Thursday, August 31, 2006

صديق من الخانكة

.

كنت قد تركت مكتب شئون الخريجين، بعد محاولات فاشلة لاستجداء الموظفات كي يستخرجوا لي شهادة قالت الموظفة أنها ستنجزها في "شهر"، مع العلم أنني أحتاجها خلال أيام، وإن لم أحصل عليها ستضيع على أموال دفعتها في مكان آخر.... L

عموما.. كان الجو حار رطب...

مما قلل من نشاطي العدائي، فأصبح كل همي هو إزاحة حبيبات العرق عن وجهي.

**

فكرت أن أصعد إلى أستاذي الشاب في الجامعة لأطلب منه بحث التخرج الذي لم أستطع الحصول عليه حتى الآن.. مضى عام دراسي على تركي هذه الجامعة، وها هو العام القادم على الأبواب.. في الطابق الأول أفاجأ بصديق قديم، كنت قد تعرفت عليه في عامي الثالث في هذه الكلية... نجحنا وتخرجنا وهو بقى كي يعيد بعض المواد.. كان يجري أمامي.. ناديته.. أحضان وعتاب.

"كان واحشني بجد"

**

.

ذكرني بأيام صعبة وأيام عادية قضيناها في الكلية، ذكرني أيضا بزملائي من الحرس القديم الذين تعرفت عليهم بدءا من العام الثالث في الكلية، في تلك الفترة كنت أمارس الصعلكة مع كل شخص أتعرف عليه حديثا، كنت أتجول مع المعيدين.. مع الراسبين.. مع الصغار مع الكبار.. كثيرا ما كنت أشعر بالوحشة والضجر، أو بالفرح والمرح.. تعرفت على ضائعين وعلى مملين، لم يكن للفتيات دور هام في هذه المرحلة..

كانت أيام .. ومرت لحالها .

أستطيع أن أصف زميلي هذا بأنه مهووسا باللغة الإنجليزية، كان لاجئا في معهد القوات المسلحة للغات، لم أره مرة إلا ومعه قاموسا أو جريدة إيجيبشن جازيت التي لا أعرف من أين كان يحصل عليها بصورة شبه يومية..

**

تجولت معه في الكلية كي نستفسر معا عن أمور تخصه، ثم دار الحديث عنه أكثر مما دار عني... أخبرني أنه يعمل بالترجمة، ثم انتقل إلى الحديث عن عائلته القاطنة بالخانكة والتي كثيرا ما فاخر بها.. ربما تكون الخانكة قد ارتبطت لدينا بمستشفى الأمراض العقلية.. غير أن هذا من ظلمنا لبعض الأماكن التي ترتبط بمنشأة شهيرة .

ولأني ليس لي أي جذور ريفية، ولا أتوائم مع أهل الريف – أغلبية المصريين – ومن المؤمنين بأنه قد تم اغتيال الشخصية القاهرية وبعثرة أشلاءها، فكنت أستمع إلى حكاياته باهتمام.

**

.

قديما كان قد حكي لي أنه من جذور عربية من نجد، واليوم ذكرني بالحكاية مرة أخرى.. حدثني عن جده الكبير الذي استوطن مصر، وأن له أقرباء في بلاد شتى.. له أقارب بجوار الإسماعيلية في داخل مصر، وفي صيدا بلبنان.. وفي بلدان كثيرة... ثم بدأ يتحدث عن وجود عائلته في الخانكة، وأنه ليس من الخانكة "المدينة" بل من الضواحي، حيث أن لهم (فدانين ونصف) هناك .

**

.

بدأ في الحديث – على عادة أهل الريف وأبناء القبائل – عن أفراد عائلته المتعلمين.. والمسئولين... ثم تحدث عن جده (هو في الحقيقة أخو جده) الذي كان قاضي العرب، وكيف أنه في ذلك الوقت لم يكن للقانون الوضعي أو للشرطة دور حقيقي، بل إن جده (الحقيقي) كان يأخذ مسدسه ويطلق النار ليهدد من يغضبه في الستينات، وأكد أن الأوضاع لم تبتعد كثيرا عن الواقع، فمن يقترب اليوم من مزارع العائلة ليسرق أو حتى ليختصر الطريق، قد يجد نفسه معلقا في إحدى أشجار المزرعة، وهو ما حدث بالفعل.. وأخبرني كيف أنه أرهب إحدى الفلاحات السذج عندما ألقت ببعض القمامة في الطريق الذي يدخل في حما عائلته... كان يقول ساخرا: "نعم.. نحن بقايا الإقطاع".. نطقها بالإنجليزية "Feudalism"، فقلت له: "بل أنتم Cannibals" .

**

.

ذكرت له.. أن في إحدى مكالماتي مع صديق لي، جاءت سيرة الخانكة، فذكر لي أنها منطقة "مخدرات"،... أكد صديقي "الخانكاوي" هذا الكلام، فقلت له مذكرا بأحد زملاءنا في الجامعة - من الخانكة أيضا - والذي قال لي أنه كان سيعمل في تجارة البانجو لديهم لكنه امتنع عن ذلك... لم يصدم لذلك .. وأخذ يصف لي أحد الأفراح هناك عندما حضر الضباط وغيرهم ووزعت المخدرات – الحشيش تحديدا – على الملأ، وان بعض الضباط أخذ نصيبه من الحشيش الفاخر القادم من سيناء، وحدثني عن منطقة الجبل الأصفر، وعن عائلة شهيرة بتجارة المخدرات هناك... وحدثني عن التوتة التي يجلس تحتها... أعتقد أنه ليس مهووسا بالإنجليزية فقط.. بل مهووسا بالخانكة أيضا..!

**

.

رسخ حديثه بعض الأحاسيس لدي حول أهل الريف.. وكيف أنه بإمكان الفرد هناك أن يطحن هو وأهله على يد العائلات الكبيرة.. ذكرني حديثه بالممارسات التي كان يمارسها العربان مع أهالي الريف المصري طوال عصورنا العربية.. والتي جذورها تمتد إلى العصور المصرية القديمة في ذلك الصراع بين أهالي الأرض الحمراء وأهل الوادي.. والذي كان احتلال الهكسوس أحدى حلقاته .

**

بعد حديثه زادت وحشتي ويأسي من القاهرة ومن بعث القاهرة من جديد.. فنحن نعيش في مجتمع لاريفي، ولاحضري... مجتمع ماسخ، وكما أؤمن دوما أن تقدم مصر يبدأ من الريف .

عندما أذكر لأحدهم أن جدي وجدتي لأمي من القاهرة.. وجدي وجدتي لوالدي من القاهرة، أجده يفكر قليلا.. أنا عن نفسي لم أجد كثيرا مثلي.. ربما حظي جاء هكذا.. لكن كل ما لدي هو قصص مشوهة عن ماضي سحيق مجهول وغامض.

**

ودعت صديقي على أمل اللقاء مرة أخرى بعد أن اعترف أنه قد وجد حاجزا بينه ويبن الاتصال بي أو بأي من زملاء الدراسة القدامى طوال الفترة الماضية.. قدرت ما قاله، فانا أيضا كذلك.

Saturday, August 26, 2006

سلطان باشا الكبير

.

في دار الضيافة... والجو آخر لطافة، دخل علينا مولانا سلطان باشا.

مولانا سلطان.. معروف للإنس والجان، فهو صاحب النغم، والريشة والقلم، يرسم الأنغام بعزفه، ويصنع الكلمات بحرفه...

وكده يعني..

زي ما انتو عارفين

الخ

**

"أم هند".. أوالمهم

جاءني سلطان باشا، وتخيرني من بين أقراني، لما توسمه في من أناة وحلم، وعشق للسِلم، وقال لي : "اليوم أعلمك فنا لم يتعلمه أحدا من قبلك، فطرطأ ودانك، واسمع لسلطانك.. مولاك سلطان الكبير.

اليوم يا عزيزي.. أحدثك عن "العـُربة".. Orba

في البداية يا بني.. عليك أن تعلم أن المقامات الموسيقية ما هي إلا درجات بينها مسافات معلومة، في بعض المقامات – التي تصلح للعزف على الآلات الغربية – كالكرد والنهاوند والعجم وأحيانا الحجاز.. تجد المسافات بين الدرجات درجة واحدة (تون) أو (1/2 تون)، بينما المقامات التي تعزف على آلات شرقية فقط مثل البياتي والرصد (الراست) والسيكا... ستجد إلى جانب تلك المسافات.. مسافات أخرى بمقدار (3/4 تون) ..!

**

.

أما العـُربة يا ولدي.. فهي أن تتحرك خارج المقام بمقدار (1/2 تون)، وما أجملها في المقامات التي تصلح للعزف على آلات غربية ..

- سألته : وما تأثير العربة على المستمع يا مولانا ..؟؟

نظر نظرة طويلة.. وسحب نفسا من النارجيلة، ثم قال: إنها تخطف الأذهان، وتؤلم الأفئدة.. فتخرج الإنسان من أجساد مستأسدة... (يا عيني عليك يا سلطان).

- أعطيني مثالا يا مولانا على هذه العـُرب التي يتغني بها أولاد العرب..! (يا عيني عليا أنا)

هاك مني أمثلة في مقامات شرقية، تستطيع عزفها بآلات غربية أو عربية... اسمعها جيدا وستشعر بأثر العربة.

***

"أنا في انتظارك" للسيدة أم كلثوم... مقام هذه الأغنية قد حير البعض فهناك من قال أنها في مقام حجاز كار، والبعض قال – وهو ما نميل إليه – أنها من مقام الحجاز... والله أعلم كما تعلم يا بني.

في الحجاز تظهر العربة واضحة عن باقي المقامات.. ربما لحساسية هذا المقام ... تستطيع أن تشعر بالعربة تحديدا في كلمة "يـــا ريتني" عندما تختم السيدة أم كلثوم شطر "ياريتني عمري ما حبيت" .

ركز على هذه الكلمة في نهاية الكوبليه وستشعر باختلاف.

للاستماع : أنا في انتظارك

للتحميل : أنا في انتظارك

***

كذلك في أغنية المطرب عبد الحليم حافظ " لو كنت يوم أنساك " هذه الأغنية من مقام الكرد (والله أعلم)، بعد أن تنتهي المقدمة الموسيقية ويبدأ عبد الحليم في الغناء، أنصت إلى عبد الحليم وهو يختتم غنائه بقوله "إيه أفتكر تاني" .. كلمة "أفتكر" تحديدا، غناها من عربة.

للاستماع : لو كنت يوم أنساك

للتحميل : لو كنت يوم انساك

***

وللسيدة فيروز أغنية أيضا تتضح فيها العربة جلية واضحة... في أغنية "سألتك حبيبي"، عندما تختتم الشطر القائل : "ليش بنتلفت خايفين".. تحديدا كلمة "بنتلفت" هي التي تظهر فيها العربة .

للاستماع : سألتك حبيبي

للتحميل : سألتك حبيبي

***

ومن الشباب اخترت لك المغني هيثم شاكر – الله يعف عنه - وتحديدا أغنية "احلف بالله" تتضح العربة في نهاية الكوبليه القائل "والحياة بعدك في عيني.. ليل ما بينتهيش" وتتضح العربة في كلمة "ما بينتهيش".

للاستماع : احلف بالله

للتحميل : احلف بالله

***

.

تلفت حولي أبحث عن السلطان.. فلم أجده، لا أدري إذا ما كان قد قال الحق أم افترى....!!؟

عموما..

ما زلت أشعر أنه سيعود.. ليكمل حكاياته

فما كان ينقصني فعلا هو أن أستمع إلى شبح يملي علي ما أكتب...!

Thursday, August 24, 2006

حوار قصير مع عم اسحق

كنت قد تأكدت أن مهمتي ومغامرتي قد فشلت.. وعليّ أن أكتفي بما حصلت عليه- أو حصل لي - حتى الآن...

أتذكر أنني بعد أن حكيت لوالدي قال لي: هذه إشارة أن تكف عن مغامراتك في مهنة يرفض كل منكما الآخر.

**

بعد أن تأكدت من الفشل وجدت قدماي تسير ناحية الإدارة المركزية لقوات الأمن ثم دار مناسبات الشرطة في طريق صلاح سالم... الحرارة والرطوبة جعلتني أشبه "بالكتكوت الغرقان"، عبرت إلى الناحية الأخرى من الطريق.. جلست تحت نار الشمس على المحطة أمام المقابر محبطا، جاء رجل ذو ملامح صعيدية واضحة كانت قريبة من ملامح جدي "رحمه الله".. إلا أنه كان ضئيل الحجم، وملامحه كانت تليق ببائع عصير قصب يرتدي جلباب بلدي إلا أنه كان يرتدي بدلة صيفية، وفي يديه خواتم ذهبية.. جلس بجواري، بعد فترة أخذنا نلعن تأخر الأتوبيسات وعدم وجود أي مواصلة من هذا المكان... كانت تلك هي البداية المصرية التقليدية لفتح الحوارات، ورغم كرهي لهذا الأسلوب في الحوارات المصرية إلا أنني اندمجت معه.

**

كنت أريد أن أخفف عن الرجل في البداية.. فبدأ في الشكوى..

تحدث عن المصاريف التي طالبته بها هيئة الكهرباء ومصلحة المياه على شقق سكنية يمتلكها لا يسكنها أحد، ثم أخرج رزم فواتير.. عشرات الفواتير، كلها تطالبه بمصاريف إدارية رغم أن قيمة الاستهلاك مدونة صفر، ذكر لي أنه دفع 300 جنيه مصاريف إدارية، وعليه أن يدفع مثلها، وبدأ في سب الدولة.. ثم ذكر أن الموظفين يتلاعبون بكل شيء حسبما يريدون، وذكر أنه بعد أن صحح بياناته لديهم منذ عامين، عادوا مرة أخرى إلى معاملته حسب البيانات القديمة.. ولم ينس الرجل أن "يخمس" في وجهي خوفا من الحسد .

**

بعد أن مر علينا أتوبيس "أخضر" مكتوب عليه الأجرة موحدة 10,1 ، بدا الرجل في سب رئيس هيئة النقل العام الذي اتهم بالاختلاس.. علما بأن هذه الأتوبيسات تتبع شركات خاصة وتتبع الهيئة (روحيا J) فقط، وقرار رفع الأجرة قد جاء من المحافظ، إلا أن عم "أسحق" - كما قرأت اسمه في الفواتير التي عرضها على - كان في حالة غضب وقرف شديد من البلد كلها.. ولم ينس أن يحكي لي قصة طريفة – أقرب إلى النكتة – قبل أن يتركني وحيدا ويركب أتوبيس (777) المتجه إلى دير الملاك وقسم الحدائق .

**

المهم.. أني قد وجدت خطان مهمان في حديث عم "إسحق".. يمثلان العقلية المصرية، وصورة الدولة لدى المواطن المصري الراسخة منذ ألاف السنين حتى اليوم.

- أولا : إحساس المواطن بعدم جدوى دفع أموال للحكومة:

حيث ينظر المصري على أن دفع تلك الأموال لن يعود عليه بأي فائدة، هذه الفكرة قديمة قدم العصور المصرية القديمة، عندما كان يتجلى لؤم بعض الفلاحين عند التعامل مع الكاتب المصري وموظفين الحكومة بغرض إخفاء حقيقة قيمة المحصول، حتى أن بعض الفلاحين كانوا يتعرضون للضرب أو لأخذ أحد أفراد أسرتهم كرهائن... ولم تختلف تلك الممارسة كثيرا طوال العهود المتتالية.. والحقيقة أن أغلب تلك الأموال بالفعل لا تدار بشكل سليم كما جرت العادة.

- ثانيا : الفساد الطبقي لدى المصريين :

عندما حدثني الرجل عن فساد الكبار، حاولت أن ألفت نظره إلى أن الفساد ينخر بين الصغار أيضا، كهؤلاء الموظفين المستهترين الذين تسببوا له في الضيق والغضب، لم تكن هناك مساحة كافية للجدل حول هذا الأمر، إلا انه تجاوب مع الفكرة مجاملة، وأعتقد أن أغلب المصريين دائما ما يتجاهلون الفساد المباشر الذي يواجهونه كل يوم من الصغار، ويتجهون للحديث عن فساد قمة الهرم، وهو ما قد يتسبب في تبرير فساد الصغار أو إهمالهم على أساس أنهم ناس غلابة.. وفي هذا إشارة إلى ميراث قديم في اتهام علية القوم بالفساد على أساس أننا حكما كثيرا من أسر ملكية أو طبقة حاكمة أجنبية...الخ

· أخبار مهداة عن فساد "ذيل السمكة" :

1- حبس موظف بمكتب صحة "كفر الجبال" بالمنيا..!

قام هذا الموظف بالتغاضي عن تسجيل أسماء العديد من المواليد في كشوفات الدولة، وأخذ قيمة مصاريف التسجيل ليضعها في جيبه، ويترك الأهالي البسطاء بدون تسجيل أسماء أبنائهم.

وتكرر هذا الموقف مع ألف مولود...

نعم .. ألف مولود على مدار عامين، بعض هؤلاء الأطفال قد جاوزا الرابعة، حيث أن بعض الأهالي – في القرى - يسجلون أبنائهم متأخرا.

2- 20 ألف جنيه قيمة فاتورة تليفون مدرسة بالجيزة:

في مدرسة الفيصلية بالجيزة.. كانت قيمة فاتورة تليفون مدير المدرسة 7 ألاف جنيه، وقيمة فاتورة تليفون مديرة المدرسة ألفي جنيه، أما مسئولي الحراسة والأعمال الفنية وهم خمسة موظفين فقد جاوزت قيمة فاتورة التليفون الخاص بهم 11 ألف جنيه.

**

حكمة العدد : نحن لسنا في عصور ملكية أو استعمارية، بل أصبحنا شيء واحد.. "صالح" أو فاسد" .

Sunday, August 20, 2006

انطباعات

- عندما تشعر بفوضى داخلية.. حذار..! فقد تقودك الفوضى إلى الاصطدام مع أحدهم.. حاول أن تراقب تحركاتك جيدا.

ومن يعلم فقد تمر الأمور بسلام.. خصوصا في حالة إذا ما كانت تلك الفوضى "فوضى خلاقة"

- لا أدري لماذا يكون انطباعي الأول دائما هو الأصدق..؟، ولا أدري لماذا عندما أضغط على نفسي من أجل أحدهم غالبا ما أندم ..؟

لعلها فراسة المؤمن..

أعتقد أنني في حاجة أولا إلى إثبات إيماني.. كي أؤمن أنها فراسة المؤمن ..!

- من مميزات التدوين.. أنك تستطيع أن تلحظ الفروق واضحة بين مختلف الشعوب، وقد تلاحظ أن هناك شريحة من المدونين يمثلون سلبيات وإيجابيات مجتمعاتهم حرفيا.

حسب الإحصاءات فأكثر مستخدمي الانترنت العرب من مصر ثم من الخليج، لذا فبالإمكان أن تجد انعكاسات واضحة لما يدور في المجتمعات المصرية والخليجية من سلبيات (وإيجابيات أحيانا) عبر قراءة المدونات وموضوعاتها وأساليب أصحابها.

- لا أدري ما الذي يدفع أحدهم إلى التشاؤم..؟!

لقد نجح الجميع في بلادي في إيجاد قوانين بديلة لها جذورها العميقة في عصور المماليك وما قبلها، وفي ذلك دلائل عظيمة على :

- قدرة شعبنا العظيم الحفاظ على ميراثه الحضاري الثمين ورعايته.

- عبقرية أجدادنا العظام في إيجاد ممارسات اجتماعية بديلة عن القوانين، كبديل عن الإخفاق في إيجاد نظم تحقق العدل.

- تأكيد مبدأ الحتم التاريخي والجغرافي، الذي أعرض عنه الكثير من المؤرخين والجغرافيين .

- أرض العباقرة ... إلى الأبد...

عندما يذهب العلم عن قوم.. فاعلم أنهم عباقرة في نظر أنفسهم، حمقى في نظر الآخرين.

- وقالت العصفورة......

يقولون أن صيادا كان يضع شباكا للعصافير، فتقع فيها العصفورة تلو الأخرى.. فيقوم بكسر أجنحتها كي بيبع بعضها ويطبخ بعضها.. وفي يوم من الأيام ثارت رياح تحمل معها بعض الأتربة في وجهه وهو يضع شباكه.. فذرف الدمع من عينيه، وقالت إحدى العصافير.. "انظروا إلى قلب هذا الصياد الرقيق، إنه يبكي على ما يفعله معنا، لعله مضطر أو نادم .."

فقالت إحداهن: "لا تنظروا إلى دموع عينيه، ولكن انظروا إلى عمل يديه..!"

(كتاب الحيوان – الجاحظ)

Friday, August 18, 2006

إيش عليا أنا من الناس

"في 60 داهية الناس.. مالك عامل حساب للناس كده ليه..؟؟" عبارة.. قيلت لي من قبل عدة مرات.

**

*

Poemas de la Alhambra

أحيانا نتذكر أشياء لم نكن نتخيل أننا سنتذكرها في يوم من الأيام.....

القصة أن "علي بن عبد الله النميري" المعروف بالششتري (ت 668 هــ)، كان أحد أبناء الأسر ميسورة الحال في الأندلس، كان يعيش بينهم كالأمير، هذا الرجل قرر أن يعتزل حياة الترف والرفاهية ليقترب أكثر من تحصيل العلم والحكمة والفلسفة، ثم انتهج نهج المتصوفة وسلك طريق الزهد والتقشف..

.

كان "الششتري" أول من استخدم الزجل في التصوف، ويصفه ابن الخطيب بأنه "عروس الفقراء وأمير المتجردين وبركة الأندلس"، وخلف "الششتري" تراثا مهما من الأعمال الصوفية، كان منها رسالته المعروفة حاليا بـ"الرسالة الششترية".. وقد تشرب الششتري أفكار أساتذته من كبار المتصوفة في زمانه، مثل شهاب الدين السهرودي، محي الدين ابن عربي، عبد الحق بن سبعين الغافقي، حتى نال بجدارة لقب ملحد على يد ابن تيمية في إحدى فتاواه.

.

انضم "الششتري" إلى الصوفية، ولبس الملابس الخشنة، وأخذ يجول بين البلاد ينشد الأزجال والأشعار الصوفية التي ما زال أهل بعض الطرق الصوفية يرددونها إلى اليوم في مختلف أقطار العالم الإسلامي، وتوفي في مصر بدمياط..

تروي القصة "غير المؤكدة"..أن ابن سبعين قد اشترط على "الششتري" أنه إذا ما أراد أن يكون متصوفا عليه أن يبدأ بالنزول إلى السوق بثوب مرقع، و"غرارة" في عنقه – حقيبة أو جراب كالتي يرتديها المجاذيب في المسلسلات العربي - وعصا يتكئ عليها.. ويبدأ رحلته .

.

الأزجال القادمة للششتري هي نتاج هذا الموقف.

.

أحد الملحنين من البحرين وهو "خالد الشيخ"، احتفظ بأحد أزجال "الششتري" بعد أن قرأها في مجلة " الفنون الشعبية " عدد (2) القاهرة أبريل 1965، ثم قام بتلحينها، وحققت الأغنية نجاحا ملحوظا في الخليج وقتها، وغناها عدة مطربين، إلا أنها عرفت بمطربها الأول البحريني أحمد الجميري، الذي غناها في 1983مـ .

يقول أحدهم أن الأغنية قد تم تلحينها في مقام الرصد (الراست)، الحقيقة – أنا لست متخصصا – لم أشعر بهذا..وشعرت أنها بدأت في العجم، ثم جاءت الجملة الرئيسية في مقام الكرد (ربما) - هكذا شعرت أنا وقد يكون صاحب الرأي على صواب - أما الإيقاع فيقول أخر أنه من إيقاع البطايحي الشهير في الموشحات والأزجال المغاربية والأندلسية، وتنفيذ الأغنية يعود بنا إلى أجواء الثمانينات، قد يكون عيبه هو صوت الكورس، غير أن صوت المطرب بحق مميز وذو نبرة خاصة، أما التنفيذ فجعل الأغنية أقرب إلى الروح الهندية عن الروح الأندلسية التي كنا نلمسها في تنفيذ بعض موشحات الثمانينات التي كان يؤديها فؤاد عبدالمجيد على - سبيل المثال - لفرقة رضا والتي نفذها موسيقيا المايسترو مصطفى ناجي .

ننتقل إلى نص الأغنية.. أعجبني العنوان الذي كتب منذ مئات السنين.. "إيش عليَّ أنا من الناس.. وإيش على الناس مني"... ألا ترون أنه على حق..؟!

هنا يقولون أن لديهم النص الأصلي (أسفل الصفحة) ... واضغط Ctrl + A كي تستطيع القراءة (إذا بتحب)، أو هنا لدى عيسى المدون العماني.

مع أزجال "الششتري"، ونص الأغنية..

.

شويخ من أرض مكناس وسط الأسواق يغني

إيش عليا أنا من الناس وإيش على الناس مني

.

"أنا شيخ (يستخدم شويخ هنا للتصغير كدلالة على تواضعه) من ارض مكناس(= بلد في المغرب) يغني في الأسواق.. ما للناس ومالي..؟"

**

*


أيش عليا ياصاحب من جميع الخلايق ** أفعل الخير تنجو وأتبع أهل الحقايق
لا تقل يا بني كلمه إلا إن كنت صادق ** خذ كلامي في قرطاس وأكتبه حرز عني
إيش عليا أنا من الناس وإيش على الناس مني

.

"وما لي يا صاحبي بجميع الخلائق..؟ اسمع كلامي وكن مع أهل الخير والحق، ولاتقل إلا الصدق ودون كلامي هذا في ورق، واجعله وردا وأذكارا لك"

**

ثمّ قولُ مبينُ ولا يحتاج عبارة ** إيش على حد من حد أفهموا ذي الإشارة

أنظروا كبر سني والعصا والغرارة ** هكذا عشت في فاس وكذا هون هوني

إيش علي أنا من الناس وإيش على الناس مني

.

"يقول : كلام واضح، ولايحتاج إلى شرح، فقط حاول أن تفهم المعاني والإشارات، فها أنا في سني هذا أرتدي جرابا حول عنقي وبيدى العصا، هكذا عشت في فاس، وسأظل هكذا هنا أيضا"

**

وما أحسن كلامه إذا يخطر في الأسواق ** ترى أهل الحوانيت يلفتوله بالأعناق
بغرارة في عنقه وعكيكز وعكاز ** شويخ مبني على أساس ..كما أنشأه الله مبني
إيش عليا أنا من الناس وإيش على الناس مني

.

"هاهو الشيخ بأزيائه البسيطة وكلامه الرائع يلفت أنظار أهل المتاجر ليلتفتوا له بأعناقهم، لأنه شيخ كان أساسه سليم على فطرة الخالق"

**


ياإلهي رجوتك جُد علينا بتوبة ** بالنبي قد سألتك والكرام الأحبة
الرجيم قد شغلني وأنا معه بنشبه ** قد ملى قلبي وسواس مما هو يبغي مني
إيش علي أنا من الناس وإيش على الناس مني

.

"يا رب التوبة.. أنا أتنازع مع شيطاني الرجيم اللصيق، الذي أدخل الوسواس إلى قلبي"
**
شويخ من أرض مكناس وسط الأسواق يغني
إيش
علي أنا من الناس وإيش على الناس مني

.

.

بصوت المطرب الأصلي "أحمد الجميري" :

للاستماع: سماع الأغنية للتحميل: شويخ

.

وإمعانا في الأجواء الأندلسية، هذه نفس الأغنية بصوت "رجاء الخليجية" في سمرة * خليجية "تسجيل سيء"...

للاستماع والتحميل: هــنـا

هنا يغني عبدالمجيد عبدالله نفس الأغنية في "جلسة" غناء خاصة مع إضافة أبيات جديدة من النص الأصل..

للاستماع والتحميل: هــنـــا

.

وكذلك عبادي الجوهر، يعزف ويغني نفس الأغنية.. أشعر أن هناك اختلافا في الإيقاع..!؟

للاستماع والتحميل: هــنــا

.

وهنا أحد المغنين اسمه يوسف العلي يتخبط مع الفرقة في محاولة لركوب المقام الموسيقى والإيقاع .

للاستماع والتحميل: هــنـــا

ـــــــــــــــــ

* ملحوظة هامة : السمرة (من السَـمَـر) تذكرنا هنا بالــ Zambra وهي رقصة فلامنكو تحمل نفس المعنى أي الحفلة، ومعروفة في اسبانيا بجذورها العربية .

ورغم أن السمرة ما زالت تعرف كجلسة غناء في الخليج والمغرب، إلا أنها نوعا من الرقص في أسبانيا.. وبالإمكان ملاحظة ذلك الطقس الشهير عندما يبدأ الحاضرون في التصفيق بإيقاع معلوم بعد غناء المطرب مصاحبة للموسيقى، فنجد تشابها بين ذلك الطقس في الخليج وغناء الفلامنكو .

.

البوست إهداء خاص : إلى الزوار من البحرين، خصوصا layal