلق، ولا نية في مناطحة، الذين لديهم ثقة باردة في الظهور والتجلي القريب، دون سعي دؤوب، لكن بحرب بطيئة، يخسرون فيها سنوات عمرهم، دون ضيق من الهزيمة على يد من سبقوهم، أو الاستسلام لمن بعدهم. يحملون في صدورهم طمأنينة صنعت هذا الثبات، كيائس يأمل في المستقبل، و طموح يرجو بلا أمل.
**
أما بعد ..
فلقد تحقق ما كان، وما زال القادم في الطريق، سواء كنا شهودا عليه، أو رأيناه فيما بعد من السماء السابعة، مع الشهداء والأبرار والصديقين.
وتذكر دائما .. إثنان لا يخسران، فائز اعتاد الفوز، وخاسر اعتاد الخسارة، ونحن اعتدنا الفوز والخسارة .

Tuesday, April 15, 2014

The Pursuit of Happiness


فيما يبدو أننا نستمد السعادة من رضا الآخرين عنا، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، هذا ما يحدث.

تذكّر ماضيك حين كنت طفلا صغيرا، تتعلم وفق ما يريدونه لك، فإما أن تكون ضدهم .. "صايع" يحاول التطابق مع صور من حوله من "الصيّع"، أو أن تنتهج مذهب التفوق والتأدب، حتى تمر من هذه المرحلة. 
وفي اختيارك من تحب، لابد أن تفكر –لاإراديا- في الصورة التي تتوقعها في الطرف الآخر، وأن تقارنها بصور أخرى مرت من أمامك، بل ليس غريبا أن تحدث نفسك وأنت مزهو برفقة إحداهن: ها أنا قد فعلتها، والجميع راض عني. 
حتى في عملك، أنت تسعى لتكون داخل إطار يجمعك في صورة واحدة مع الآخرين، وعليك أن تقلل مساحات الاختلاف قدر الإمكان.
**
لا تأخذك العزة بالإثم، وتتهمني بالتشاؤم والكآبة، فكر قليلا .. في ملبسك، مأكلك، صداقاتك، أثاث منزلك، عملك، أسلوب حديثك، ..الخ. كلها أجزاء من صورة كبيرة تصنعها لنفسك، حتى تعيش، وتستمر. إذن ما مساحة التمرد؟ والوحدة؟ والتميز؟ هي أيضا ضمن توقعات الآخرين. نعم .. بإمكانك إبهارهم، ومناهضتهم، والانعزال عنهم، لكنهم في النهاية سيظلون قضيتك.
**
قيل لي مرارا وتكرارا: سيبك من الناس.. وشعرت أن مقولة "سيبك من الناس" هي مجرد أوهام، فأنت محاط بالآخرين في كل مكان، فقد لاحظت أن الجميع يلعب على توقعات الآخرين، فإما أن تتلبّس النموذج السائد، أو أن تسعى إلى تأسيس نموذج بديل .. هذا النموذج البديل سيكون أيضا من أجل الآخرين. أنت دائما لست وحدك، ولا تقـِل حدة هذه الحسابات إلا بينك وبين ربك، أو مع المقربين. وحتى مع هؤلاء ستظل أزمتك مع توقعاتهم موجودة.
**
يعجبني هذا الرجل.. الششتري، حين اعترف بينه وبين نفسه، أن الأمر كله مجرد لعبة، فهو يلعب بالناس، ورغم أنه استمد قناعاته من (ناس)، لكنه أراد إبهارهم، ومفاجأتهم، بملبس غريب، وبسلوك أغرب، ويبدو أنه قد وجد الخلاص في ألا ينتمي لتوقعات الآخرين بشكل كامل، بل أن ينتمي إلى ما يختاره من توقعاتهم، حتى لا يستبعد من بينهم، وفي نفس الوقت، أن يخالف توقعاتهم أحيانا، لعرض تميزه.
**
ما هو الرضا؟ هل بتحقيق التوقعات؟ أعتقد أن الرضا غاية يَصعـُب تحقيقها، والأفضل منه هو اللعب مع التوقعات.

Thursday, March 27, 2014

سلسلة أول مرة وكان ياما كان


تصوير: أحمد حجاب 
هذه هي المرة الأولى التي اقتحم فيها بحرا وأجرب العوم منذ سنوات، اليوم كسرت عادتي في الاكتفاء بمشاهدة البحر والجلوس على الشاطيء، أنا لا أعاني من فوبيا تعيقني عن النزول إلى المياه، لكني كنت قد اتخذت قرارا قديما، بالامتناع عن العوم، وإعلان ازدرائي لكافة الكائنات البحرية التي قد تدهسها قدمك أثناء ممارسة السباحة. كانت آخر مرة سبحت فيها في العام 1995، أي منذ ما يقارب 20 سنة.
وحين أذكر هذه القصة القصيرة لأحدهم، يبدي اندهاشه وتأثره، خاصة أنه قد توافرت لي العديد من الزيارات إلى مدن ساحلية وفنادق، حيث يمكنني السباحة بسهولة، سواء في بحر أو في حمام سباحة.
**
أعيش حالة دفعتني في الشهور الأخيرة إلى الدخول في سلسلة الأوائل، أو ما يمكن تسميتها .. "سلسلة أول مرة". على سبيل المثال، خضت قبل عدة أشهر تجربة الجري صباحا، وهو ما لم أفعله في حياتي سوى مرات قليلة، كان آخرها قبل 15 سنة، وحين أقلعت عن الجري مؤخرا، بدأت في ممارسة تمارين رياضية لم أمارسها منذ 10 سنوات على الأقل، أما الأغرب، فهو عودتي إلى لعب البلياردو، الذي لم أمارسه منذ نهائيات كأس العالم 1998، حين لعبت "الجيم الأخير" أثناء مشاهدتي إحدى مباريات التصفيات في ذلك الوقت. وقبل عشرة أيام فقط، لعبت كرة القدم لأول مرة منذ 15 سنة تقريبا، كانت عشر دقائق حاولت فيها استعادة مهاراتي، لكن المشوار طويل، والآن أفكر في تركيب "وتر الريه" في الجيتار، والعودة إلى العزف مرة أخرى، والسبب في ذلك أني حاولت العزف على جيتار صديقة مازالت في خطواتها الأولى مع الجيتار، وكانت المرة الأولى لي بعد سنوات طويلة.
**
ما الذي منعني عن كل هذا طول السنوات الماضية؟ عدة أسباب.. منها أنه قد تكونت لدي قناعة بأن من يرتدون النظارات، لا يفرقون شيئا عن متحدي الإعاقة، وأن عليهم أن يتحركوا بحدود، بعيدا عن السباحة ولعب الكرة، و..الخ. لذا انسحبت من أنشطة وهوايات اعتبرتها غير ملائمة لمن يرتدي النظارة. أما السبب الآخر فهو أني اعتبرت بعض هذه الأنشطة مثل البلياردو، الجيتار، الجري، ..الخ، غير ملائمة لسني. لكن الحجة الأكبر التي أبعدتني عن كل ذلك، هو إعلاني مبكرا أني أعيش حالة خاصة، ونمط حياة مختلف، وهو ما أقحمني في أنشطة وجلسات أخرى، لا تفيد كثيرا.
**
لا أجد تفسيرا واضحا لهذه العودة المجيدة، لكن إذا ما حاولت تفسيرها على سبيل التشاؤم، فقد يكون مروري على أشياء امتنعت عنها لسنوات، هو منحة ربانية قبل رحيل مفاجيء أو حدث جلل، أو ربما تكون محاولة مني للتشبث بالحياة، عبر العودة لأنشطة أقلعت عنها منذ سنوات.
أما التفسير المتفائل، فأجده أقرب إلى المنطق، وهو أني أحاول كسر قيود وهمية تدفعني إلى التعالي على أنشطة يمارسها الجميع، وربما تكون خطوة -لا إرادية- تقود في المستقبل إلى خطوات أكثر جرأة في تغيير نمط الحياة بأكمله.
**

لا أعلم ماذا يحدث، أو ما يدفعني إلى تلك الحالة المستمرة حتى الآن، ما أعرفه جيدا، هو أني أريد تحريك الجمود الذي يحيط بي من كل جانب، على أمل تغييرات أكبر في المستقبل.

Friday, March 14, 2014

وصاني أبويا أمشي كويس


ما زلت أذكر بعض الكلمات التي ألقتها أمي على أذناي في سنوات المراهقة الصعبة، كانت تعلم -رحمها الله- أن حياتها قصيرة بسبب المرض، وكثيرا ما أصابها قلق من ضياعي في الشوارع، لذا أطالت في التحذير. على رأس تلك التحذيرات، كان ما يتعلق بحالة الوهم التي نعيشها أحيانا، وتغفلنا عن أمور أساسية في حياتنا، الدراسة، الزواج، العمل، ..الخ. كنت شابا نزقا، أعيش وسط صخب الأصدقاء، اعتبرتهم والدتي دون أن تراهم "أصدقاء السوء"، وحذرتني من نهايتي ونهايتهم، وبعد وفاتها، تحققت نبوءتها، وانتهت علاقتي بهم في سن العشرين. 
**
أحيانا ما أفتقد تلك الآراء الجذرية، حتى ان حملت معها تحذيرات عنيفة، وأيا كان الموقف، فكان تحذيرها الدائم هو البعد عن حالة الوهم التي ترتبط بحياة الشارع، ولا أعلم إن كان قد وقع ما كانت تخشاه أم لا .. فقد عدت إلى الشارع، وعدت إلى حالة الوهم التي هربت منها لسنوات طويلة.
**
في حياة الشارع، تتجدد الوجوه من حولك، وتنصت إلى حكايات ونميمة، وحين تصبح مهنتك قائمة على ذلك، فتنزلق لاإراديا إلى عالم الوهم .. ما هو الوهم ؟ هو التكرار، هو الدوائر التي تدور فيها كرها وغصبا، هو كل ما يغفلك عن طبائع الأمور التي ستتعالى عليها مع الوقت. فتظن أنك حالة خاصة  مميزة طول الوقت.
**
لا يحذرني والدي إلا في اللحظات الحرجة، إذ أصبحت لقاءاتنا قليلة، وأحيانا ما أطلب بنفسي النصيحة، لكن والدي ليس لديه مشكلة مع الشارع، وغالبا ما يطرح أراءه الجذرية في شكل خطوط عامة تناسب مرحلتي العمرية. 
**
أتذكر الآن جملة من أغنية لشعبان عبدالرحيم ونجله عصام، إذ قالا : وصاني أبويا أمشي كويس، وفي وسط بلدي أكون ريس.
**
تلك الخطوط العامة والأراء الجذرية، والاشارات إلى عالم الوهم، نتذكرها في مواقف بعينها، حين يتشابه ما نعيشه الآن، مع ما كنا نعيشه من قبل. لا أعرف حلا واضحا سوى ما خضته لسنوات من قبل، حين اعتزلت، واعتكفت، وكنت أكثر راحة وحرية . 
**
سأظل أتذكر، وأمام عيناي كل ما قيل .. محاولا أن "أمشي كويس"