Thursday, August 24, 2006

حوار قصير مع عم اسحق

كنت قد تأكدت أن مهمتي ومغامرتي قد فشلت.. وعليّ أن أكتفي بما حصلت عليه- أو حصل لي - حتى الآن...

أتذكر أنني بعد أن حكيت لوالدي قال لي: هذه إشارة أن تكف عن مغامراتك في مهنة يرفض كل منكما الآخر.

**

بعد أن تأكدت من الفشل وجدت قدماي تسير ناحية الإدارة المركزية لقوات الأمن ثم دار مناسبات الشرطة في طريق صلاح سالم... الحرارة والرطوبة جعلتني أشبه "بالكتكوت الغرقان"، عبرت إلى الناحية الأخرى من الطريق.. جلست تحت نار الشمس على المحطة أمام المقابر محبطا، جاء رجل ذو ملامح صعيدية واضحة كانت قريبة من ملامح جدي "رحمه الله".. إلا أنه كان ضئيل الحجم، وملامحه كانت تليق ببائع عصير قصب يرتدي جلباب بلدي إلا أنه كان يرتدي بدلة صيفية، وفي يديه خواتم ذهبية.. جلس بجواري، بعد فترة أخذنا نلعن تأخر الأتوبيسات وعدم وجود أي مواصلة من هذا المكان... كانت تلك هي البداية المصرية التقليدية لفتح الحوارات، ورغم كرهي لهذا الأسلوب في الحوارات المصرية إلا أنني اندمجت معه.

**

كنت أريد أن أخفف عن الرجل في البداية.. فبدأ في الشكوى..

تحدث عن المصاريف التي طالبته بها هيئة الكهرباء ومصلحة المياه على شقق سكنية يمتلكها لا يسكنها أحد، ثم أخرج رزم فواتير.. عشرات الفواتير، كلها تطالبه بمصاريف إدارية رغم أن قيمة الاستهلاك مدونة صفر، ذكر لي أنه دفع 300 جنيه مصاريف إدارية، وعليه أن يدفع مثلها، وبدأ في سب الدولة.. ثم ذكر أن الموظفين يتلاعبون بكل شيء حسبما يريدون، وذكر أنه بعد أن صحح بياناته لديهم منذ عامين، عادوا مرة أخرى إلى معاملته حسب البيانات القديمة.. ولم ينس الرجل أن "يخمس" في وجهي خوفا من الحسد .

**

بعد أن مر علينا أتوبيس "أخضر" مكتوب عليه الأجرة موحدة 10,1 ، بدا الرجل في سب رئيس هيئة النقل العام الذي اتهم بالاختلاس.. علما بأن هذه الأتوبيسات تتبع شركات خاصة وتتبع الهيئة (روحيا J) فقط، وقرار رفع الأجرة قد جاء من المحافظ، إلا أن عم "أسحق" - كما قرأت اسمه في الفواتير التي عرضها على - كان في حالة غضب وقرف شديد من البلد كلها.. ولم ينس أن يحكي لي قصة طريفة – أقرب إلى النكتة – قبل أن يتركني وحيدا ويركب أتوبيس (777) المتجه إلى دير الملاك وقسم الحدائق .

**

المهم.. أني قد وجدت خطان مهمان في حديث عم "إسحق".. يمثلان العقلية المصرية، وصورة الدولة لدى المواطن المصري الراسخة منذ ألاف السنين حتى اليوم.

- أولا : إحساس المواطن بعدم جدوى دفع أموال للحكومة:

حيث ينظر المصري على أن دفع تلك الأموال لن يعود عليه بأي فائدة، هذه الفكرة قديمة قدم العصور المصرية القديمة، عندما كان يتجلى لؤم بعض الفلاحين عند التعامل مع الكاتب المصري وموظفين الحكومة بغرض إخفاء حقيقة قيمة المحصول، حتى أن بعض الفلاحين كانوا يتعرضون للضرب أو لأخذ أحد أفراد أسرتهم كرهائن... ولم تختلف تلك الممارسة كثيرا طوال العهود المتتالية.. والحقيقة أن أغلب تلك الأموال بالفعل لا تدار بشكل سليم كما جرت العادة.

- ثانيا : الفساد الطبقي لدى المصريين :

عندما حدثني الرجل عن فساد الكبار، حاولت أن ألفت نظره إلى أن الفساد ينخر بين الصغار أيضا، كهؤلاء الموظفين المستهترين الذين تسببوا له في الضيق والغضب، لم تكن هناك مساحة كافية للجدل حول هذا الأمر، إلا انه تجاوب مع الفكرة مجاملة، وأعتقد أن أغلب المصريين دائما ما يتجاهلون الفساد المباشر الذي يواجهونه كل يوم من الصغار، ويتجهون للحديث عن فساد قمة الهرم، وهو ما قد يتسبب في تبرير فساد الصغار أو إهمالهم على أساس أنهم ناس غلابة.. وفي هذا إشارة إلى ميراث قديم في اتهام علية القوم بالفساد على أساس أننا حكما كثيرا من أسر ملكية أو طبقة حاكمة أجنبية...الخ

· أخبار مهداة عن فساد "ذيل السمكة" :

1- حبس موظف بمكتب صحة "كفر الجبال" بالمنيا..!

قام هذا الموظف بالتغاضي عن تسجيل أسماء العديد من المواليد في كشوفات الدولة، وأخذ قيمة مصاريف التسجيل ليضعها في جيبه، ويترك الأهالي البسطاء بدون تسجيل أسماء أبنائهم.

وتكرر هذا الموقف مع ألف مولود...

نعم .. ألف مولود على مدار عامين، بعض هؤلاء الأطفال قد جاوزا الرابعة، حيث أن بعض الأهالي – في القرى - يسجلون أبنائهم متأخرا.

2- 20 ألف جنيه قيمة فاتورة تليفون مدرسة بالجيزة:

في مدرسة الفيصلية بالجيزة.. كانت قيمة فاتورة تليفون مدير المدرسة 7 ألاف جنيه، وقيمة فاتورة تليفون مديرة المدرسة ألفي جنيه، أما مسئولي الحراسة والأعمال الفنية وهم خمسة موظفين فقد جاوزت قيمة فاتورة التليفون الخاص بهم 11 ألف جنيه.

**

حكمة العدد : نحن لسنا في عصور ملكية أو استعمارية، بل أصبحنا شيء واحد.. "صالح" أو فاسد" .

13 comments:

Epitaph said...

احييك علي اسلوبك في التحليل و عرض الوقائع

إحساس المواطن بعدم جدوى دفع أموال للحكومة: حيث ينظر المصري على أن دفع تلك الأموال لن يعود عليه بأي فائدة،

نعم........اغلبهم ..لا كلهم..بما فيهم امي مثلا...ان الدولة عايزة تسرقنا و السلام وان الدولة بتاخد ولا تديش..اقولها يا ست الكل امال السلع المدعمة و التعليم المجاني و الحاجات دي..ماهي خدمات للمواطن المصري..تقولي بلانيلة
اعتق انه انعدام الثقة..و زوال الشفافية بين الطرفين : الحكومة و الشعب هو اللي اتسبب في ده

اما فساد الصغار ده..فهو منتشر و متشعب..علي اساس ان الكبير بيسرق يبقي انا اللي حبقي شيخ

هو ده بقي اللي بقلو عليه زمن المسخ؟؟؟
:))

تحياتي

walaa said...

عجبني جدا بعد نظرتك في إرجاع منطق عم إسحاق لعصور بعيدة من تاريخنا.. الكل دلوقت ما بقاش عنده ثقة في أي حاجه من ناحية السلطة الحاكمة نهائي .. وبصراحة معهم حق، تنوجد ازاي الثقة دي في ظل أوضاع بتسوء كل يوم عن التاني ..

اجمل ما في كتاباتك يا عبدالرحمن عمقها، وانك مؤمن جدا بنموذج مثالي للإصلاح يبدا بينا إحنا كأفراد ..

بقي سؤال هل حقا سئمت المغامرة .. أم ؟

metkazy said...

الفساد بقى للركب
لالالا فوق الركب بشويه

من أتخن راس لاصغر راس
العمليه بقت اقرب لعجل وقع وكترت سكاكينه واللى يلحق ينهش حته ياخدها وانت وشطارتك0

وماتلوموش انهم مش عايزين يدوا حاجه للحكومه
ماهو عنده حق
دروس خصوصيه بدل المدارس
عيادات بدل المستشفيات الحكومى
وسائل مواصلات اخرتها حوادث
تموين ردىء
اسعار بتغلى
بنزين يزيد

معلش
اصلها حاجه تحرق الدم برضه

شكرا ليك يا باشا
ولو شفت عم اسحق ياريت تسيبه يشتم اصل يطق ويموت

Bella said...

اسلوب رائع وسلس في الحكي

ربنا يزيدك ياعبده باشا وتمتعنا بالمزيد

بالنسبة لعم اسحق فهو عنده حق

وكلنا أو اغلبنا يشعر بان مايدفعه للحكومة يدخل جيبيهم ولا ينالنا منه الا القليل من خدمات منهوب على حسها تلال من الاموال

لو كل فرد شعر بمردود مايدفعه لما كان هذا الاحساس
فحتى الخدمات مع رداءتها هي مايشعر الناس بأنهم لايأخذون مقابل مايدفعون بل يدفعون أكثر

والفساد بدأ في راس السمكة فلاعجب ان يطال ذيلها

هو بس اللى ينقط التبرير الدائم بكونهم غلابة ومحتاجين

الفساد فساد سواء من كبير او صغير

والسرقة سرقة من الكبير والصغير


بلدنا مبتلاة بكمية غير عادية من العيوب

m_elsewedy said...

الدولة عاملة زى البحر بتحب الزيادة
سواء حقها او مش حقها هى عايزة زيادة فى كل حاجة وخلاص

Abdou Basha said...

إبيتاف
أشكرك على ذوقك.. يمكن عدم ثقة أفراد المجتمع في بعضهم البعض - أو حتى في نفسهم -بينعكس على علاقتهم بالحكومة ..!!؟

ولاء
سؤال صعب..
:)
أحيانا لاتجدي المغامرات، خصوصا عندما تكون على مسئوليتي وحدي
تكون خطيرة جدا


متكاظي
فعلا اللي بيقدر يعمل حاجة بيعملها، يمكن عشان لما بيظهر أي دور للدولة في محاولة للتنظيم بيبقى الوضع مضحك .
ماهو يا نظام على طول يا إما لأ .

بيلا
عندما أسمع تعبير أن رأس السمكة الفاسد.. أتساءل وهل كان بقية الجسد سليما..؟

سويدي
يمكن هي علاقة متبادلة بين الجهاز الحكومي والمواطنين، كل واحد مش حاسس بقيمة التاني..

Ahmed Shokeir said...

لقطة جديدة ياباشا في النظرة للفساد

فعلا دائما النقد يصل إلى رأس السلم ويتجاهل دائما صغار الموظفين

أعتقد انها المرة الأولى التي يتم الإنتباه لها

بس بصراحة الراجل الطيب عم إسحق صاحب الفواتير المستحقة عليه بدون إستخدام الكهرباء له الحق في أن يكون ناقما على الكل

Gid-Do - جدو said...

ياباشا ياباشا
اسمع ياعبد عم اسحاق صح مية مية بس فية ملاحظة وممكن تفهمهانى اذا كنت انا مش فاهم بحكم بعدى عن مصر هنا فى بلاد العم سام كل الخدمات بتقدمها شركات وحتى الخدمات اللى بتقدمها المدينة اللى الواحد ساكن فيها مفيش فرق بينها وبين الشركات فى المعاملة وندى مثال لكلامى شركة النور قطاع خاص والتليفون قطاع خاص خدمات المياة والصرف الصحى ورفع الزبالة تبع المدينة لو انا خت اجازة شهر وقفلت النور والمية والتليفون لازم حتيجى فاتورة موضح فيها ان استهلاكى للنور صفر لكن اساس الخدمة مبلغ ثابت نفس الشئ للتليفون المكلمات عددها صفر ومبلغ ثابت لاساس الخدمة اما المية والصرف الصحى اللى بيتحدد على اساسا استهلاك المية برضة الاستلاك صفر ومبلغ ثابت لاساس الخدمة اما الزبالة مفيش طبعا حاجة اسمها استهلاك صفر واساس خدمة كل واحد لازم يدفع فاتورة جمع الزبالة بالكامل والسبب فى المبلغ الثابت لكل خدمة هو ضمان استمرار هذة الشركات فى العمل ـ نفرض ان سكان المدينة كلهم اخدوا اجازة شهر يعنى استهلاك المدينة من الخدمات اصبح صفر ورغم كدة كل الخدمات اللى انا ذكرتها مش حتقف والموظفين اللى فيها لازم تطلع مرتباتهم الى اخر هذاعلشان كدة بقى فية مصروفات على المستهلك رغم انة مستهلكش حاجة بس تفسير الامور للناس عند الاشتراك فى الخدمة بيخلى الناس تتقبل الامور واللى مش عاوز خدمة محدش غصبة ياعنى عاوز تعيش من غير كل الخدمات ومتدفعش انت حرـ ولوحد فسر لعم اسحاق من اول يوم انة طالما عندة عقود للنور وللمية حتكون علية مصاريف لاستمرار الخدمة حتى لو كان الاستهلاك صفر كان عم اسحاق ارتاح والحكومة ارتاحت لكن تقول لمين ـ طولت عليك ياباشا ودائما وابدا بتسعدنى بكتاباتك وارائك الكبيرة والمحترمة

Abdou Basha said...

أحمد شقير
دائما الحديث عن الصغار أنهم كبش فداء أو ضحايا مجتمع.. رغم أنهم الأغلبية، فعلى الأقل يجب أن تظل الأغلبية سليمة، كي تنجح في التغيير .

جدو العزيز
حضرتك معاك حق في كل كلامك.. وده اللي خطر في بالي، فمثلا الكهرباء بيتم اخطار الهيئة لو حد مسافر مدة عشان ميبقاش فيه محصل نور ييجي.. لكن بالنسبة لعم اسحق بالذات كان واضح إنه حاسس بأحاسيس المصري اللي فقد الثقة في الموظفين، أنا لما قلت له على كده دخل من حكاية لحكاية عن موظفين العوايد، والضرائب... وواضح إنه فقد الثقة فيهم كلهم.. وإنه حتى لو موظف كان بيأدي عمله عادي فهيحس اتجاهه بإنه بيتآمر عليه .

so7ab said...

معرفش ليه دايما حاسس اننا عندنا هوس النميمة ده بيفسر عندى شوية طول الوقت نقد قمة الهرم او راس السمكة لان نقد القمة طول الوقت غير مؤثر ولاعمره هيدخل اللى بينقد فى معارك حقيقية من اجل تغيير او جتى الاعتراض على هذا الفساد لكن نقد ديل السمكة اولا بيشعر اللى بينقد بالضعف الشديد تانى حاجة بيكون مع الضعف مضطر للدخول فى المعركة واللى ممكن يخسر فيها خسارة حقيقية هو مش عايزها ويفضل نقد القمة شكل من اشكال التفريغ والنميمة

Abdou Basha said...

بسام
كويس انك شفت الموضوع من وجهة النظر دي.. فكرة نقد كل ما يمثل سلطة عليا على أساس إن السلطة العليا دب فيها الفساد، هي بالفعل أحيانا بتكون هروب من مواجهة الفساد في مستويات أدني، لإن المواجهة قد تسفر مع المستويات الأدنى في فقدان وظيفة أو اضطهاد في العمل أو اتهام صاحب المواجهة بأنه غريب الاطوار.. فقط لأنه قرر أن يخالف عادات فاسدة، أو يحارب الأخطاء من حوله .

Captain L.J.Silver said...

post hayel !

قلم جاف said...

الفساد يا سادة بيبتدي من تحت ، والإهمال كمان ..

وللأسف فيه المسوغ العاطفي لأي حرامي أو فاسد أو مهمل صغير يلعب بمقتضاه بديله زي ما هو عايز : دأنا غلبااااان!

شفت فيلم الأفوكاتو؟ فيه احتمال كبير أكتب عنه الشهر الجاي أو بعد رمضان ، عارف إيه خطورة الفيلم دة ؟

الفيلم بيقدم شبكة فساد ، فاسد كبير "صلاح نظمي" ، وفاسد وسط "حسين الشربيني" ، بينهم فاسد صغير بيستغل علمه ببواطن الأمور "عادل إمام" ، وفي خدمة الفاسدين كلهم فيه شخصية مهمة جداً رغم قصر دورها ، شخصية "علي الشريف" ضابط السجن المرتشي اللي بيوزع خدماته على اللي بيدفع أكتر ، هو بيروقراط ، وهو سلطة (الشرطة دايماً رمز للسلطة في السينما) .. الناس في المراتب الدنيا من السلم بتحب تلعب بديلها وتستفيد .. وشيلني وأشيلك..

أسوأ من دة كله العقلية الإعلامية المصرية ساعة الكوارث ، جرايد الحكومة بتصرخ على الإهمال وبتتهم "رئيس الوزراء" به .. على أي أساس ؟ معرفش ..

البيروقراط والصحافة يربوننا كل يوم على كراهيتهما وعدم الثقة بهما..