Saturday, July 08, 2006

علاقة ناظر الزراعة بالباشا


علاقة ناظر الزراعة بالباشا

علاقة ناظر الزراعة والباشا.. هي نفسها علاقة العسكري والضابط، أو المواطن العادي والبلطجي، أو الممثل الأهبل والبطل في الفيلم، أو حتى التابع والفارس في العصور الوسطى.. شخص مستعد إنه يقلل من قدر نفسه من أجل أن يعلي شأن البطل، وكلما علا شأن البطل يظن التابع أنه قد أصبح أقوى في نظر الآخرين، لأنه تحول وقتها إلى الوسيط الوحيد بين الضعفاء والقوي.

.

بالإمكان أن تطلق على هذه الفئة.. فئة حملة المباخر (إذا بتحب)..

***

.

كنت في الشتاء الماضي أجلس مع صديقي في الجامعة – رغم أننا لم نعد طلبة – وحدثني عن أن أحد أقربائه لديه مكتبة ناحية الأزهر، وفي مرة.. زاره في المكتبة د.علي جمعة مفتي الديار المصرية، فقدم له الشاي.. وبعد أن ترك الشيخ المكان تبقى في الكوب بعضا من الشاي، فقام أحد المتواجدين في المكتبة بأخذ بقية الشاي ليشربه عارضا على قريب صديقي أن يشرب من الكوب ليزداد بركة.. من بركة الشيخ .

صديقي الذي يقيم حاليا في شرم الشيخ علمت منه وقتها للمرة الأولى أن الشيخ على جمعة "صوفي"، وأن هذا الذي أراد أن يشرب من كوبه قام بذلك تبركا به..!

بعدها.. علمت أن الرجل متصوف فعلا، وأنه يتعرض للهجوم بسبب ذلك مثال .

***

.

يوم الجمعة.. ذهبت إلى مسجد السلطان حسن *، هذا المسجد الذي ليس كمثله مسجد آخر... مكان ساحر بكل ما تعنيه الكلمة.

جلست.... قرأت القرآن قبل الأذان، فرغت ثم اتجهت إلى مقدمة المسجد، وضعت نعلي أمامي في مقدمة المسجد... شيء عادي.. جاء أحدهم معترضا وطلب من المصلين وضعها في الجزامة (عبارة عن لوح خشب على الأرض)، واستجبنا.... أخذت أراقبه من بعيد.. وجدته من نفس النوعية التي أراها حول بعض الشيوخ... نوعية الحاجب.. الذي يقف حاجزا بين الناس والشيخ مُظهرا لهم أن الشيخ قد أصابه الضجر وكأنهم شخصيات غبية.. اتضح أن الدكتور علي جمعة الذي ظهر وقت الأذان سيمر بالقرب من هذا المكان الذي كانت فيه الأحذية الثلاث، لذا.. كان على ما يبدو ألا يكون هناك مناظر مؤذية كنعلي اللعين... كانت هناك ما يشبه الحواجز الجانبية تحيط بالبساط الأحمر من صحن المسجد إلى المنبر، وكأننا في انتظار أحد المرشحين للأوسكار.

***

.

خطب الشيخ المفتي... كانت الخطبة ذات صبغة ذاتية، وكأنه يتحدث عن مشكلة شخصية، أما النصف الثاني من الخطبة.. فكان دعاء من أوله لأخره، وتباكي الشيخ في آخر الدعاء، وفجأة صوت "إهيء إهيء" من خلفي، وكأني في ليلة السابع والعشرين من رمضان.. تساءلت.. الدعاء مستمر منذ ربع ساعة، لماذا جاء التباكي من أحد زوار المسجد عندما تباكي الشيخ..؟؟ (أعلم.. هناك سوء نية مني، لكن أنا في مود سيء، كما إن الكاميرا التي كانت تصور الخطبة جعلتني اتجه إلى التفكير التآمري)

المهم.... فكرة الشخص التابع للشيخ، الحاجب، رأيتها في عدة مساجد، خصوصا وأن هناك بعض الأفراد من أصحاب الجلاليب - ممن يحجز بعضهم الصف الأول في المسجد- يأخذون على عاتقهم مهمة إدارة الجماهير في بعض الأحيان... وهي فكرة كريهة، وتلغي فكرة المساواة التي قامت على أساسها الصلاة.. سبب مجيئنا إلى المسجد .

***

.

قديما كان الفلاحون في المزرعة، وكان ناظر الزراعة حفيد الكاتب المصري يمارس عليهم مهمة "الحاجب"، فهو الحاجب بينهم وبين الباشا صاحب المزرعة، وهي نفس الممارسة التي نجدها بين فئات العساكر أو أمناء الشرطة أو مندوبي الشرطة أو المخبرين مع الضباط، وهي نفس الممارسة التي كنا نراها في المدارس الثانوي حينما طبقة باهتة تلاصق مشاغبين المدرسة "البلطجية"، لتحمي نفسها، وتستعرض قواها على الآخرين بهذه العلاقة .

***

جذور النظرية في الفن المصري J

.

في هذه الأغنية (حنروح المولد) لسعد الصغير.. يغني المغني الشعبي بكلام عن علاقته بأحد الضباط .

.

بالصلاة ع النبي... ضهرنا اتحمى *

ضــهــرنــا اتــحـمـى

يوسف باشا، وعسل يوسف باشا

يعني منتهددش... لا بنخاف ولا بنكِش . **

لا مخبرين..... ولا كمين

قول يا بني... قول ياااااااااااااه

.

===

.

وفي قول آخر :

بقولـّك ضـهـرنــا اتـحـمى

ضــهــرنــا اتــحـمـى

إحنا مابنباتشي في تخشيبة ***

ولو حتى عملنا 1000 نصيبة (=مصيبة)

ولو عندك 30 قضية..

يوسف باشا يروحك بالعربية ****

.

___________________________

* تمت حماية ظهورهم من قبل عنصر حكومي

** أسلوب تهديد

*** لن نحبس بعد اليوم

**** سيتم توصيلك بسيارة الشرطة

***

النهاية :

هذه الممارسة المقرفة- فكرة الحاجب أو الوسيط بين القوي والضعيف - ليست جديدة، فمنذ أن قام الجهاز الحكومي في مصر القديمة وهي على تلك الشاكلة، يستقوى الحكوميون أو أشباههم بنفوذهم الحكومي، حتى تتبدل الأحوال..

لكن المعادلة تبقى دوما كالتالي : قوي.... حاجب أو وسيط.... ثم ضعيف.

ما يحبطي بشدة...

أنه بعد كل هذا – أنا عبرت عن 10% مما لدي - أجد من يتحدث عن أن تغيير النظام أو حفنة من الوزراء هو الحل.. وعلى الجانب الآخر أجد شخصا (حكوميا) يتحدث عن تغيير النظم وإعادة الهيكلة..

كلا الفريقين لم يلتفتوا إلى الممارسات اليومية التي لم تتغير منذ عهد الفراعنة، لم يهتموا بتحديد المشاكل الأم.... هربوا من كل هذا إلى تغييرات شكلية، لن تأخذ من عمر مصر شيء.

جمال عبدالناصر.. قاد ثورة.. حاول أن يغير اجتماعيا، لكن قدراته محدودة.. فهو في النهاية ضابط جيش.. مهنته ليست التنظير أو عمل دراسات اجتماعية أو حضارية ... ومن سوء حظه أن من قبله لم يهتموا بقدر ما نقلوا ونقلوا عن أفكار الغير، فلم يكن هناك تصور لنظم مصرية جديدة على المستويات الاجتماعية والسياسية أو حتى الدينية الفقهية ..الخ .

ربما حاول جمال حمدان مستندا إلى علمه، أن يحلل الحالة المصرية.. لكن ما زال هناك بقية لإكمال مجهوده في علوم أخرى، مازال هناك مرحلة تخطي التحليل ومعرقة الواقع إلى وضع البدائل .

لكن...

في النهاية ....

يبقى الحال على ما هو عليه .

10 comments:

محمد أبو زيد said...

المشكلة يا صديقي في النظام الهيراركي الذي تقوم عليه الدولة المصرية

Taher said...

تدوينة زى ما الكتاب بيقول
بس فين اللى يقراء الكتاب

sarah said...

فقام أحد المتواجدين في المكتبة بأخذ بقية الشاي ليشربه عارضا على قريب صديقي أن يشرب من الكوب ليزداد بركة.. من بركة الشيخ .

????????????/
نعم

Abdou Basha said...

محمد ابوزيد
معاك حق، دايما بفكر.. مهمة مين تغيير بنية النظام ده ..؟
تقريبا محدش مهتم .

طاهر
بعض الحاجات في حياتنا اليومية محتاجة تسليط الأضواء عليها، يمكن ننتبه ليها .

سارة
ده من الناس الغلابة، مهما كانت شخصيته، فهو غلبان، قلل من شأن نفسه على الفاضي.. وأعتقد إن المفتي نفسه لو عرف قصة زي دي، حيستغربلها .

ام المريله الكحلى said...

بركاتك ياام العواجز
ياحسينوالنبى لو نجح ابنى لا افرق شربات
روح اكنيسى عليه السيده دى قادره

والنبى الكلام ده كله بنسمعه من قد ايه انا عن نفسى من ساعه ما اتوجدت فى الدنيا وانا بسمع الكلام ده
واحاول اقول يابشر يابنى ادمين ماحدش بينفع حد
ولا حياه لمن تنادى

بس انت شكلك زهقان على الاخر
اوعى بقيت ال90%يطلعوا
وتودى نفسك ورا الشمس
تحياااتى

walaa said...

تدوينة مميزة كالعادة .. حاسه فيها التعب والمحاولات ايل عدت كلها هباء للاصلاح .. اصلاحنا احنا قبل اصلاح اي حاجه تانيه حولينا .. بس الظاهر ان الممارسة ايل بتتكلم عليها دي يا عبدالرحمن فضلت لغاية ما فرضت نفسها علينا وبقيت شيئ مسلم بيه .. بس مع كده برده بلاش والنبي حكاية "يبقى الامر على ما هو عليه" اصل دي مافيهاش امل بالمرة ..

رؤيتك للامور تمتاز دوما ببعد وتحليل خاص واقعي عملي .. ربنا يوفقك يا صديقي العزيز .. وبرده حاول انك ما تستسلمش لاي مود سيئ..

Epitaph said...

نظرتك و تحليلاتك ثاقبة
و تربيطاتك ايضا

هو الهرم اتقلب في مصر و لا ايه؟

و نبقي علي مزيد من التواصل ان شاء الله

fadfada said...

للأسف أعتقد أن هذا من بقايا الشيعية التى جاءت مع الفاطميين الى مصر(دخول المصريين فى الاسلام كان فى العصر الفاطمى وليس قبلة)والمتصوفون ومنهم رئيس جامعة الأزهر هم أقرب مايكون الى الفكر الشيعى من حيث تقديس الأشخاص سواء كانوا من أهل البيت أو أولياء أو شيوخ أو حتى ناظر العزبة
حدث لصديق لى أن دعاة احد المعارف الى بيتة فى كوم حمادة محافظة البحيرة,وبعد سفر ساعات طويلة وجد صديقى فى انتظارة مجموعة كبيرة من الناس والكل يتسابق على خدمتة من أكل لشاى لماء لمجاملات فارغة,حتى وصل الأمر الى اقتسام باقى الماء فى كوبة أمامة,وعندها تعجب واحتار ولما لم يجد تفسير غضب فكان أن كشف أحدهم السر الأعظم وهو ان صديقى ينتمى الى نفس العائلة التى ينتمى لها أحد كبار مشايخ الصوفية
وعمار يامصر

Abdou Basha said...

ام المريله الكحلى
أهه كل فترة كده الواحد يفضفض حبه بكلمتين :)

ولاء :
الممارسات دي أصبحت أقرب للممارسات المقدسة، خصوصا إنها بتنظم حياة الناس، وعلاقاتهم ببعض ..
بشكرك على الاطراء الجميل ده .

ابيتاف :
مرحبا بيكي دائما، ونتواصل دوما :)

فضفضة:
مفيش شك ان الدولة بتميل اكتر سياسيا للتصوف ولنقابة الأشرف، الممارسات دي ممكن تكون ظهرت بكثافة في الدولة الفاطمية، يمكن لإنها كانت فرصة لعودة الماضي المصري القديم بممارساته، داخل الشعائر الدينية ولتأكيد صورة العلاقات الاجتماعية في المجتمع .
صورة العلاقات الاجتماعية دي، بنلاحظها في العصر المملوكي كمان .
وأعتقد إن المصريين مختلفوش كتير عبر آلاف السنين وده أمر مخيف .
ان انت تغير اخلاقيات.. ده أمر صعب جدا .

قلم جاف said...

توضييييييح:
على ذكر حكاياتك ، اللي فكرتني بواقعة "مسجد مكيف الهواء" ، اللي فكرتني بوقائع سابقة تانية .. الناس الموجودين حول شيخ أي جامع أو زاوية ، سواء جوة الجامع أو في الصحافة .. مش كلهم حواجب سيادته ، بل ساعات من المعجبين بسيادته أيضاً..

شفت أحدهم من المعجبين جداً بسيادة شيخ الجامع المكيف.. أنا حتى بعد أسابيع من المسخرة دي مش عارف هوة عاجبهم على إيه.. هذا الأوقافي الذي أتمنى أن يعرف عن مسئولية خطبة الجمعة ما هو أكثر من الزي الذي يطالبه سيادة مفتي الديار .. بارتدائه!