" ما حدث في لبنان ذكرني بتاريخ لم أعشه... يونيو 1967.."
.

.
شاءت الظروف.. أن أقترب أكثر من هذا التاريخ أثناء قيامي ببحث التخرج من الجامعة، فرض على البحث أن أتتبع التحول الذي طرأ على السياسية المصرية بعد يونيو 1967 مـ.
**
كان من أهم سمات ما بعد يونيو 1967 مـ.. هو أننا أصبحنا وحدنا، أو هكذا كانت الصورة... معنويا كنا أكثر إحساسا بالوحدة..
دول عدم الانحياز.. حركات التحرر التي كنا ندعمها، الدول العربية، الكتلة الشرقية، الاتحاد السوفيتي... كلهم شاهدونا ونحن نلفظ أنفاسنا الأخيرة.
لم تكن 1973مـ إلا عملية جراحية أنقذت المريض من الموت ( الموت = الاحتلال الشامل الذي لم يكن يريده أحد، فلم يكن منطقيا).
والبلد تخرب.. وأفلس...

**
من حكايات الآباء ومن عاصروا الأحداث.. أجد مرارة لا توصف، ليست مرارة من هزم في حرب، ولكنها مرارة العجز والوحدة والصدمة، فالجيش الإسرائيلي الذي قيل لهم أنه بالإمكان سحقه تحت أحذية الجنود المصريين، قد سحقنا... ودخل بطيرانه إلى سماء القاهرة مع عدم وجود قوات دفاع جوي أو طيران، السلع الغذائية ليست متوافرة..
بل زاد على ذلك أن تأت القوات الإسرائيلية لتدمر مصنعا فتقتل عمالا مدنيين... تدمر مدرسة.. تدخل المجال الجوي حتي جنوب مصر... تدمر مدن القنال، أهالي القنال يعيشون عيش التعساء والضيوف الثقلاء... وأنت المواطن لا تستطع فعل أي شيء.. واستمر الحال لسنين.
العالم كله يحتقرك.. فأنت الخاسر.
والبعض يشمت فيك .
**
من كل تلك الأجواء خـُلق السادات من جديد...
استمر في وحدة شكلية مع عدد من الدول العربية.. حسّن العلاقات أكثر مع الدول الملكية والأميرية "الرجعية فيما مضى".. كان ذلك مؤقتا، حتى ينتهي الموقف، ورث هذا المسعى من نهاية عصر عبدالناصر رأى بعينه كيف كان عبدالناصر يعيش حالة احتضار وهو يرى "الرجعيين" من ملوك العرب يحاولون دعمه ماليا بصدق، وهو الذي كان يدعم من قبل العديد من القوى ضدهم.
انتهت الصراعات العربية بين عبدالناصر والرجعيين – أعوان أمريكا في نظره - إلى لاشيء..... فالكل كان قد أصيب بالفزع عندما سقطت مصر..
رأى السادات بعينه أن المواقف الحادة القديمة لم تفيد في شيء عندما تهزم الدول وتنهار الشعوب....
ماذا نتصور الآن من السادات بعد 1973..؟؟
أليس من المنطقي أن يغني "بلادي بلادي.." ..؟

**
أعادت أحداث لبنان كل هذا إلى ذهني...
الأجواء العربية حتى اليوم ليست نظيفة...
بيننا نحن العرب مرارة... كثيرا ما أجد عبارات معناها: هذا شأننا..؟، ما دخلك أنت..؟
ربما تكون النصائح أحيانا ليست لوجه الله، وتحركها عقدا وطنية... لكن الانطواء على أساس القومية، أوالهوية الوطنية أصبح ملحوظا.. إلى جانب إدخال الدين كعنصر مثير للتعصب.
قد يلاحظ رواد عالم الانترنت أو من يتعاملون مع جنسيات مختلفة من العرب هذا الأمر...
**
لنتحدث عن العرب فقط....!
هناك نقطة سوداء في قلب كل عربي، إلا من رحم ربي، تفرض عليه أحيانا التعالي على بقية العرب، ومحاولة الانزواء والتقوقع.. ومأزقنا اليوم أن النقطة السوداء أصبحت تفرض على أبناء البلد الواحد سلوكيات حمقاء في كراهيتهم واحتقارهم لبعضهم البعض.. فما بالك في العلاقة بين أبناء البلدان العربية المختلفة..؟؟
عندما تحدثنا عن السادات والدرس الذي تعلمه.. لم يكن تصرفه هذا هروبا أو تقوقعا، بقدر ما كان تيقنا من أن المستقبل للنقطة السوداء التي ما زالت كامنة في القلوب، وآخذة في الاتساع...
كانت النقطة السوداء قد ظهرت في عصره على الصعيد الداخلي، فبدأت في خلق خلافات بين أبناء الوطن الواحد في مصر، وغيرها... في الأردن وفلسطين.. قرأ الأحداث مبكرا فاتجه إلى عدم الخضوع لها...
وتبع ذلك ما تبع.. في داخل كل من لبنان والجزائر ومصر....الخ
لم تصبح النقطة السوداء صانعة للخلافات بين الدول أو الأنظمة فقط كما كان الأمر أيام عبدالناصر.. بل أصبحت تصنع الخلافات بين الشعب الواحد.

**
اليوم..
تأتي أمريكا لتزيد من عمل النقطة السوداء، والبعض يستمتع بهذا.
حتى أصبح كل بلد تقريبا يحوي مشاكل داخلية.. (لا تحدثني عن العلاقات العربية الآن، فهناك ما هو أخطر).
**
لعل مرجع اتساع هذه النقطة السوداء هو رؤيتنا السياسية التي تنظر إلى الحكام – قديما – ثم القيادات والزعامات الداخلية الدينية أو السياسية - حديثا - على أنهم أباء مؤسسين أو أبطال إغريقيين، يوجهوننا حسبما شاءوا، ولا نوجههم إلى حيث شئنا.. ربما هذا هو احد الأسباب..
متى سنتوقف عن البحث عن زعيم، وكأننا عصابة..؟
متى سنتوقف عن البحث عن ملهم، وكأننا بلا إلهام أو تفكير..؟
متى سنتوقف عن أن نعلق مصائبنا على فرد.. ونهدي مكاسبنا إلى فرد ..؟
**
ربما يكون الحل أن يفكر كل بلد في نظام سياسي يحترم تاريخه وخصوصيته، يكون مصدر قراراته هو إرادة مجموع الشعب وليس لفرد أو نخبة... بل وألا يقتصر الأمر على النظم السياسية فقط بل يمتد إلى النظم الإدارية التي يجب أن تقترب أيضا من الجماهير، فيصبح للجماهير صوتا مسموعا في تقييم أداء هيئات الدولة ومؤسساتها.. نحن أيضا في حاجة إلى نظم اجتماعية تنزع الدنية والحقارة من أخلاقياتنا، وهذه هي الخطوة الأولى .
نحن في حاجة إلى نظم حقيقية تنبع منا وليست منقولة.. تعرف حقيقة واقعنا، وتنظـِّر ليوتوبيا محلية على أمل اليوتوبيا التي تجمع أهل اللغة والنسب الواحد .
يوتوبيا حديثة يكون الأساس فيها لقرارات الجماعة الآتية من رأي الفرد الذي لم يفرضه عليه أحد.. لا بضغط إعلامي، أو تهديد حكومي.. أو اجتماعي.

**
النقطة السوداء في القلوب...
فعلت فعلتها بين الأنظمة.. وتعمل عملها بين الشعوب.. بل بين الشعب الواحد.
ربما لن نجد صفاء النفوس إلا بعد أن نشعر بقيمة ذاتنا، في مجتمع يُحترم فيه الفرد بذاته، فلا يجد تمييزا بينه وبين أي أحد على أي أساس... لابد أن يسعى أفراد المجتمع إلى هذه الصورة بأنفسهم أولا.
ربما وقتها تزداد ثقتنا في أنفسنا، ولا نصبح منقادين للحقد على الآخرين، أو التعالي عليهم.
**
لبنان..
لم أتحدث عنك...
وتهت مع النقطة السوداء التي غزت القلوب.
لبنان في حاجة إلى إعادة (بناء)، وليس إعادة تعمير فقط..
يحتاج إلى ما يحتاجه بقية العرب، ذهن صافي، وقلوب نقية.. وعقول تفكر من أجل الجديد..
نحتاج أن نعلم من نحن أولا ...!!؟
ملحوظة: جاءت الأفكار مبعثرة...