Thursday, March 13, 2008

غرائب وسط البلد

لكل مدينة غرائبها، وأحسبهم أقلية أولئك الذين تعمدوا لفت انتباههم إلى غرائب مدنهم.. ليال كتبت تشتكي من غرائب المنامة، ورغم فداحة ما روته.. إلا أنه أسعدني (!!)، لم تسعدني الأحداث ولكن أسعدني وجود من مازال يتعامل مع مدينته بمنطق الدهشة وعدم التعود. عن نفسي تعرضت بالأمس لموقف طريف ذكرني بسلسلة من المواقف الغريبة المرتبطة بمنطقة وسط المدينة.. أو وسط البلد، مواقف شكلت ـ إلى حد ما ـ صورة عن هذه المنطقة القاهرية المميزة
**
ميشيل فوكو
بدأت علاقتي بوسط البلد كطفل صغير يزور عمه الأكبر، هناك.. كنت أنظر بشغف من شباك عملاق إلى شارع 26يوليو وميدان الأوبرا، وتشكلت أمنية حياتي في أن أسكن هذا المكان، أو أي مكان مشابه يطل على شارع مزدحم، وكانت وسط البلد المكان الأنسب لتحقيق هذه الأمنية
..
في إحدى المرات اتهمت هذه المساحة المركزية القاهرية بأنها غريبة الأطوار، فهناك قد ترى من لن تراهم في أي مكان آخر.. وسط البلد بالنسبة لي أشبه بسيرة حياة ميشيل فوكو، هكذا أراها، فمثلما أنه لا غنى لأي دارس للعلوم الاجتماعية عن هذا الفوكو، فلا يمكن لأي قاهري أن ينال هذا اللقب إلا بعد أن يمر على وسط البلد ويسجل انطباعه عنها
حين عرضت هذا الاتهام على والدي بصفته أحد المغرمين بوسط البلد في الخمسينات والستينات، انتظرت أن يقوم بدور الدفاع، لكنه أيد التهمة، وعدّد لي غرائبها، كما عدّد مزاياها، وذكر لي كيف أنه كان من اليسير في الماضي أن تصطدم ـمصادفة ـ بأحد نجوم السينما وأنت سائر هناك، كان بإمكانك أن ترى يهودا وطلاينة ويونانيين وفنانين و..الخ
لقد كانت وسط المدينة أيضا مساحة هامة لبعض أفراد العائلة حين كانت ملتقى أعمالهم..وأرزقاهم أيام زماااااان
**
طلالا ستريت
بالأمس اخترت التسكع عائدا من الدقي كبديل عن قتل أحدهم، قطعت علىّ الطريق إمراة شقراء من نسل الجرمان الأوائل، كانت بين الخمسين والستين، وبابتسامة مشرقة، وطاقة مشعة، سألتني: طلالا ستريت؟ لم أفهم.. وظننت أنها تسأل عن شارع طلال، ولم أعرف في حياتي شارعا بهذا الاسم، كررتها مرة أخرى ونحن نسير سويا، فأجبتها أنه طلعت حرب ستريت.. فابتسمت وكأن الأمر لا يعنيها، الحقيقة أن العيون أحيانا ما تكون فاضحة، وهذا ما كان من خبر هذه المرأة الخمسينية، ظلت تسير بجواري وكأننا رفيقان، وتبتسم، فابتسمت، وللحظات شعرت أنني مختطف، وأن عليّ أن أفعل شيئا.. توقفت وانتظرت حتى تسير أمامي، ثم انطلقت أنا إلى الجهة الأخرى من الشارع حيث عمر بوك ستورز... التفتُّ باحثا عنها لعلها مازالت خلفي.. فلم أجدها
**
قاضي وسط البلد
طوال الطريق .. مرورا بمقهى البورصة الشهير، تذكرت موقفا تعرضت له منذ حوالي ثمانية أعوام، كان مجرد سؤال عن موقع مكتبة.. وتطورت الإجابة إلى أن رافقني رجل وقور مهندم أخذ يحكي عن نفسه، وعن مسيرته..روى لي أنه كان قاضيا في عدد من الدول العربية أتذكر منها الآن دولة الإمارات، وحين بدأ يخرج من جيبه شيئا، كنت قد وجدت المكتبة، فاعتذرت منه وتركته، فصاح: استنى..!! ده الكارت بتاعي..، ابتسمت بغباء وأنا أهرب تاركا خلفي حطام إنسان، وإلى الآن.. نادم أنا على عدم إظهار الود لهذا الرجل
**
أطفال الشوارع
الحقيقة.. لم يخرجني من حالة التذكر والسرحان سوى مروري على مكتبة الشروق، ثم مشاهدتي للسيد اللواء الواقف في الميدان، ولم يخلو الأمر من مفارقة طريفة حين شاهدت على بعد أمتار منه مجموعة ممن يطلقون عليهم أطفال الشوارع في شارع متفرع من ميدان طلعت حرب.. كأنهم جميعا خرجوا لتوهم من برنامج تلفزيوني يزعم أنه يسلط الأضواء على الظاهرة، أو كأنهم ينتظرون صورة صحافية تدعي الحكمة والمهنية، كانوا في حالة لا بأس بها حسدتهم عليها
**
من الظلم أن توصم بقعة جغرافية بأنها احتكرت الغرابة والعجب، العديد من المناطق القاهرية تتسم بسوء الطباع، لكن وسط البلد تستمد غرابتها من أنها أشبه بمنطقة بدون .. اهالي، فأهلها هم زوارها

4 comments:

مـحـمـد مـفـيـد said...

اهلها هما زوارها
فعلا علشان كده بتحس وكأنك في سكنك
بجد وسط البلد دي تتحفه

layal said...

لم اكتشف المعني الحقيقي لكلمة وسط البلد الا عندما زرت جده
فلا يوجد لمنامتي وسط بلد
واعتقد ان الازدحام هو الصفه المشتركه بين كل المدن
واعتقد رغم ان المدينه تجمع كل الطوائف من البشر الا ان اهلها اقل تمييز وعنصريه وهذا ما يعجبني ويجذبني لها
اكثر ما اتمناه هو ان اقف مع رجال الشارع واكلم العجائز بالمقاهي والطرق واتبصر في ملامحهم
لكن الامر صعب
وسط البلد كما اعتقد هي قلب المدينه القديمه والاصل وبدون ان يلقي الزائر نظره فاحصه عليها لا يمكن ان يعرف هويه البلد الذي يزوره
سعدت لاني حفزتك لكتابة هذا البوست
تحياتي

Dina El Hawary (dido's) said...

رائعة رائعة رائعة
نجحت في اصطياد لقطات معبرة لوسط البلد .. وفعلاً أهلها هم زوارها
برافو ع التدوينة الجميلة

Anonymous said...

الدليل الشامل للمدونات العربية

سياسة - اقتصاد - دين - ثقافة و المزيد

http://www.blogsguide2.blogspot.com/