Sunday, July 16, 2006

من الباطلية للرفاعية... يا قلب لا تحزن

نهار الجمعة..

نزلت من الأتوبيس إلى محطة الدرّاسة في طريق صلاح سالم، ومنها إلى مستشفى الحسين الجامعي، كانت النية أن أدخل إلى تلك المنطقة كما دخلتها أول مرة، فقد مرت أشهر ولم أمر من خلالها مثلما كنت أفعل من قبل .

كانت منطقة الباطنية أحيانا ما تظهر في أضغاث أحلامي، لكن بشكل مختلف، اليوم أعود إليها.. أدرب ذاكرتي وأسألها... "هل مازلت تذكرين الشوارع – الحواري بمعني أدق- هل تستطيعين إرشادي إلى بر الأمان...؟"

**

قديما – منذ عام أو اثنين – كانت لي مغامرات مع حي الباطنية، فقد تهت فيه عدة مرات وأنا أحاول اكتشاف طرقا مختصرة إلى الدرب الأحمر ثم الحلمية فالسيدة زينب... مشوار طويل، لم يكن السكان هناك ليرحبوا بالغرباء، هي منطقة مصرية شعبية، لكنها مختلفة جدا... موحشة... متوحشة.. ذات سمعة سيئة.. ارتبط اسمها بالمخدرات والإجرام .

مرة أخرى أعود إليها لأراجع خريطتي..

**

أدخل من جوار مستشفى الحسين الجامعي، لأقابل في الطريق مجموعة من العاملين في ساحات الانتظار، هم أشرس، وأغلس، وأوقح من قد تقابلهم من فئة "السياس" (= العاملون في مواقف الانتظار، ومن يدعون أنهم كذلك).. أشعر أن بعضهم يعمل لحساب قسم شرطة المتولي والغورية المواجه للباطنية، وأن البعض الآخر يعمل في المخدرات، أشعر أن لهم دورا ما مهم في هذه المنطقة.

**

على مشارف الباطنية.. نفس الفتاة كلما مررت أراها تصرخ في أحدهم..، بركة مياه أمام منزلها.. أحاول أن أتذكر العطفة التي أدخل منها إلى شارع الباطنية، نظرات ريبة من بعض الجالسين، وبعد قليل... أشعر بأني قد دخلت إلى أحد أحياء النوبة القديمة أو إلى أحد الأحياء القديمة في منطقة الخليج.. نفس تلاصق البيوت، وطرازها، إلى جانب بعض المباني ذات الطابع الأثري..... في الباطنية.. أو الباطلية كما يطلقون عليها هنا، عليك أن تعلم إلى أين أنت ذاهب تحديدا، وألا تخطيء الطريق.. المنطقة هنا تصلح فعلا كوكر، فهي مغلقة تماما وليس لها إلا منافذ قليلة على المناطق الأخرى.

**

أقابل أحدهم في أحد الطرق الصاعدة لا يستطيع دفع أنابيب البوتاجاز على العربة، أسانده.. أسير معه إلى طريقي.. إلى شارع الباطنية.. لن أتوغل في الباطنية...اتجهت إلى شارع الجويني.. ثم أبوحريبة.. بوابة المتولي.. الخيامية.. ثم شارع القلعة ... في النهاية أنا بين جامعي الرفاعي والسلطان حسن ... اخترت أن أدخل الرفاعي نكاية في فضيلة المفتي الذي كانت تنتظره المرسيدس في الخارج.. أدخل المسجد أجد زينات حول المقام، يبدو أنه مولد "سيدهم"- وليس سيدي- الرفاعي.

**

تذكرت أن خطيب المسجد هو د. أحمد عمر هاشم.. (نائب نقيب الأشراف) الذي كان يترك يده - دون سحبها- لمن يريد تقبيلها من العامة بعد كل خطبة.. اليوم أجد على المنبر زي أزهري جديد.. لم تحوي الخطبة تقريبا أي نص – قرأن أو حديث- يثير فضول المؤمنين.. كان موضوع الخطبة عن سيدي الرفاعي، وفضائله وشمائله وعلومه.. كان ضمن الخطبة دعوة لحب آل البيت، لأن حبهم دلالة على حب الله.

أتذكر وأنا استمع إلى الخطبة... أن جدي لوالدتي كان يتحدث عن نسبه إلى "الجعافرة" – ينتسبون إلى جعفر الصادق من نسل الحسين – ولم أكن أجد في جدي رحمه الله ولا في أخوالي أي ميزة عن باقي المسلمين، كان رجلا فاضلا، بل مناضلا في حياة رهيبة... لكن كان له أقرباء بالإمكان اعتبارهم عبئا على الإسلام..

فهل المسائل تقاس بالنسب الشريف..؟؟ أعلم أناسا ليسوا منسَّبين ولا سادة ولا أشراف وأفضل سلوكا..!

**

بعد الخطبة حاولت أن أقرأ القرآن... بدأ ذكر الرفاعية داخل المسجد... بعض الآيات تتلي كالأناشيد.. ثم تواشيح.. يلاحقها كلمة الله على لسان كل من في الذكر كخلفية لما يـُغني... أذكر أنني عندما كنت طفلا... كنت أدهش لفكرة قراءة التواشيح الدينية في المسجد.. قلت لوالدي... "كيف يغني هذا الرجل في المسجد..؟"، في بعض المساجد المصرية قد تجد صوتا مجلجلا في الميكروفون لدعاء بعد الصلاة.. يشوش على أذكار ختام الصلاة...أما صوت الرفاعية.. فقد علا في الأرض، لكني عاندت وقرأت القرآن، ثم قمت تاركا المسجد، قبل الرحيل.. وقفت أتأمل هؤلاء الذين يرددون "الله..الله.."، أحدهم يرتدي جلبابا أسودا وعمة سوداء، كأنه الشيخ حسن نصر الله... آخر كان ينتفض في تكلف، فيقوم أحدهم – المشرف على حلقة الذكر – بتثبيته في مكانه كي لا يقع وهو ينتفض من نشوة الذكر...

تذكرت....

كان هذا الرجل أيضا ينتفض أثناء الخطبة عندما كانت تذكر سيرة مولانا صاحب المقام ..

**

تركت المسجد وأنا أنظر إلى شرذمة قليلين توجهوا إلى المقام ليتباركوا به.. وامرأة تخدم في المسجد ترتدي أخضر ×أخضر.. تذكرت آراء فقهية تحرم الصلاة في مساجد أقيمت على قبور... شعرت بالراحة لتذكر هذا الرأي.. فلقد كان ما أراه هنا مأساة، يقوم عليها بعض البسطاء.. للسلفية ميزات.. وقد يكون للصوفية ميزات .

**

هذه هي القاهرة... صوفية.. سلفية.. باطلية... "مش مهم"

مدينة أعشقها، وأبكي على أطلال هويتها التي قضى عليها مهاجرون الريف، وأهل العشوائيات.

9 comments:

Anonymous said...

بجد حاجة تحفة يا عبدالرحمن
حاجة مصرية قوي

ayman_elgendy said...

انها القاهرة

اهي ارض النفاق؟؟ محتمل ....ورغم ذلك هي من معاني الوطن....نحبها

علاء السادس عشر said...

عزيزى عبد الرحمن
كسكندرى لا أعرف القاهرة جيداً. فى زيارتى القصيرة لها غالباً ما كانت مشاعرى عن القاهرة محايدة وبعض الأحيان سلبية أعلم تماماً أن أهل القاهرة يعرفون القاهرة الحقيقية وأن معرفتى بها سطحية وأعلم أن بها جمال لا يدركه إلا أهلها . من خلال التدوينة استطعت أن أرى القاهرة للحظات.
تدوينة جميلة

Abdou Basha said...

Anonymous:
شكرا

أيمن الجندي
أشعر ان هذا هو ما تبقى من القاهرة، رفاة مدينة تحولت إلى قرية كبيرة.

عزيزي علاء
معك حق.. من الصعب ان تجد روح القاهرة الآن، لقد طمست.. وأستطيع أن اقول ان الاسكندرية أكثر تمسكا بسكندريتها رغم ما يحاك ضدها لتحويلها إلى قرية كبيرة، لا هي من الريف أو لاهي من المدينة .
**
للباطلية حكاية وأصل لتلك التسمية مع المعز شخصيا، للباطلية تاريخ غامض.. لكن البعض لايرى فيها هذا الجانب .
مثلما حدث مع الحسين "نهاية الجمالية" عندما أصبح مرادفا لإفطار أو سحور في رمضان فقط، وعندما تحولت الغورية إلى مكان لبيع القماش رخيص ..الخ
***
القاهرة الفاطمية.. ساحرة... يرشقها أبناء القرية بالحجارة .

walaa said...

من الواضح انك جدا عاشق للقاهرة .. فالمسجد الرفاعي يقع على بعد خطوات من بيتنا وقد سبق وزرته لمرات عده من قبل .. ولكن معك الآن .. رأيت المكان بعين أخرى .. دائما ما تسحرنا جولاتك .. بكم المعلومات والانطباعات اللاتي تزخر بها .. كل الشكر

layal said...

الله يا عبدالرحمن
كم احب الجولات التي تمتد للطرق القديمه والاحياء الشعبيه
لطالما ترودني الافكار عند رؤيتي لمثل هذا المناظر التي رأيت
حق هي جوله بشوارع القاهره
واتمنى ان لا تتوقف عن سرد امثالها
تحياتي

Taher said...

نسيت ان المفتى ليه عربيتين حراسة
وثانيا احمد عمرهاشم راكب عيون

بس بجد مشوار الباطنية لحد الجامع شكله كان جامد

وطبع الموالد فحدث ولا حرج مسخرة ومهزلة اقل ما يمكن ان يقال

MAKSOFA said...

ربما جمعت بعض من تناقضات القاهرةالمدينة الساحرة والتي يكمن جمالها في تعدد أهوائها وغموض تحديد هويتها ، فهي كل هذا الجمع من السبل المتنافرة
والحقيقة أن البوست جميل وشدني من البدايةحتي النهاية
وأضيف لك بأن جدك أذا كانت والدتة هي ألاخري من الجعافرةفهو شريف من نسل الرسول (ص) ويطلق علية لقب السيدوهؤلاء الذين يرتدون الأسود والعمامة الكبيرة السوداء كما حسن نصر اللة هم من الأشراف ، أماهؤلاء الذين يرتدون الأسود ولكن بعمامة كبيرة بيضاء هم من رجال الدين للمذهب الا أنهم لا ينتمون لنسل الرسول ص

Abdou Basha said...

ولاء:
يا بختك....
:)

ليال:
القاهرة مشكلتها حاليا في سكانها.. فعلا، أغلبنا لايرى قيمة ما حوله، كان لوالدي صديق بريطاني.. كان يفتخر بأن في مدينتهم منزل عمره مئات السنين.
هذا البيت الانجليزي لايقارن أبدا بشارع كشارع المعز .. عمره ألف عام، وممتليء عن آخره بالآثار.. التي تتجاور مع ورش الحرفيين..!

طاهر:
الموالد شيء تاني فعلا.. في المنطقة اللي قبل الباطنية، بتبقى مليانة بخيم خدام آل البيت في وقت مولد الحسين.

مكسوفة:
فعلا.. والنقطة دي، فكرة السيد أو الشريف خطيرة جدا، وبتبقى واضحة جدا في الصعيد على حد معلوماتي.. وكإن الأشراف هناك قبيلة زي الهوارة أو غيرهم .