Tuesday, November 27, 2007

رجال لكل العصور

أمام "فرشة" جرائد.. وقفت أطالع عناوين الصحف المحلية حسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة، شعرت وكأنها صحف صدرت من عدة دول، فبينما كانت الأهرام تحكي في واد، كانت الدستور تصرخ في واد آخر، والمصري اليوم تثرثر في جهة أخرى.. والمسائي، والجمهورية، والوفد..الخ
لا أدري إن كانت تلك هي الديمقراطية أم لا.. لكن ما حدث هو أنني شعرت أن مصر ليست نجمة الموسم، غاية وجودها هو أن تكون اسم علم يستخدم في العناوين او في متون الأهرام.. و الأخبار.. و الدستور.. و..الخ
**
إحدى عوامل هلاك الأمم، وفتور الهمم، أن تجد الكلام المنمق يملأ الأوراق والجيوب، دون هدف واضح، إنها مباراة في تمزيق الراية، صحف تعادي الحكومة المصرية أكثر من معاداتها للحكومة الإسرائيلية، وصحف أخرى كالقط الخصي المتدثر بأحضان صاحبه، وصحف.. كلماتها لها مآرب أخرى
**
بعد هذه المقدمة البليغة، نحمد الله ونصلي ونسلم على رسوله الكريـم
..أما بعد..

فقد لفت نظرنا السديد خبر عن أحد أساتذتنا الكرام أنه أعد كتابا كان في الأصل دراسة ضمت بعض المعلومات الشيقة عن رموز مجتمعنا البائس
ورد في كتابه "وجوه في التقارير السرية للتنظيم الطليعي" المزمع إصداره قريبا – حسب العربية- أن عددا من الأسماء المشهورة في عالم السياسة والثقافة في مصر كتبوا "تقارير" في فترة ما قبل 1967 اطلع عليها الرئيس عبدالناصر وسجل عليها تأشيراته التي أوصت أحيانا بالاعتقال والفصل من العمل
واتخذت هذه التقارير الصبغة الأمنية نتيجة انتماء كتابها إلى التنظيم الطليعي الذي أنشأته الاستخبارات المصرية آنذاك، وتناولت التقارير في الغالب جوانب شخصية أو تفسيرات لبعض الأعمال المكتوبة كتقرير صدر في حق رواية "شموع" لمصطفى أمين حين نشرها على حلقات فجمعها أعضاء بالتنظيم ووضعوا خطوطا تحت بعض السطور والفقرات وفسروها تفسيرا رمزيا، وبعد أشهر كان مصطفى أمين معتقلا، أو كما حدث في تقرير آخر ضد رواية "ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ، أو كما تم التحريض ضد مسرحية "البغل في البريق" لألفريد فرج

مطالعة أسماء بعض أعضاء هذا التنظيم تؤكد نظرية مفادها أن هناك رجال لكل العصور، لاتتغير أحوالهم ولاتتحول. من بين كتبة التقارير الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية والناقد الماركسي المعروف محمود أمين العالم والدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع، والأستاذ صلاح الدين حافظ والدكتور مفيد شهاب والدكتور علي الدين هلال، وحسني أمين وأحمد حمروش وفاروق العشري "من قيادات الحزب العربي الناصري" والمؤرخ الشهير جمال بدوي
**
لعلها ليست المرة الأولى التي أجد من الأدلة ما يثبت نظرية "رجل كل العصور"، فأتذكر أنني شاهدت أحد الأكاديميين وهو الدكتور مراد وهبة يذكر دون حرج أنه كان يرفع تقارير إلى عبدالناصر، أذكر أنه وصفها بالتقارير المهنية حول التعليم والحياة الأكاديمية
من أهم المساهمين في إنشاء التنظيم الطليعي المشار إليه سابقا الدكتور أحمد كمال أبوالمجد، وهو وزير سابق، ويشغل الآن منصب نائب المجلس القومي لحقوق الانسان، رغم ميوله الاسلامية

**

أتذكر الآن من ضمن الأخبار الشيقة التي فاجأتني في يوم من الأيام للوهلة الأولى تلك الأسماء التي نشطت مع عهد عبدالناصر في منظمة الشباب الاشتراكي وكيف تمركزوا فيما بعد في مناصب حكومية بعد أن أثبتوا قدرتهم على التفاعل مع الدولة
منهم حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم الأسبق الذي يعرفه أبناء جيلي جيدا، ومفيد شهاب، وعلي الدين هلال، ومصطفى الفقي وممدوح البلتاجي وغيرهم.. وهنا يجدر الإشارة إلى كتاب هام "منظمة الشباب الاشتراكي..تجربة مصرية في إعداد القيادات" الذي يعرض علينا كيف كانت هذه المنظمة – التي أراها كمواطن يعيش بجانب الحيط أنها كانت سيرك حكومي يليق بالحكومات العسكرية- التي يعتبرها الكتاب مصنعا لكثير من السياسيين حتى أن منهم أحد قيادات كفاية
**
إذا عدنا إلى كتاب الدكتور حمادة حسني، مدرس التاريخ الحديث بجامعة قناة السويس الذي أشار إلى كُتاب التقارير، أو السادة المخبرين.. فقد لفت نظري من ضمن الأسماء، محمود أمين العالم، تلك القامة الشيوعية الكبيرة
تذكرت فجأة أن هذا الرجل قد أثار منذ عدة أشهر ضجة – في حوار طريف على طريقة المصري اليوم- عن تنظيم شيوعي سري ينظم سيمفونية السخط العمالي من إضرابات واعتصامات واحتجاجات من أدني مصر إلى أعلاها، أتذكر هذا الحوار الغريب الذي قدمته المصري اليوم.. وكأنها اكتشفت سر الجين المسؤول عن التناسل في ذبابة الفاكهة
ونفى الرجل بعد ذلك ما جاء في الصحيفة
*** يفضل الاطلاع على هذا الرابط العجيب... إن كنت قد وصلت إلى هذا السطر***

وقتها ذهبت مع أحد الآراء الذي ذكر أن هذه الضجة تشويش على نشاط العمال الغاضب
وبالفعل أجد أن اتهام هذه المظاهرات العمالية وقتها بأن وراءها محرك شيوعي – بعث من قبره- هو إساءة للعمال، وإساءة للشيوعية في قبرها بمدافن البساتين.. شعرت وقتها بأنها محاولة خائبة لإطفاء أزمة العمال بهذه الطريقة
الآن وردت على بالي فكرة ربما تبدو بعيدة... وهي أن يكون هذا الرجل قد سرب مثل تلك الأقوال وقتها ضمن لعبة حكومية لتشويه صورة العمال، وإظهار غضبهم على انه غضب للأيديولوجيا.. وليس بسبب الفشل الاداري
ربما أفرطت في نظرية المؤامرة!؟

فالحق يقال ان الرجل كان قد اندمج في التنظيم الطليعي القديم بعد مداولات حدثت أيام عبدالناصر في المعتقل ثم تم الافراج عنه بعدها، لذا لسنا في حاجة إلى توجيه مزيد من الطعنات إليه... لكن!!؟
**
لا أدرى لماذا تذكرت أمين العالم تحديدا، فقد كان أمامي العديد من الأسماء، لكن للحظة تشككت أن يكون هذا الرجل وفرقته السابقة ومن والاهم مازالوا على علاقة حميمة بالدولة، عموما أنا متأكد أن كثيرين منهم مازالوا على عهدهم ووعدهم ما استطاعوا، مفيد شهاب.. أو مصطفى الفقي..الخ، وجوه ما زالت تستضاف وتـُخدم أحيانا دون مبرر
**
آخر سؤال دار في ذاكرتي، واستوحيته مما قاله الدكتور حماده حسني للعربية أن أحمد عز يقوم بتجربة جديدة مشابهة في أمانة السياسات.. عبارة غريبة، فجرت في ذهني تساؤلا عن : من الان من أبناء جيلي يقوم بهذا الدور الطليعي؟؟
**
عموما يجدر أن نقول أيضا أن بعض كتاب هذه التقارير لم يكتبوها بكامل إرادتهم
كلمة ختام : أكره هذه الأجواء، رغم طرافة الموضوع

2 comments:

MAKSOFA said...

الموضوع ليس طريفا بالمره أجده قويا ومليء بالمعلومات
أحييك ياباشا

Anonymous said...

المدونه باقت احسن و موضوعاتها
تحياتى

احمد علاء