Thursday, October 25, 2007

قبيلة آل فصام

أول أمس.. وأنا ذاهب إلى العمل، وكذلك في طريق عودتي، أحصيت حوالي 3 : 4
حالات مروا أو جلسوا أمامي في الطريق، كلهم كانوا يكلمون أنفسهم، بالأحرى كانوا يتحدثون مع الهواء.. مع الأكسجين، لعلهم يفترضون أنهم يتحدثون إلى مديريهم أو زوجاتهم أو أقاربهم أو ..الخ
**
كانت إحداهن امرأة في العقد السادس تقريبا، طوال الطريق إلى ميدان التحرير، كانت تتحدث مع الهواء، كانت تجلس خلفي مباشرة، كان حوارا افتراضيا.. وفي طريق عودتي وجدت شابا يتحدث إلى نفسه هو الآخر وهو يسير بجانبي، وحين أدرك أني بجواره أتابعه اضطرب وتوقف.. أتذكر الآن أحد سائقي المكيف (الجيزة - مدينة نصر).. كان هو الآخر على نفس المنوال يدير حوارا مع الهواء، أحيانا كانت يده ترتفع عن عجلة القيادة في محاولة منه لشرح موقفه إلى محدثه الوهمي
**
ربما كانت الصورة التقليدية في ذهني عن مرضى الفصام المتنقلين في الشارع، أنهم هم - المجاذيب- الذين نراهم في حالة اضطراب عقلي واضح، في ملابس رثة، تتبدل ملامحهم بين الابتسام والجدية، سرحان وشرود، غياب عن الواقع، اضطراب عند إدارة حديث مع آخرين
**
كنت دائما أزكي ذلك الحس الفصامي إن استشعرته لدى شخص ما، ففي صورته المبكرة يكون هناك استغراق في أحلام اليقظة والاندماج معها، أما الصورة الفجة للمرض فتتمثل في الهذيان، لكني مازلت مستمسكا برأيي الأول في أن ذلك الحس الفصامي هو لإنسان حساس.. مبدع، لديه القدرة على الخيال والإبداع والإتيان بأفكار مختلفة.. بل وعالم مختلف
**
تبقى المشكلة في الحقيقة الواقعة وهي أن الفصام في النهاية مرض.. بل هو مرض عقلي تظهر أعراضه في تأثر مهارات التواصل مع الآخرين، وتدهور المستوى التعليمي أو المهني وانقطاع المريض عن محيطه ومن حوله، وهنا لا يصبح الحس الفصامي حسا.. بقدر ما هو مرضا وإعاقة
**
كانت لدي مشكلة في فهم الأمراض النفسية والعقلية، خصوصا أن هذا ليس مجال تخصصي، كنت ألاحظ أنها شبكة متصلة ببعضها البعض، فأشعر بتقارب بين بعض أعراض الفصام والوسواس القهري على سبيل المثال، بل حتى الاكتئاب كنت أجد عوامل مشتركة منها الانعزال عن الناس –هذا ما تمليه الإرادة حينذاك – إلى جانب تأثر صورة المريض الخارجية، وعدم قدرته على التركيز أحيانا مما يقدم صورة مضطربة مشوشة عن شخصيته
**
والحقيقة أن هناك فارق بين الأمراض النفسية والعقلية.. لكن دائما ما تكون هناك سمات أو ملامح مشتركة، رغم الاختلافات المظهرية التي قد تكون واضحة بشكل فج لدى الفصامي الذي قد لا نجده في انكسار المكتئب، فهو أعلى من ذلك
عموما أنا أتحدث هنا عن حس فصامي.. أكثر منه كمرض عقلي كامل النضج
**
ما يؤلمني بشدة، هو أنني أتعاطف وبشكل شديد جدا مع كافة هؤلاء الفصاميين، أو الاكتئابيين أو المهووسين أو المذعورين..الخ كل تلك الفئات التي تنوعت أمراضها العقلية والنفسية أشعر أنهم أعلى من الباقين.. نعم، أراهم أكثر حساسية.. حساسيتهم هي التي دفعتهم إلى هذه الصورة – بعيدا عن أسباب وراثية أو دماغية – فهم أكثر تأثرا، أكثر خيالا وإبداعا.. يرفضون الواقع، يألمون به وله، ليسوا ضحايا المجتمع، بل ربما هم ضحايا ظروف لم تحولهم إلى مبدعين
**
ليس عجيبا إذن أن يتهم الكثير من الأنبياء بالجنون، بل وبعض ورثتهم
فلقد كان حس التغيير والإبداع والتأمل وما جاؤوا به من أفكار يمثل لدى المتبلدين من معارضيهم صورة تتسق مع الجنون – أمراض نفسية وعقلية – وهو ما جعل عبيد الدنيا والمنسحقين لإرادتها هم الأكثر استقرارا
**
لست هنا لأقدم تجميلا للمرضى النفسيين والعقليين، لكن نتيجة ما أشاهده الآن في شوارعنا وحياتنا، أجد نفسي لا إراديا أتعاطف مع هؤلاء، لا لأنهم مختلفون أو متخلفون فقط.. بل لأنهم أكثر تمردا ورفضا وإبداعا .. خصوصا آل الفصام

روابط للاطلاع:
ـــــــــــــــــــــــــ

موقع كامل عن الفصام - فصاميون - فصام العقلالفصام الاكتئاب - التوتر النفسي والقلق

5 comments:

Amir said...

هم يستحقون التعاطف بالفعل
قد نسخر منهم أو نراهم عباقرة أو مميزين أو قد نخاف منهم وهذا شعور شائع لدى العامة .

لكن ما لا يعرفه عنهم العامة غالباً ، هو مدى الألم الذى يعانون منه .

الفصاميون يشعرون أنهم طبيعيين ولكنهم لا يستطيعون أن يكونوا كذلك .

بحرينية said...

في الوقت الحاضر الانسان ممكن يصاب بفصام عقلي فقط مع محيطه الواقعي مستبدلا اياه بعالم الانترنت اللي يقدر يحصل فيه نفس الناس و الافكار اللي يبي يتعامل وياها
>>> مادري شلي يخليني اكيده ان هالحالة تعتبر فصام و ان لها اسم بعالم الطب النفسي

صحيح ان المصابين بالامراض النفسية حساسين و افكارهم ابداعية من جذي ممكن نتعاطف وياهم عشانهم وصلوا لهلحالة بس بعد لازم ما ننسى انه في شخصياتهم جانب من الضعف اهو اللي وصلهم لهلحالة

شكرا لك يا عبدالرحمن على البوست و آنه من الناس اللي يكلمون نفسهم ساعات بصوت عالي :)

Abdou Basha said...

أمير
بالفعل كلامك صحيح.. أتذكر عبارة للطبيب النفسي الشهير أحمد عكاشة الذي ذكر عبارة قوية حول نفس المعنى، وهي ان المرض النفسي أشد الأمراض قسوة على الانسان، وهو ما لايقدره الآخرين
**
بحرينية
معك حق.. انا أيضا أحيانا اشعر أن تعاملات الانترنت تحمل شبها مع الفصام، خصوصا لمن يستخدمون أسماء رمزية، ولايهدفون إلى تكوين علاقات بقدر ما يجعلون الانترنت مخزنا لأفكارهم او فنونهم
لكن بما اننا لسنا متخصصين، لنخفف من وطأة الأمر وندعي أن ذلك السلوك هو حس فصامي وليس مرضا
:)

وطن said...

com/


" الحَـانة " ..
http://www.7hana.com



مُنتدى ً جديد ينضمّ إلى كوكبة المُنتديات الفكريّة / الثقافيّة ... تم افتتاحه في يوم الثلاثاء الموافق 16 أكتوبر 2007م ..
جُهد رائع وجميل .. وأتمنى بصدق .. أن تنتشر الكثير من هذهِ المواقع الجميلة .. في ظل طغيان مواقع " الهيافة " والتي تعتمد على الإثارة والفضائح .. والتي تزورنا روابطها على إيميلاتنا يوميّاً .. بلا إستئذان .. ! ..

تصميمهُ " رائق " وجميل وينطو ِ على ذوق أخّاذ ورائع ..

جعل لهُ شعاراً جميلاً هوَ :
" حرية الطرح حق مشروع للجميع بدون رتوش ولا قوانين على البوح الفكري سوى حفظ الآداب وحق الأطراف الاخرى في التعبير "

اُبارك جهوُد القائمين عليه ِ .. ودوماً نحو المزيد من المواقع الإيجابيّة الهادفة ...

Abdou Basha said...

شكرا على تعريفنا بحانتكم، أشعر أن الجو هناك سيكون ممتعا
أتمنى لكم كل التوفيق