Friday, January 11, 2008

لقاء جبل الجيوشي

كنت أعلم أنه سيكون الأتوبيس الأخير المتجه ناحية المقطم، ولا أنكر أن الندم أصاب معنوياتي حين أدركت برودة الجو وتحسست قطرات المطر على جسدي المرتعش، وكشخص يفي بالوعد.. كان لا بد من أن ألبي دعوته حين ناداني إلى هذا المكان المقفر
..
المكان تكفيه زيارة واحدة فقط.. مازلت أتذكر ذلك اليوم الذي أتيت فيه إلى هنا منذ عدة سنوات كي أشيّع جدي العزيز إلى مدافن الأباجية، بعض من يسكنون هنا لهم صلة قرابة بعييييدة بوالدتي رحمها الله، اليوم أسبح في ظلمات المدافن والورش، ولا أجد سوى رجل خرج للتمتع بمشهد المطر، ووقف يبتسم لي كالأبله، وأشار بيمناه وزعق "سلام عليكم"، ابتسامة صفراء كانت كافية لصده، لم اهتم لعباراته المتلعثمة التي ألقاها نحوي بعدها
..
من باريس إلى جبل الجيوشي!؟يا لها من رحلة، لم يحتمل سلطان باشا أن ينتظر ساعات الترانزيت في المطار، ترى.. هل سأجده اليوم أم هي إحدى ألعابه السحرية التي يمارسها مع أصدقائه من أهل النخب المخملية؟
وقفت أنظر إلى المقطم وأتذكر ما روته لنا زميلة مسيحية في السنة التمهيدية عن معجزة نقل جبل المقطم، أتذكر حوارها مع أستاذنا القادم من الخارج حين أخبرته أنه يجب إعادة كتابة تاريخ الأقباط، نتيجة الظلم الذي تعرضوا له من جانب المؤرخين المسلمين، وكانت قصة نقل الجبل دليلها على تحيز المصادر الإسلامية في كتابة التاريخ لكونها أهملت تلك القصة، ويا ليتها اختارت قصة أخرى.. في تلك السنة تلقيت عدة صفعات صادمة، وحتى الآن.. أجد أن الدين-كهوية-يحاول أن يفرض نفسه على البحوث والدراسات، هذا.. بدلا من أن نقوم على تطوير العلم نفسه
..
لا أعتقد أن الباشا لديه الاستعداد لأن يسمع قصصي ورواياتي المملة.. على مقربة من مسجد الجيوشي(1-2)، جلست على الأرض أنظر إلى القاهرة، انتفض جسدي كله حين سمعت صوته الأجش من خلفي
الجو بارد؟-
أجبت : حمدالله على السلامة-

لا سلام.. ولا كلام.. لثوان، وقف كلا منا يتأمل ملامح الآخر في ضوء القمر وانعكاسات أنوار القاهرة، ثم قال بحزم: تحدث
..
كان هو من طلب لقائي، لكن كان بداخلي أشياء كثيرة تصلح كمادة للحديث، قلت له : أريدك أن تساعدني.... هناك من يقف حائلا بيني وبين تقدمي في الحياة، كلما تقدمت بضع خطوات أفسد عليّ حياتي وعلاقاتي بمن حولي
توقفت قليلا ثم قلت له: أريد مساعدتك في التخلص منه، لقد أصبح كابوسا لا ينتهي
نظر نظرة في النجوم، وكأن الغيب أمامه معلوم، ثم استدار، وبيده أشار، وقال: هذا مستحيل
كانت المرة الأولى التي أجد فيها سلطان باشا في حالته الإنسانية، كنت دائما أراه كصنم يتميز على بقية الأصنام الأخرى بقدرته على الحديث، توقف قليلا ثم أشار من بعيد إلى رجل في أسفل الجبل.. ليختفي الرجل في ثوان
..
بعد دقيقة من الصمت والحركة حولي، أفصح سلطان باشا عن سر عجزه، وأخبرني أن من يعرقلني الآن هو نفسه من تسبب في نفيه إلى باريس، وهو سبب بعده عن وطنه ومدينته القاهرة، واستودعني عبارات، ذات دلالات وإشارات
وقال : لقد ميزنا الله عن بقية عباده بهذا.. وأشار إلى صدره، ثم أضاف: كيف تطلب مني أن أقتله، إن قتلته هلكت، أما إن أبقيت عليه مصانا فقد تهلك أنت ويبقى هو في نفوس آخرين
ارتدى قبعة كالتي كان يرتديها العقاد وتوفيق الحكيم، ثم قال وهو يدير وجهه عني: إن ضاق بك العيش هنا، فباريس وطننا، تعلم الفرنسية جيدا، وكن مستعدا
..
علمت أنها نهاية المقابلة.. كانت الأمطار قد خفت، والبنطلون الجينز قد تلون بلون الطين، وفي طريقي إلى الأتوستراد كان نفس الرجل ذو الجلباب المهتريء يقف أمام غرفته الملحقة بالمدافن بابتسامته المريبة، وكرر نفس عباراته الأولى : سلام عليكم، ورغم عدم اقتناعي بالرد على تحية ألقاها واقف على مار، إلا أني أجبت بأحسن منها : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

6 comments:

شــــمـس الديـن said...

هل تعتقد انك ان قتلته فسوف ترتاح و تتقدم في حياتك ؟؟؟

قد تتقدم ... و لكن من انهي وجة نظر و باي معيار ؟؟

قد تحقق ما يقول عنه الاخرين - ظاهريا انه نحاح و فلاح - و لكن في المحصلة النهائية ستجد ان الخسارة اكبر مما تظن

صدقني
اسوأ شئ ان تفقد نفسك و هي خسارة لن تستطيع تداركها

اما عن الذهاب الي فرنسا
ليسوا هم جنة الله في ارضة كما قال لك ... هم ايضا يلوثون و يغيرون التاريخ لاسباب كلنا نعرفها ... و ما ان يرو ان اسمك "عبد الرحمن " و انك مسلم فهذا كفيل تمام بان تعرف مالذي يمكن ان يواجهك

من خرج من دارة اتقل مقدارة زي ما بيقولوا

دمت بحفظ الله :)

Gid-Do - جدو said...

عبد الورد

تعلم الفرنسية جيدا ـ نصيحة تفيد ولا ضرر منها ـ اذا جاءت فرصة للسفر فلا ضرر فى ذلك بشرط ان يكون السفر بالطرق الشرعية حتى لاتصبح عرضة لاشياء انت فى غنى عنها ـ ومصر موجودة دائما لو مرتحتش فى السفر تقدر ترجع وبعدها حتبقى مرتاح لانك مريت بالتجربة وكان الاختيار هو قرارك ـ ربنا معاك

Anonymous said...

حوارات جميله انصحك ان تجمعها في مساحه و فكره واحده

walaa said...

ولازال الرحيل يطارد خيالك يا عبدالرحمن ويلوح لك في الافق كحل لاشياء وامور كثيرة باتت قاسية واكثر تعقيداً ..

اجمل ما في النصيحة لك الكلمة عن القلب الذي بهلاكه يهلك الانسان .. اذا فلتستفت قلبك دائما كما قال رسولنا الكريم على افضل الصلاة والتسليم ولا تحاول يوما ان تبعده عن التاثير على مجريات حياتك .. فكما العقل فاعلا القلب ايضا فاعلا

خالص التحية

saso said...

متروحش المقطم
:((((

Abdou Basha said...

شمس الدين
ما بين تضييق في الداخل وغربة في الخارج، نختار اهون الضررين
بس هي فين باريس
:)
**
جدو العزيز
فعلا.. هذا الكلام يذكرني بمقولة، انه على الشخص أن يستعد للفرصة التي لا يعرفها أو التي لم تأتيه بعد
**
أنونيموس
نعم.. اضغط على رابط سلطان باشا ستجده يتحدث، ولك كل الشكر على رأيك
:)
**
ولاء
الصديقة العزيزة ولاء... نحن ابناء الغربة، نبحث عنها لأنها أعطتنا بعض التميز على المدجنين في أي مكان
أدعو الله أن تكون ميزة لنا لا عيبا فينا
:)
**
ساسو
فعلا المقطم بالليل... بيبقى مكان مريب
:D