Friday, January 20, 2012

أرغب و لا أريد

في المحاضرة .. تحدثت الدكتورة الأكاديمية عن التصوف، وبدأت من سلطة الخطابة عند الإغريق، وسلطة البيان عند العرب، وكانت اللغة في العصور الإسلامية تهدف إلى تقديم نص محكم في الفقه والشريعة، وكل تلك النصوص المحكمة كانت تنتزع من سلطة الحكام، والحكام بدورهم بحثوا عن السيطرة باللغة، وهو ما جعلني لا إراديا أتذكر شعر المديح الذي قيل في حكام المسلمين، وانتزاع الحكام للسلطة عن طريق اللغة والشعر.. أين ذهب الصوفي من كل هذا؟ سلك طريق الحيرة والشغف، وخاض رحلة بين ذاته والذات الإلهية التي لا يمكن الوصول إليها. نعم.. نحن أمام شخص يعلم انه لن يصل إلى الحقيقة
**
الصوفي مغترب عن العالم بسبب مساحات الخيال التي تبعده عن النصوص المحكمة السلطوية، ومغترب عن الذات الإلهية لأنه إنسان، هكذا اختار طريقه.. هذا التحليل عشت معه بقوة، كأنها حكايات قبل النوم، أما الأهم فكان في اقتباسات هامة ذكرتها المحاضرة، على رأسها: "من عرف نفسه عرف ربه". كل تلك الأجواء دفعتني إلى التفكير في اللحظة التاريخية التي أعيشها.. أنا أقترب ولا أصل، وكلما اقتربت، كلما تراجعت، أرغب، ولا أريد، الفرق بيني وبين ذلك الدرويش الصوفي أنه لا ينزعج
**
تحدثنا كثيرا، واكتشفت فجأة أني أتحدث مع نفسي، كنت أقاطع نفسي لأسالها: إنتي معايا؟
ما كان يدور برأسي، وأرّقني طوال ثلاث ليال قلته مرة واحدة، واكتشفت أني صوفي، وهكذا هي ظنت عن نفسها .. وكما علمت عن نفسي في زمان سابق، فإن جزئيات جسمي تكونت من دم ولحم وقلق، ولا أدري سببا لهذا القلق سوى حس الكمال.. كأني أنا أيضا أبحث عن الذات الإلهية الكاملة كي أتحد معها
**
وَمَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِتَكَبُّرٍ ** تَجِدْهُ صَغِيراً في عُيُونِ الأَقِلَّةِ
وَمَنْ كَانَ فِي حَالاتِهِ مُتَواضِعَاً ** مَعَ اللهِ عَزَّتْهُ جَميعُ الْبَرِيَّةِ

يبحث الصوفي عن الصمت.. وكما هو معلوم من ملصقات التاكسيات والميكروباص، فإن الصمت لغة العظماء، تعجبت أنني لم أحدثها هي فقط، بل توجهت إلى المارة وعابري السبيل، وتحدثت إليهم، حتى ظنوا أني أحد المجاذيب. قلت لهم أني لم/لن أصل، فقالوا لقد وصلت وانت لا تدري. لم يفهمني أحد، وما فائدة معرفة الناس وبعضهم لم يعرف الله ذاته ؟
"إيش عليّ أنا من الناس وإيش على الناس مني"
**
يراهن صديق أني سأسقط أو أقع أو انهار، وستكون لحظة الكشف

Wednesday, December 21, 2011

I wish I'd met you earlier ..

في التاكسي.. ارتفع صوت الراديو بشكوى مواطن لم يتم تعيينه في المؤسسة التي يعمل بها، قلت للسائق :انا أيضا لست معينا.. ولم يكن يعرف مهنتي بعد. حتى دار الحديث بيننا حول دور النقابات في حفظ حقوق العاملين، وكيف يغيب هذا الدور في عالم سائقي التاكسي، وحدثته عن طموحاتي المجهضة في تكوين رابطات للسائقين تضغط على نقابتهم المعطلة لضبط العلاقة بين ملاك التاكسيات والسائقين، والبحث عن حقوق هذه الفئة
نعم.. هكذا تحدثت
**
لم تكن تلك هي القصة بالضبط التي أردت أن أرويها هنا، ربما كان مدخلا، أو مهربا من المقدمات. أكتب الآن، و لدي الكثير من التحضيرات والعمل المعلق، ومثل كل مرة، أنا أعمل مثل صيادي السمك، ربما أعود بصيد ثمين، وربما أعود ولا أستطيع بيع ما لدي. الفارق الجوهري، أن الصياد يعمل ولا ينتظر تقييما أو تصفيقا من الجماهير، العلاقة واضحة مع عمله، على عكس حالتي
**
قبلها كنت أجلس في صحبة مميزة، الآن وأنا أكتب، أتذكر هذه الصورة التي أضفتها إلى حسابي على الفيسبوك، لشاب وفتاة، وفوقها عبارة بالانجليزية تعبر عن لسان حال الشاب، يقول لها: ليتني كنت التقيتك من قبل، انا معجب بالحديث معك
حين أضفت هذه الصورة، كنت في ظروف مختلفة تماما، والآن الظروف اكثر اختلافا، وما أن نزلت من التاكسي بعد محاضرة قصيرة عن حقوق العمال ودور النقابات المهنية، عدت لأفكر في ما دار في هذا اللقاء، ورددت نفس العبارة التي رددها الشاب في الصورة.. ليتني التقيتك من قبل.. وأضفت إليها: في عالم آخر، وزمن آخر
**
أنا دائما محاصر.. وأحيانا مراقب، لكن في مثل تلك الجلسات، انت في مساحة أخرى، تذكرني بأيام كدت أنساها، ما زلت أحافظ عليها في هذه المساحة المغمورة على الانترنت، في هذه الجلسة، كانت قضيتها تشبهني، أعلم ان لدي إجابات على أسئلتها، لكن .. هذا ما أظنه
**
في كل يوم أشعر بغموض الحياة، خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، سواء كان الأمر شخصيا أو متعلق بأحوال البلد. أشعر أن لدي إجابات لإسئلتها، رغم أني لم أصل إلى إجابات لأسئلتي.
عفوا.. تصحيح، أنا لم أعد أطرح أسئلة.. أتناساها، تقريبا


:)

Wednesday, December 14, 2011

تجارب بلا نتائج

:)

ابتسامة الكترونية

**

في البدء كانت جملة: المثالية تدفع صاحبها ألا يقبل كل ما هو غير مكتمل.. مرحلة، علاقة، فكرة..الخ
**
الحقيقة وكل الحقيقة – لاحظ البداية- أني تحت تأثير مرحلة، أعيد التفكير فيها فيما أفعل، وما مررت به، والأهم أني أفكر فيمن يشبهوني. فأنا من قلت عن نفسي – لاحظ التواضع- أني بين أداء ومظهر عدمي، وجوهر أخلاقي مثالي، أعيش حياتي. أما اليوم فأعيد التفكير.. لأن هذه المبادئ تجعلك في صدام مع الواقع
**
استحضرت سيرة المتنبي العظيم في أبياته الرائعة، إذ يقول المتنبي دون خشية أو حرج
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ** فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
ويقول: رِضاكَ رِضايَ الّذي أُوثِرُ ** وَسِرُّكَ سِرّي فَما أُظْهِرُ

كان الشعراء يلتصقون بالحكام بغية المال والشهرة، تلك كانت القواعد المعمول بها في ذلك الزمان، أن تمدح بشعرك كي تعيش ضمن الصفوة حتى إن كان باطنك عكس قولك، قال أحدهم
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ** فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
و كأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ ** وكأنّما أنصاركَ الانصارُ
لكن المتنبى رغم مديحه ونفاقه كان لديه إحساس بذاته، يدرك موهبته، وأزعم وأرجح أنه كان يدرك ذلك الزيف، فكان يجمع في شعره بعض أبيات تحمل تضخما في الذات، إذ يقول
الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني ** والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ
ووقع في صراع بين أن يكون مزيفا كاملا، وبين أن يكون مستقلا بذاته، فوقع في التطرف هنا وهناك، ولم ينجح في أن يستقل استقلالا كاملا مثاليا، ولا أن يكون مزيفا كاملا كغيره، أعود إلى جملة البداية: المثالية تدفع صاحبها ألا يقبل كل ما هو غير مكتمل.. مرحلة، علاقة، فكرة..الخ
لذا عاش في أزمة مع تلك الأجواء التي ارتضاها لنفسه، لماذا؟ لأنه إذا كانت القواعد تحتم عليك أن تكون مزيفا، فعليك أن تعلم أن تلك هي القواعد، أن تقتنع بهذه الحقيقة، ولا تحاول أن تلتف عليها
**
في الماضي، كنت أحاول الكفر بكثير من القيم الإنسانية، ولا جدواها، مؤخرا سمعت مهرجانا شعبيا يعبر عن هذه الأفكار هنا: http://abderrahmann.tumblr.com/post/14165799322، لكن ظلت المثالية تنادي، ولم تختف، وظهرت في مواقف الضغط، وعلى ما يبدو أن هناك صراعا بين الاندماج في الواقع المزيف وبين العيش في الحلم الكبير
**
مؤخرا التقيت من هم مثلي، يكرهون الزيف، يريدون حياة يصنعونها بأنفسهم، حرب ضد الواقع، وكنت أتحدث وفي بالي تجربة المتنبي الذي تحولت محاولته من كسر الزيف إلى نرجسية وتقديس للذات المناضلة ضد الواقع.. كنت أنصح وأقول أن الحياة قد تضيع في هذه الصراعات الكارثية التراجيدية.. ما الفائدة من كل هذا؟ وخطرت ببالي فكرة أخرى أننا على الأرض هنا نتقلب بين البحث عن الجنة والنار، بين الفساد الكامل، والمثالية الكاملة، ونجمع كل هذا داخلنا، لكن قليلين هم من يتطرف وفي أذهانهم أنهم قد يتحولون إلى رموز أو تجارب خالدة
**
أعلم أني لم ولن أصل إلى نتائج، وستنضم هذه المحاولة إلى تجربة أخرى غير كاملة، فلا أحد يدرك الحقيقة، نحن أصغر من هذا، لكن لنبق قريبين من المثالية دون أن يقلقنا انتصار الزيف. أما ما يقلقني أنا شخصيا أني أعود إلى الوراء قليلا، إلى سنوات الاعتزال، أعلم أنها في الغالب لن تتكرر، لذا فلنتقدم إلى الأمام.. دون البحث عن نتائج، ودون ندم
فمثلما كان هناك شعراء متصالحون مع الزيف دون قلق أو مراجعة لمواقفهم، و هناك من اعتزلوا ضد الزيف مثل المعري، وهناك من عاشوا الزيف ثم اعتزلوا مثل أبو نواس، وهناك من ظلوا بين هذا وذاك حتى قتلهم هذا الصراع مثل المتنبي، وفي كل هذه الحالات، فهذه هي ضريبة أن يكون لك موقف، أو تحرك في اتجاه ما
**
سنظل نسخر من المثالية الساذجة حين يهزمها الزيف، وسنسخر من الزيف حين يضعف أمام القيم الكبرى، دون أن نعتزل أو نعتكف، لأننا لن نعيش الجنة أو النار على الأرض. والنتائج لن نعرفها الآن. ورغم كل هذا سأظل قريبا من المثالية والجنة المفقودة، عن أن أقبل التزييف ونار الانتصار المؤقت

Tuesday, November 29, 2011

أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم

قرر الشاب الأرعن من أمن ميدان التحرير تفتيشنا تفتيشا ذاتيا كاملا، فتعرينا كما ولدتنا أمهاتنا أحرارا، وتسلمنا أكفانا بيضاء، ألقيناها وارتدينا ملابسنا. كانت مسافة طويلة من ميدان الدقي حتى مدخل التحرير ناحية كوبري قصر النيل، بعد التفتيش عبرت مع صلاح جاهين وسيد مكاوي إلى قلب الميدان، اشتريت لهما حمص، وانطلقت إلى صديق قديم.. الشيخ عربي فرحان البلبيسي، ما أن رآني حتى تبدلت ملامحه إلى السعادة وقال منشدا: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. قلت: مين يا شيخ ؟ فقال: سيدنا الحسن والحسين والسيدة والإمام علي أبيهم. في تلك الأثناء كان هناك شعاع ليزر أخضر يمر على وجهي، نظرت إلى أعلى مبتسما، فجاءتني رصاصة رقيقة في منتصف الجبهة تماما.. لم أشعر بها
سرت حتى المستشفى الميداني في بداية شارع باب اللوق، وألقيت نفسي في أحضان طبيبة أشكو إليها تلك الرصاصة في رأسي ، أخرجتها بسهولة ونعومة ثم سألتني: إنت ليك حد هنا؟ فأجبت كما علمني أستاذي ومعلمي: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. انتزعني من بين ذراعيها شاب أخرق يرتدي بالطو أبيض ممزق، ونأي بي في زاوية من المستشفى وقرر إعطائي حقنة فارغة في الوريد، استسلمت، وهنا فزع أهل الميدان بعد إلقاء القنابل على المستشفى، ولم تعد لدي قدرة على الحركة، استنشقت الغاز، وظن العسكر أني قد مت، وحملوني ثم ألقوني في صندوق كبير للزبالة.. نمت
***
صباح اليوم الثاني نادى عمال النظافة، اصحى.. إنت مين اللي رماك هنا؟ لم أرد.. إنت من الثوار؟ قلت: أنا القتيل.. بلا إثم ولا حرج. ودب النشاط في جسدي، ودخلت سوق باب اللوق، بدلت ملابسي بملابس وجدتها ملقاة في إحدى الغرف، وفي طريق عودتي إلى التحرير صادني شعاع الليزر الأخضر مرة أخرى، وانطلقت رصاصة جديدة إلى رأسي، تلقيتها وسقطت فحملني أحدهم فوق موتوسيكل وانطلق إلى المستشفى الميداني، وهناك نزلت خفيفا شاكرا قائد الموتوسيكل على ذوقه، وقفزت الرصاصة من جبهتي رهبة من أثر السجود البادي على وجهي، بحثت عن صلاح جاهين وسيد مكاوي، جلست جوارهما، نستمع إلى عازف العود، بدت ملامحه مألوفة، وتعجبنا من زيه العسكري، اتضح أنه اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية، سألته: إنت ليك حد هنا؟ قال: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم
توقف عن العزف، قام باحثا عن حقيبة بلاستيكية سوداء وأخرج منها بلوفر، وبدلة سوداء، قائلا: ده بلوفر شفيق، ودي بدلة طنطاوي، هتختار أنهي فيهم؟ أجبت بعصبية: ولا أي حاجة !!ـ ظهر شعاع الليزر الأخضر مرة أخرى على وجهي وتلقيت رصاصة بين عيناي للمرة الثالثة، وكان أول من التف حولي هم باعة الميدان، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: هو من الثوار؟ ولا مخبر؟ ده كان قاعد مع بدين من شوية!!؟
قررت نزع الرصاصة من رأسي وانطلقت ناحية الشرق
**
في ميدان العباسية رأيت فتيات وصبيان يتهارشون ورجال ذوي خلقة عجيبة يهتفون: الجيش والشعب إيد واحدة. ومن بعيد رأيت حمدي بدين وحيدا مع العود يعزف ولا يسمعه احد، سألته: إنت ليك حد هنا؟ فأجاب مشيرا بيده بعيدا بنبرة خاشعة: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. نظرت إلى حيث أشار بدين، فرأيت ثلاثة حولهم أشعة الليزر الأخضر، كانوا : توفيق عكاشة، أحمد سبايدر، عمرو مصطفى
سألته من الرابع: قال : ثلاثة رابعهم كلبهم
تركت العباسية، وعدت إلى ميدان التحرير، واخترت الاعتكاف جوار سيد العلماء وشيخ المشايخ عمر مكرم، أسبح بحمدالله، وفي أوقات الضيق ألعب بالليزر الأخضر .. هكذا سأعيش



Thursday, November 03, 2011

هل الثورة مستمرة؟


من أجمل الكليشيهات التي يمكنك أن تراها في جرافيتي أو في عنوان تحالف سياسي أو مجموعة الكترونية على الفيسبوك، كليشيه : الثورة مستمرة. بإمكانك أن تكفر تماما بهذه العبارة إذا ما ركبت جوار سائق تاكسي محبط من زحام الطريق، أو حتى من زميل في العمل فقد بعض سطوته بعد الثورة. في هذه المواقف أتذكر يوم 28 يناير، حين شاهدت أصحاب الفيلات والشقق الفاخرة جنبا إلى جنب مع أصحاب الجلاليب المهترئة، كلهم في لوحة واحدة لا تعرف فيها من سيقتل بعد حين، أو من سيسقط بسبب الغاز المسيل للدموع. جمعهم سبب واحد هو الرغبة في التغيير والإحساس بأن هناك خطأ في هذا المجتمع
خذ عندك الكليشيه الأروع: هي الثورة رايحة على فين؟ . بعدها يدور سؤال في رأسك: أين الأعداد التي كانت متحدة في جمعة الغضب؟ دعنا ننظر إلى اللوحة الحالية.. هناك تركيز على الجانب السياسي.. انتخابات، دستور، فلول، محليات..الخ. وأزعم أن القوى السياسية الحالية ما زالت متشبثة بالثورة لأن اتحادها مبني على الثورة، رغم التنافس المتوقع مستقبلا
**
في مرة، اتخذت قرارا رائعا.. كنت أقوم بمحاولة تكوين رابطات بين سائقي التاكسيات كي يخلقوا ممثلين عنهم، خاصة في مواجهة نقابة النقل البري بما فيها من ظلم وتكلس إداري وتسلط، وأخفقت بعد محاولات أخرى مع سائقي موقف عبود، وسبب الإخفاق هو عدم التفرغ، في هذه اللحظات اقتربت من مفهوم "الدعوة" عمليا، وهو ما يتبناه بعض الشباب المسلم في شرائح متعددة من المجتمع حين يحاول إقناع شخصيات لا يعرفها من قبل بفكرة. بعد الإخفاق زاد إحساسي بأن الجماهير التي شاركت في يوم جمعة الغضب لم تكن تريد تغييرا سياسيا فقط، كان الفساد قد ضرب فكرة المؤسسة نفسها في مصر، إذ لم تخلو مؤسسة منه، حتى أصبحنا في مرتبة متقدمة في قوائم انعدام الشفافية دوليا
**
لم أنجح في اللحاق بالمسيرة المتجهة إلى سجن الاستئناف دعما لعلاء سيف، وسألني أحد المارة هذا السؤال: هو كان فيه مظاهرة من شوية؟ ولأني اعتدت بحكم السنوات الأخيرة أن أتبنى صوت المتحدث حتى أحصل على ما أريد – آخده على قد عقله – فأجبت قائلا: فيه حد اتحبس وراحو يعملوا مظاهرة ناحية باب الخلق. بعدها تلقيت رد فعله، إذ أبدى لا مبالاة صارخة. وسرت مع صديق وأنا أفكر فيما يكتب على الانترنت من أن كل هذا التصعيد المتبادل بين المجلس العسكري والقوى الثورية سيؤدي إلى ثورة جديدة.. ومرة أخرى فكرت في هؤلاء الذين كانوا جواري يوم جمعة الغضب وتلاشوا بعد التنحي، هل سينزلوا مرة أخرى؟
**
الطموح الثوري يجعلك مصابا بالنرجسية – احنا الشباب السيس اللي أسقطنا الرئيس- ويدفع البعض إلى أن يتوقع أن التغيير قادم، أو أنه حدث بالفعل، في حين أن كثيرين لا يرون تغييرا في واقعهم اليومي، بل يرون ما هو أسوأ.. وهنا يفاجئني ما أراه من لافتات لشباب دخلوا السياسة من باب الدعوة مثل الإخوان والسلفيين، هؤلاء لديهم القدرة على الوصول بأدوات دعوية تعتمد على الاتصال المباشر، وأشعر بالضيق لأن البعض اقتصرت دعوته على العبارات الدينية دون المبادرات، وأن التغيير لا يشمل الجميع، في حين أن آخرون يعملون في طريق آخر تماما عبر الانترنت أو الورش التدريبية فقط. ربما أشعر بسعادة حين أرى عبارات ثورية على الجدران تحاول الاحتكاك مع من هم خارج الحدث، لكنها في النهاية تفتقد الاتصال المباشر
**
بعيدا عن كليشيه هل الثورة مستمرة؟ هناك سؤال آخر: كيف تستمر الثورة/التغيير؟ هناك أبعاد خدمية وتنموية مفقودة تماما، وأصبح التركيز الآن على كل ما هو سياسي ومتصل بفكرة قيادة الجماهير وتكرار نشوة أيام التحرير.. اللعبة قد لا تتكرر مرة أخرى حين يهتف أحدهم ويقود عشرات الآلاف. ربما لم نجرب لعبة أخرى، أن نورط الآخرين في التغيير.. كنت معجبا بفكرة لجان حماية الثورة في الأحياء والمحافظات.. أطمح أن تتكون مجموعات ضغط شعبية، تستطيع التغيير والضغط على بنية المؤسسات المصرية الفاسدة، وألا يتم التركيز على مؤسسات الشرطة والجيش والبرلمان و..الخ. أطمح أن أرى حملات توعية في الشارع أو أن يظهر قادة رأي داخل الأزقة والحواري، وكذلك داخل النوادي الفخمة، واستغلال الغضب الداخلي في مؤسسات الدولة الآن، من يملك هذا في مصر سوى الإسلاميين لأغراض دعوية؟ كي تستمر الثورة/التغيير، لابد من رومانسيين يتحملون ما سيتعرضون له في الشوارع ومن غربة وسط الناس أثناء توصيل رسالتهم الحالمة، ودائما هناك أمل لأن من نزلوا - أو تضامنوا – في جمعة الغضب ما زالوا ينتظرون

Monday, October 10, 2011

الإدارة بالتخلف.. ما رأيت في فتنة التاسع من أكتوبر

قضيت أربعة أيام في ورشة تدريبية بين مسيحيين أرثوذكس وكاثوليك ومسلمين إخوان ومستقلين إلى جانب ناشطين سياسيين، في البداية كنت أقاوم احساسي بالأمان والألفة بسبب القلق الذي يخترقني قادما من المهنة العكرة التي أمتهنها. واستسلمت للسكينة والسلام في آخر يومين، لم أعلم أني بعد انتهاء الورشة بيوم واحد فقط سأعيش حالة طائفية كريهة في شوارع القاهرة، لكني رغم هذا لم أصدم مما رأيت.. الغريب أن حالة الصدمة الأولى في ذلك اليوم كانت حين وقفت أمام مبنى المؤسسة التي أعمل بها ولم تكن لدي رغبة في الصعود إلى الطابق الرابع حيث أعمل، في عالم التوتر والقلق والأسئلة الوجودية العظيمة المختلط بأحاديث التفاهة والتشتت
**
في ذلك اليوم هنأت والدي بعيد ميلاده الرابع والستين، لكنه لم يبد أي اهتمام بهذا الحدث، لدينا قلق آخر على حالته الصحية، في صباح ذلك اليوم استقليت عدة مواصلات مارا من أمام ماسبيرو وقرأت عبارة أسفل كوبري 15 مايو تقول: نحن نحرص على الموت مثلما تحرصون أنتم على الحياة. ربما كتبها أحد الثوار، وكانت تجاورها عبارة تؤيد مبارك !! .. بعد انتكاسة العودة إلى الشارع و العمل حيث البيئة غير الآمنة، بدأت في متابعة الأخبار السيئة من ماسبيرو، أحبطت من المشاهد على الفضائيات، وشعرت أني محاصر تماما، جاءتني مكالمات هاتفية تحذرني من المشاركة لأن الوضع كان سيئا فيما يبدو، أحد زملائنا المصورين نقل لنا مشاهد دهس المتظاهرين المسيحيين بمدرعات الجيش، وبدأت في الاتصال بمن أتوقع أن يكونوا هناك، بعضهم أجاب الاتصال، وآخرون كانوا عالقين داخل الأحداث
**
في التاسعة كنت قد تركت الجريدة مع زميل قرر مشاركتي بدافع القلق عليّ لأنه يعلم مدى تهوري في معايشة الأحداث الغريبة، وأني أفعل هذا بدافع شخصي لا مهني
رفضت التاكسيات المرور ببولاق أبو العلا، وحين قبل أحدهم دار بيننا حديث حتى نزلنا الزمالك أسفل كوبري 15 مايو، وبدأت في تلقين زميلي اجراءات الأمان، إذا سألنا أحدهم سنقول كذا، فوجئت أمام الخارجية ببدايات المشهد.. سيارات محترقة، شباب يحاولون تفكيك أجزاء سليمة منها لبيعها، إذ أن سوق السبتية المجاور سيوفر لهم فرصا جيدة لترويج ما سرقوه، وفجأة.. أكثر من خمسين شابا يحيطون بثلاث فتيات وظللت أسير معهم متوقعا حادث تحرش أو اغتصاب.. أحدهم قال لهم: احنا هنطلع دين أبوكو انهاردة، والفتيات مذعورات. ربما هن مسيحيات أو مسلمات لم أعرف، لكن من المؤكد أن الشباب كانوا مترددين في اتخاذ اجراء عنيف ضدهن
فوجئت أيضا بشاب ملتحي يجادل امرأة شلق تدافع عن العنف، وهو يقف ضد ما حدث من تخريب وعنف ضد المسيحيين الذين حاولوا الاعتصام، قال أن الجيش فرم الناس، لكن من حوله رفضوا تلك الحجة مرددين بأن الناس قتلوا عساكر من الجيش
بدأت أبحث عن الملتحين المتواجدين، أغلبهم كان متواجدا في عدد قليل و بشكل سلبي من الأحداث يراقب ويتابع. رأيت أحدهم في تلك اللحظة يجادل آخرين في أن المسيحيين مخطئين.. أغلب المتواجدين شباب تبدو عليهم مظاهر الفقر والجهل، أحدهم وقف على سيارة محترقة رافعا علم مصر مرددا: ×× أمك يا مسيحي، على طريقة هتافات مدرجات ستاد القاهرة، ومراهق آخر يتحدث برعونة عن بطولات زملائه المراهقين الذين تصدوا للمسيحيين وكيف قذفوهم بالحجارة دفاعا عن الجيش.. كنت قبلها قد رأيت على شاشة التلفزيون المصري تغطية تحريضية و طائفية، أحد المراهقين وقف أمام سيارة محترقة ثم قال مرددا: شوفت .. التلفزيون مش بيكدب
فجأة يظهر رجل يرتدي بدلة أنيقة التف حوله مجموعة كبيرة من الشباب قائلين أنه مسيحي، وتم الدفع به ثم تسليمه إلى الجيش، وظهر آخر معه ورقة تابعة لاتحاد شباب ماسبيرو زاعما أنه اختطفها من الرجل الأنيق المسيحي.. وأخذ يقرأ منها فقرات عن : التصعيد ضد المجلس العسكري. وتبادل الجميع عبارات الادانة ضد من يريدون تخريب البلد من أقباط المهجر
في الطريق كنت أسمع شتائم للمسيحين من أغلب الشباب والمراهقين، مع بعض المحاولات الهزيلة لشباب ورجال أكبر سنا للدفاع عن المسيحيين ودحض تلك الروح الطائفية ، ظل الأمر كذلك في تلك البقعة المدنسة ناحية ماسبيرو ثم رأيت مسيرة تهتف : اسلامية إسلامية.. لم يكن بها أي سلفي، سوى رجل ملتحي يقودهم، سرت معهم، وكان أغلبهم من المراهقين والشباب رث المظهر ومن تبدو عليهم مظهر البلطجة
في ذلك اليوم ظهرا كنت قد مررت على المظلات، ورأيت على أحد الأسوار عبارة عظيمة تقول: النظافة من الإيمان، ممنوع التبول. وبعدها بمسافة بسيطة عبارة أخرى: النظافة من الإيمان.. ممنوع التبول يا خـول
تذكرت هذه المفارقة حين تقترن عبارة مثل: النظافة من الإيمان تنتمي إلى الموروث الاسلامي بسباب
هذه العقلية هي التي كانت تحرك من رأيتهم في ذلك اليوم، أن يهتف ضريب ترامادول وبانجو.. إسلامية إسلامية وكل هدفه هو الشجار والعراك، تماما مثلما كان الحال في حرب مباراة مصر والجزائر
تابعت السير ناحية التحرير، في الطريق كانت هناك بقايا رائحة غاز مسيل للدموع، وإلى جوارنا مجموعة من عساكر الجيش يهرعون إلى التحرير جريا، وفجأة استدار الجنود وهجموا علينا ثم جرينا ناحية شارع جانبي لنكتشف أننا محاصرون، أحد من كانوا إلى جواري أصابه الهلع، فقلت له أن الجيش يريدهم أن يفروا فقط، وأننا لسنا محاصرون، ظللت أتقدم ناحية الجنود وهم يحذروننا من التقدم لأنهم مشغولون بقتال آخرين ناحية ميدان طلعت حرب، رأيت طبيبا شابا في حالة ذعر من صياح بعض أصحاب محلات وسط البلد الذين أغلقوا محلاتهم اضطرارا، سمعت عبارات: دول اخواتنا المجندين.. هو ده جيش صهاينة !! .. حاولنا تهدئتهم كي لا يفتكوا بالطبيب الشاب الملتحي الذي أراد تطبيب أي مصاب، حتى أنه قال لضابط جاء من ميدان طلعت حرب : هل معكم مصابين؟ لإظهار حسن نيته. وأجاب الضابط: المفروض لو حد جه من الناس دي تاني ترجعوهم!! استوقفتني العبارة، لكن قطعها تصفيق بعض الواقفين هناك للجنود العائدين من ميدان طلعت حرب بعد نجاحهم في تفريق متظاهرين وإطلاق النيران. الكل كان على وجهه علامات الذعر.
في ميدان طلعت حرب رأيت أصدقاء أعرفهم، منهم مينا الذي كان معي في الورشة التي تحدثت عنها في البداية، وصديق آخر هو هيرماس الذي شاركني كثير من المصائب والعمليات الخطرة خاصة في اعتصام 8إبريل.. رأينا مجموعات متتالية لشباب أعتقد أنهم نفس الشباب الذين كانوا يرددون العبارات الطائفية عند ماسبيرو، ويهتفون أيضا: إسلامية إسلامية.. ليس معهم سلفيين، يقودهم شباب تبدو عليهم مظاهر العنف، وبعض الشباب مروا جوارنا رافعين الأحزمة، وبعضهم مر لاعنا المسيحيين وكانت نصف المجموعة التي أقف معها من المسيحيين، أحد الشباب قرأ لافتة لمحل مصوغات مكتوب عليها اسم صاحبه: جورج، وبدأ في محاولة ضرب الباب بقدميه، وحين أخفق، رحل مع المسيرة غريبة الشكل
كنا نتحدث أنا ومينا عن تلك المفارقة بين حالة السلام التي عشناها في الورشة التدريبية وما يحدث حولنا الآن، وحين سمعنا عن تجهيزات سلفية للهجوم على أهالي الفجالة والمستشفى القبطي الذي يحيط به أهالي القتلي من المسيحيين، قررنا الذهاب إلى هناك، وشجعنا على ذلك مرور مسيرة قادمة من التحرير تهتف ضد المجلس العسكري مع هتافات تحض على الوحدة الوطنية، وسرنا معهم، كنا ثلاثة، وعدد المسيرة لا يتجاوز الستين فردا، وكان إلى جواري امرأة منقبة تهتف مسلم ومسيحي إيد واحدة، وأغلب المسيرة كانت من الشباب وأربع فتيات إحداهن محجبة. وطوال الطريق رأينا نظرات الدهشة تطل علينا من شوارع وسط البلد حتى الوصول إلى رمسيس، كان الجميع يتوقع مذبحة عند المستشفى القبطي بين الشباب الأرعن الذي يتستر خلف هتاف الله أكبر ويلعن المسيحيين ضد الشباب القادم من التحرير. وفي الطريق كانت تأتيني مكالمات من أصدقاء يدعونني إلى المبيت لديهم إذا ضاقت بي السبل، وفي ميدان رمسيس، كانت بوادر مشهد جديد، شباب متهور من الذين رأيتهم ناحية ماسبيرو، ربما ينتمون إلى بولاق أو السبتية يرفعون أجهزة الصاعق ذات الصوت المميز، وأحدهم معه كزلك يتباهى به وسط الميدان، وتم تهديد مسيرة التحرير التي انسحبت عائدة إلى وسط البلد بعد منعهم من العبور وبعد أن قيل لهم: لو لقينا حد مسيحي هنطلع ميتين أمه. قالها مراهق لا يتجاوز الخامسة عشر، واستوقفنا شاب يرفع بطاقته، ويخشى العبور خائفا من أن يتم تهديده، أو أن يعتبره البعض مسيحيا، وكنا قد علمنا عن أن هناك حظرا للتجوال سيتم تطبيقه في منطقة التحرير ووسط البلد من الثانية صباحا
**
فوجئت بأننا جئنا للمرة الثانية بعد انتهاء المعركة، إذ كانت المسيرات السابقة التي رأيناها في طلعت حرب قد قامت بواجبها وحطمت أكثر من سبع سيارات وأحرقتها، ورأيت للمرة الثانية من يحاول سرقة محتويات إحدى السيارات. كان أهالي تلك الناحية في حالة غضب واشمئزاز من الموقف، ورأيت محاولات للتهدئة، لكن في تلك المواقف أنت لا تعرف من معك ومن ضدك، رأيت مدرعات للجيش تحمي المستشفى القبطي، ومجند فوق إحداها يجادل بعض الشباب المتعصب قائلا أن أقرب أصدقاؤه مسيحي، وفيما يبدو أنها قد جاءت متأخرة ، إذ كانت بقايا الطوب المتكسر والزجاج تملأ شارع رمسيس
في 28يناير كنت في نفس المكان.. وقتها شعرت بدهشة كبيرة، والآن تلك هي المرة الثانية التي أكون فيها في نفس تلك البقعة، أتجول بحرية بعيدا عن زحام السيارات المعهود، لكن مع أشخاص مختلفين، أتذكر في جمعة الغضب حين تم أسر أحد حراس الكنيسة بسبب جهاز اللاسلكي الذي كان بيده، وتم التحفظ عليه في المسجد المجاور حماية له، أما في التاسع من أكتوبر فأنا هنا في موقعة أخرى لم أتوقعها.. أحد شباب الفجالة قال لنا أن بعض من جاؤوا قيل لهم أن المساجد تحترق جوار المستشفى القبطي، لكني لا أصدق أن هذا السبب قد جاء بهؤلاء الشباب، إنما هي مبرراتهم، فقد كانوا يبحثون عن خناقة.. هكذا الأمر ببساطة، ووجدوا هدفهم في شجار أقرب لمعارك الفتوات في القاهرة القديمة بين الأحياء المختلفة
العجيب أني رأيت الرجل السلفي الذي كان يحرض الناس أمام هيلتون رمسيس ويقود مظاهرة من الشباب الأرعن، رأيته مطرودا من أمام المستشفى القبطي، واتجهت نحوه قائلا:
ـ يا شيخ أنا شوفتك عند هيلتون رمسيس، وكنت جاي معاك ، فاكر كنت بتهتف بتقول إيه؟
ـ كنت بقول إسلامية إسلامية.. دول قتلوا الجيش، وعايزين يحرقوا الجوامع، دول حرقوا المصاحف، وقطعوا هدوم اخواتنا المنقبات...الخ
ـ طب إنت إيه اللي جابك هنا يا شيخ، اشمعنى هنا؟
دار حواره على هذا المنوال الغريب، وظن أن صديقي هيرماس مسلما، وجذبه من لحيته قائلا: دول لو سكتلهم مش هتعرف تسيب دقنك دي!!ـ
كنت قد بدأت في الانهيار من التعب، لكن ما حدث أني فوجئت بأن أصدقاءنا الذين تركناهم في طلعت حرب ورحلنا مع المسيرة، قد جاؤوا خلفنا إلى المستشفى القبطي، واتصل بنا أحدهم، ليعرفنا بشاب نوبي اسمه أيمن معه بعض تحليلات عن قصة كنيسة الماريناب، وملخصها أن العادات هناك ترفض وجود الغرباء أيا كانوا، وأن التقاليد القبلية بشكل عام لديها حساسية من التعايش مع الاختلاف
**
أكثر ما ضايقني أننا نعود إلى دولة الفشل التي كان يديرها مبارك، كانت أكثر اللحظات كآبة تلك التي رأيتها في ماسبيرو بعد انتهاء المعارك، إذ رأيت السلطات والاعلام يعتمدان على تكريس روح الجهالة، مثلما حدث تماما في حرب الجزائر الكروية، هناك من يريدون إدارة مصر بالتخلف، هذا أكثر ما صدمني، أن الشارع كان يتحرك على أساس الجهالة والرعونة، على عكس ما كنت أرى أيام الاعتصام التحرير الأول حين كان ينصاع الجميع لروح التقدم إلى الأمام
كان ذلك ما رأيت، وكان عليّ أن أكتب

**

Sunday, September 25, 2011

شاب بدون رئيس

(1)
عزيزي عمرو .. أكتب إليك في هذه الأيام العظيمة التي لا تتكرر كثيرا، أنا الآن رجل بلا رئيس. أحتفل بعيد ميلادي الرسمي في أول أكتوبر مع مشاعر جديدة.. وغريبة، ولأننا قد ولدنا سويا في عام العظماء 1980، فإنك تدرك جيدا ما أشعر به الآن، قد قضيت 30 عاما مضت في ظل القائد الطيار الجبار محمد حسني مبارك، أنا اليوم بلا مبارك يا عمرو.. أعلم أنهم سيختارون رئيسا، وربما يكون قد تحدد اسمه في لوح محفوظ لا يراه سوى أهل الحل والعقد والراسخون في العلم، أقدر تفاؤلك وعباراتك الرنانة في أن العالم قد تغير، لكن ما زال الواقع حولنا لم يتغير تماما، أنت تعلم سنتي وحكمتي في أن أكتب كل عام في مثل هذا التوقيت عما جرى لي في العام السابق من أفعال الدهر، اليوم أجدني عاجزا عن فهم ما حدث، لقد غيرتني الأحداث، أصبحت أكثر تهورا وحماقة، واشتعلت رومانسيتي في خلق عالم جديد، وأخشى أن أسقط محبطا حين أواجه بحماقة الآخرين التي تسير في الاتجاه المضاد.
**
هل تعلم أنني قد ولدت في الثاني من سبتمبر وسجلوني في شهادة الميلاد في الأول من أكتوبر .. ستجد شريحة من المصريين كذلك، لأننا في مصر نحدد سن التسجيل في المدارس والجامعات والتجنيد بأول أكتوبر. وأوصت جدتي بأن يتم تسجيلي في أول أكتوبر حتى أكون متوائما مع المواعيد الحكومية المقدسة، هذا الفارق البسيط بين أوائل سبتمبر والفاتح من أكتوبر ينقلني لا إراديا من برج العذراء إلى برج الميزان، وكثيرا ما تلاعبت بصديقاتي العظيمات المهووسات بعلم الأبراج حين أتعامل معهن على أني رجل الميزان، ثم أفاجئهن بأني.. عذراء.
فاتك يا عمرو مشهد ذلك البواب النوبي الذي استوقفنا أنا وأصدقائي جوار السفارة الليبية مستهجنا ما يحدث حوله من احتفالات صاخبة، إليك ما حدث.. اتجهنا إلى السفارة الليبية بعد سماع أنباء عن سقوط طرابلس قلعة القذافي العتيد، ورأيت بعيوني كيف احتفل الليبيون المقيمون في مصر في الزمالك بمشاعر أن يكونوا بلا رئيس، هل تعلم ذكرياتي مع هذه السفارة؟ سأروي لك.. لقد كان بحث تخرجي من الجامعة تحت عنوان : العلاقات السياسية بين مصر وليبيا (1951- 1977)، وحين حاولت دخول السفارة آنذاك لعب بي الأمن الليبي أسوأ الألعاب، كلما دخلت من بوابة قالوا لي ممنوع، إذهب إلى البوابة الأخرى، ولفيت السبع لفات، من بوابة لأخرى، حتى سمحوا لي، وفي الداخل لم أجد رسائل دكتوراه تفيدني في بحثي، كانت المعاملة سيئة للمصريين، أو هكذا اعتقدت، لكن بعد أنباء سقوط طرابلس وجدت الليبيين يهتفون: مصري .. ليبي .. إيد واحدة. وفوجئنا بالبواب يتحدث ساخطا عن فكرة أن تكون بلدك بلا رئيس وقال: إحنا في بلد دلوقت من غير رئيس .. يعني احنا في بلد شيوعية، أي حد في امبابة عايز يقتل حد هيقتله" . لم يكن وحده من قال هذا الرأي، سائق التاكسي قال لي نفس الملحوظة، وكلاهما فوق الستين، أي أنهم رأوا رؤساء آخرين غير مبارك.
**
هل تعلم يا عمرو أبعاد المشكلة !؟ نحن نرفض أن يكون لنا قائد، ولا تسألني: من أنتم..؟ فآخر من قالها أنت تعلم مصيره جيدا. لقد حاولت يا عمرو إسقاط رؤساء آخرين في قلاع حصينة، وأعترف أنني فشلت، بكل فخر "أنا علّمت على ناس جامدة". وحتى كتابة هذه الكلمات، سيظلوا في دأبهم "للتعليم عليا".
هل تذكر ما كتبته لك على تويتر أن: مصر تشهد صراعا بين "جيل ما بعد حداثي"، لا يؤمن بالقيم الزائفة التي تم ترويجها في حياته على مدار عقود، في مواجهة عالم آخر ينتمي إلى كل ما هو قديم وتليد، عالم يورث فيه الأب مهنته إلى ابنه، عالم تحول فيه الرئيس إلى الكاهن الأكبر الذي يخرج في كل مناسبة دينية واعظا شعبه المؤمن، كنا في عالم يقوده رئيس هو قائد الشرطة والجيش وكل شيء، عالم من أيام الفراعنة، عالم شبيه بحكم القبائل لأفرادها، بل أسوأ، نحن نصارع من يعتنقون هذه المبادئ، نحن نشهد صراع العصر القديم، ضد العصر ما بعد الحديث. هل تعلم إلى ماذا سنصل؟ إلى الدولة الحديثة، هذا هو الطموح الأكبر، إلى مؤسسات تسيطر على أبنائها، أتوقع يا سيدي أننا سنعيش في ظل دولة المؤسسات التي لم نعشها من قبل، لكن.. لم يكن هذا هو طموحي أو طموحك، ولأقل لك -وعن تجربة- إن أصعب الحروب تلك التي تخوضها ضد المؤسسات.
**
إلى متى سأظل تحت إبهار يوم 28 يناير؟ هل أنت أيضا تحركك مشاهد ذلك اليوم؟ أعلم أنك كنت أكثر نشاطا في يومي 26، و27 يناير.. وكلما تحدثت مع أحدهم أكد لي أهمية هذين اليومين، فالحقيقة لا أشعر بأهميتهما، وليست (نفسنة) والله ! كل ما هنالك أن ظروف 28 يناير أو جمعة الغضب هي التي أدت إلى كل ما حدث. أتذكر أنني قد مررت في 25 يناير من أمام دار القضاء العالي، وكما تعلم فأنا أكره المظاهرات والهتافات، لأقل لك سرا.. أنا لم أهتف أبدا في أي مظاهرة، وقبل أحداث الثورة – إن كانت ثورة- لم أقف متظاهرا، أنت تعلم كراهيتي لعالم النشطاء الشبيه بالجيتو – حارة اليهود- وتعلم كم الانتهازيين الذين يتكسبون من التواجد في دوائر هذا العالم. في 25 يناير رأيت بعض هؤلاء، لكن الأغلبية لم أرها من قبل، وكانت المفاجأة عند دار القضاء العالي قرب السادسة مساء حين وجدتهم قد أغلقوا شارع رمسيس، والشرطة تشاهد ما يحدث ببرود، تركت الهتيفة والمتظاهرين وتجولت بين صفوف الأمن، واخترت احد ضباط أمن الدولة ودرت حوله دورة كاملة وقد تجاهلني تماما، شعرت بإحساس غريب لم افهمه، أنها لحظتي، أو لأقل بتواضع هي لحظة أمثالي الذين ضاقت بهم الأرض، وان موعدهم قريب في قيادة الأحداث، وأنه قد حان موعد انسحاب كتيبة النشطاء وإفساح المجال لمن لا يثورون إلا مرة واحدة. اتجهت إلى الجريدة حيث كنا زملاء في يوم من الأيام، وقررت أن أعود وأمر على أصدقاء لي في جريدة الأهرام، وفوجئت بأن الدنيا انقلبت قرب دار القضاء حرفيا، إذ وقعت صدامات قوية رأيت بقاياها في شوارع احتوت طوب متكسر وحواجز حديدية ملوية. سرنا وطفنا لساعات وبمجرد نزولي مترو الأنفاق قرب الثانية عشر كان فض مظاهرة ميدان التحرير العظيمة قد وقع، ثم تابعتك على تويتر.
**
أنت تعلم مزاجي يا عمرو.. أنا ابن هذه الأحداث، لا أقدر القيم الكبيرة الزائفة، بما فيها قيمة الثورة، لكنك تعلم مدى مثاليتي وأفكاري الرومانسية عن كل شيء، وبين أداء ومظهر عدمي، وجوهر أخلاقي مثالي، أعيش حياتي. هل تذكر ليلة جمعة الغضب كيف قضيناها؟ كنت أتابع تصريحات السيد صفوت الشريف وأناضل ضد ما كانوا يفعلونه في الفيسبوك، وأقاوم رداءة الانترنت، كان موعد الشيفت في الجريدة، ونزلنا، والتقيتك في سينما نايل سيتي ليلا، وكنا على موعد مع الفيلم العظيم 365 يوم سعادة.. أنت تعانق كيس الفشار، وأنا أعانق بعيوني الفنانة العظيمة لامينا فرنجية التي تذكرني بزميلتي اللبنانية السابقة. لقد أدركنا في ذلك اليوم أن معنا على هذا الكوكب من لا يدرك معنى الثورة أو الاحتجاج، كانت السينما ممتلئة على آخرها، وإلى جوارنا امرأة عراقية تحدث زوجها في الهاتف وتزعجنا، وبعد أن خرجنا وقفنا أمام النايل سيتي أمام النيل العظيم وسألتك: هتعمل إيه بكرة..؟ لم أكن أعرف ماذا فعلت قبلها بعد يوم 25 يناير، وذكرت لي أنك ستصلي في مسجد خالد بن الوليد في الكيت كات، أما أنا فلم أعرف بماذا أجيب.. لم يكن لدي ادني استعداد للفشل، أو أن أسير في ركاب نشطاء يطمحون إلى أخذ مكان مبارك وصفوت الشريف و....
**
أعتقد يا عمرو أن انقطاع الانترنت، وانقطاع الاتصالات الهاتفية في هذا اليوم قد كانا كلمة السر التي رأيتها في اليوم التالي، أنت لا تعلم تفاصيل الرواية التي كنت أنوي كتابتها قبل سنوات، في يوم 28 يناير أو جمعة الغضب رأيت المشهد الأخير في هذه الرواية التي لم أكتبها، كنت أتمنى لو أعرف البكاء كي أبك تأثرا من مشاهد جمعة الغضب، لكن الذهول كان أقوى. لم يكن معي أي وجه من وجوه وسط البلد العظيمة، سأحدثك عن هذا اليوم لاحقا. ووقتها لم أفكر أبدا في أنني سأعيش بدون رئيس في ختام عامي الثلاثين، سأحدثك متى اتخذت هذا القرار، أن أكون بلا رئيس. إممم.. هل تعلم ؟ لقد عشت أغلب حياتي وأنا رئيس نفسي، في العمل.. وفي المنزل، وبين أصدقائي.. أما على المستوى السياسي فلم يكن مبارك يمثل لي أي شيء. كان رئيس المصريين، ولم يكن رئيسي . هناك الكثير من الأشياء التي أريد أن أحدثك عنها، عن حياتي المهنية عن أصدقائي، وعن محاولاتي الارتباط. وعن أشياء كثيرة، كلها كانت في مرحلة الثورة. ودعني أؤكد لك في ختام هذه الرسالة الخالدة، أنني لم أتغير كثيرا، أو لأقل لك بصراحة أنني ما زلت أقاوم التغيير، وأحرص على السذاجة والمثالية والعدمية بثورة أو دون ثورة، برئيس أو بدون رئيس