
.
كنت قد تركت مكتب شئون الخريجين، بعد محاولات فاشلة لاستجداء الموظفات كي يستخرجوا لي شهادة قالت الموظفة أنها ستنجزها في "شهر"، مع العلم أنني أحتاجها خلال أيام، وإن لم أحصل عليها ستضيع على أموال دفعتها في مكان آخر.... L
عموما.. كان الجو حار رطب...
مما قلل من نشاطي العدائي، فأصبح كل همي هو إزاحة حبيبات العرق عن وجهي.
**
فكرت أن أصعد إلى أستاذي الشاب في الجامعة لأطلب منه بحث التخرج الذي لم أستطع الحصول عليه حتى الآن.. مضى عام دراسي على تركي هذه الجامعة، وها هو العام القادم على الأبواب.. في الطابق الأول أفاجأ بصديق قديم، كنت قد تعرفت عليه في عامي الثالث في هذه الكلية... نجحنا وتخرجنا وهو بقى كي يعيد بعض المواد.. كان يجري أمامي.. ناديته.. أحضان وعتاب.
"كان واحشني بجد"
**

ذكرني بأيام صعبة وأيام عادية قضيناها في الكلية، ذكرني أيضا بزملائي من الحرس القديم الذين تعرفت عليهم بدءا من العام الثالث في الكلية، في تلك الفترة كنت أمارس الصعلكة مع كل شخص أتعرف عليه حديثا، كنت أتجول مع المعيدين.. مع الراسبين.. مع الصغار مع الكبار.. كثيرا ما كنت أشعر بالوحشة والضجر، أو بالفرح والمرح.. تعرفت على ضائعين وعلى مملين، لم يكن للفتيات دور هام في هذه المرحلة..
كانت أيام .. ومرت لحالها .
أستطيع أن أصف زميلي هذا بأنه مهووسا باللغة الإنجليزية، كان لاجئا في معهد القوات المسلحة للغات، لم أره مرة إلا ومعه قاموسا أو جريدة إيجيبشن جازيت التي لا أعرف من أين كان يحصل عليها بصورة شبه يومية..
**
تجولت معه في الكلية كي نستفسر معا عن أمور تخصه، ثم دار الحديث عنه أكثر مما دار عني... أخبرني أنه يعمل بالترجمة، ثم انتقل إلى الحديث عن عائلته القاطنة بالخانكة والتي كثيرا ما فاخر بها.. ربما تكون الخانكة قد ارتبطت لدينا بمستشفى الأمراض العقلية.. غير أن هذا من ظلمنا لبعض الأماكن التي ترتبط بمنشأة شهيرة .
ولأني ليس لي أي جذور ريفية، ولا أتوائم مع أهل الريف – أغلبية المصريين – ومن المؤمنين بأنه قد تم اغتيال الشخصية القاهرية وبعثرة أشلاءها، فكنت أستمع إلى حكاياته باهتمام.
**
قديما كان قد حكي لي أنه من جذور عربية من نجد، واليوم ذكرني بالحكاية مرة أخرى.. حدثني عن جده الكبير الذي استوطن مصر، وأن له أقرباء في بلاد شتى.. له أقارب بجوار الإسماعيلية في داخل مصر، وفي صيدا بلبنان.. وفي بلدان كثيرة... ثم بدأ يتحدث عن وجود عائلته في الخانكة، وأنه ليس من الخانكة "المدينة" بل من الضواحي، حيث أن لهم (فدانين ونصف) هناك .
بدأ في الحديث – على عادة أهل الريف وأبناء القبائل – عن أفراد عائلته المتعلمين.. والمسئولين... ثم تحدث عن جده (هو في الحقيقة أخو جده) الذي كان قاضي العرب، وكيف أنه في ذلك الوقت لم يكن للقانون الوضعي أو للشرطة دور حقيقي، بل إن جده (الحقيقي) كان يأخذ مسدسه ويطلق النار ليهدد من يغضبه في الستينات، وأكد أن الأوضاع لم تبتعد كثيرا عن الواقع، فمن يقترب اليوم من مزارع العائلة ليسرق أو حتى ليختصر الطريق، قد يجد نفسه معلقا في إحدى أشجار المزرعة، وهو ما حدث بالفعل.. وأخبرني كيف أنه أرهب إحدى الفلاحات السذج عندما ألقت ببعض القمامة في الطريق الذي يدخل في حما عائلته... كان يقول ساخرا: "نعم.. نحن بقايا الإقطاع".. نطقها بالإنجليزية "Feudalism"، فقلت له: "بل أنتم Cannibals" .
**
ذكرت له.. أن في إحدى مكالماتي مع صديق لي، جاءت سيرة الخانكة، فذكر لي أنها منطقة "مخدرات"،... أكد صديقي "الخانكاوي" هذا الكلام، فقلت له مذكرا بأحد زملاءنا في الجامعة - من الخانكة أيضا - والذي قال لي أنه كان سيعمل في تجارة البانجو لديهم لكنه امتنع عن ذلك... لم يصدم لذلك .. وأخذ يصف لي أحد الأفراح هناك عندما حضر الضباط وغيرهم ووزعت المخدرات – الحشيش تحديدا – على الملأ، وان بعض الضباط أخذ نصيبه من الحشيش الفاخر القادم من سيناء، وحدثني عن منطقة الجبل الأصفر، وعن عائلة شهيرة بتجارة المخدرات هناك... وحدثني عن التوتة التي يجلس تحتها... أعتقد أنه ليس مهووسا بالإنجليزية فقط.. بل مهووسا بالخانكة أيضا..!
**

رسخ حديثه بعض الأحاسيس لدي حول أهل الريف.. وكيف أنه بإمكان الفرد هناك أن يطحن هو وأهله على يد العائلات الكبيرة.. ذكرني حديثه بالممارسات التي كان يمارسها العربان مع أهالي الريف المصري طوال عصورنا العربية.. والتي جذورها تمتد إلى العصور المصرية القديمة في ذلك الصراع بين أهالي الأرض الحمراء وأهل الوادي.. والذي كان احتلال الهكسوس أحدى حلقاته .
**
بعد حديثه زادت وحشتي ويأسي من القاهرة ومن بعث القاهرة من جديد.. فنحن نعيش في مجتمع لاريفي، ولاحضري... مجتمع ماسخ، وكما أؤمن دوما أن تقدم مصر يبدأ من الريف .
عندما أذكر لأحدهم أن جدي وجدتي لأمي من القاهرة.. وجدي وجدتي لوالدي من القاهرة، أجده يفكر قليلا.. أنا عن نفسي لم أجد كثيرا مثلي.. ربما حظي جاء هكذا.. لكن كل ما لدي هو قصص مشوهة عن ماضي سحيق مجهول وغامض.
**
ودعت صديقي على أمل اللقاء مرة أخرى بعد أن اعترف أنه قد وجد حاجزا بينه ويبن الاتصال بي أو بأي من زملاء الدراسة القدامى طوال الفترة الماضية.. قدرت ما قاله، فانا أيضا كذلك.











