Thursday, February 28, 2008

حنا السكران

آخر ما كنت أتصوره.. أن نتقابل بعد كل هذه السنوات، كان اللقاء الأول في ميناء العقبة الأردني أثناء عودتنا من العراق برا، اختطف منا الكرة وادعى أن اللعب ممنوع، ثم استجوبنا واحدا تلو الآخر، فبرزت له مجادلا، وبفطرة طفل لم يتجاوز العاشرة أدركت من هيئته البائسة وملابسه الرثة أنه ليس ذو صفة هناك، وبعد مساجلات أعطانا الكرة، وصب لعناته على صدام حسين الذي تسبب في تشريد آلاف العائلات ممن اصطفت سياراتهم في انتظار العودة إلى الوطن
**
اخترت التسكع قليلا بعد أن أدركت حجم البغض الذي أكنه لهذه العمارة اللعينة وساكني الطابق الثالث تحديدا، وأخذت عهدا على نفسي ألا أنتمي إلا لمن ينتمون إلىَّ.. يومها انعكست حالتي المزاجية على علاقتي بوسط المدينة بأسرها، لم أجد وقتها من ينتمي إليّ بحق سوى صديق جديد توطدت علاقتي به مؤخرا، لا أعلم ماذا يعمل تحديدا، كنت أقابله في جراج في شارع شامبليون، صديقي الجديد ذو الأصول الأرمنية آل إليه ميراث كبير، وكان الجراج هو أحد ممتلكات عائلته التي تناثرت بين أميركا وفرنسا
**
بعد بث الشكايا في وجه سركيسيان المسكين وفضح ألاعيب أهل مهنتي الغريبة، اقتحم علينا المكان رجل ذو ظهر مقوس، عيناه حمراوان، كأنه غول هارب من حكاية أسطورية، تغيرت رائحة المكتب تدريجيا إلى مزيج من رائحة الكحول ورائحة ورش السيارات.. قطع سركيس حديثه معي عدة مرات ليطمئن على الشيخ الملقى على الأريكة مستفسرا عن أسباب أناته المتقطعة، وعباراته الغاضبة، ثم استأذن مني تاركا المكتب في اتجاه الشارع ليعالج مشكلة أوقعه فيها أحد العاملين لديه
**
كانت فرصة جيدة كي أمارس الحملقة في وجه شيخنا وهو مغمض العينين، ومددت رأسي أدرس ملامح وجهه وأطالع كيف شكـّل الزمان بأزميله هذا الوجه المتجعد، فوجئت بعبارة زاعقة يلقيها الرجل في وجهي: على شو بتطلع؟
ثم جاء مقبلا حاملا معه ابتسامة لم أفهمها، توقعت للحظة أن يصفعني أو يوبخني، أخذ كرسيا ثم اقترب مني.. وسأل: شو اسمك؟، ثم أعاد قائلا: اسمك إيه؟
أدركت أنه ليس في حالته الطبيعية من ضعف صوته وقلة تركيزه
**
بعد دقيقة مرت دون أن أجيبه، عرّف بنفسه قائلا: أنا حنا أبوسركيس
ـ لكن أبو سركيس مات من ثلاثين سنة أو أكثر
ـ لك ما في حدا اسمو سركيس غير صاحبك؟
ـ انت سوري، ولا لبناني؟
كنت أعلم أن سركيس له أقارب في كل مكان على وجه الأرض من أرمينيا شرقا إلى أميركا غربا، أجابني الرجل وهو يحرك سبابته في الهواء بفخر: انا أرمني.. ولبناني ومصري وأردني وفرنصاوي

شعرت أن الرجل يهذي، لكني أدركت أن لديه ما يريد أن يتحدث عنه، وتعاطفت مع رغبته لأن وجودي في هذا المكان كان لنفس الغرض
**
ـ تعرف الست فيروز؟ غنتلي.. بتعرف غنية حنا السكران، كانت عني.. كنت بوقف بساحة انطلياس وغني خدوني على يرفيان، قام الملعون الرحباني ألفها عني
ـ عمرك كام سنة يا ابوسركيس؟
ـ قد تمانية وتمانين

بدأ الرجل في الاطمئنان إلى، أو بمعنى أدق أنا من اطمأننت له، وسرد لي العديد من القصص والحكايات عن جولاته بين أميركا وفرنسا والكويت والأردن ووطنه الأصلي لبنان، وحين وجدني استهجن حكاياته عن علاقاته بالمشاهير في مصر، فتح درج مكتب سركيس واخرج صورة له مع تحية كاريوكا ورجل آخر كانت ملامحه مألوفة لدي، أخبرني أنه محمد التابعي الصحافي الشهير
**
في الشرفة .. جلست أتأمل صوري القديمة، وأتذكر أصدقاء الطفولة الذين خلفتهم في كل بقعة زرتها، وفي صورة أخذها لي والدي، وقف رجل خلف مجموعة من الأطفال يداعب الكاميرا من بعيد، كان هو.. حنا السكران

2 comments:

عزة مغازى said...

مش عارفة اقول ايه
الله عليك
البُنا جميل يا باشا

Dina El Hawary (dido's) said...

:)
thats a cute one
:)