Friday, April 11, 2008

العودة من العباسية

(فراغ.. ومساحة بيضاء)
**
منذ فترة.. قيل لي أنني مقصر في حق الله، كانت ملاحظة وليست محاسبة، قالها لي في إشفاق متكلف، لكنه كان صادقا فيما قال. أما اليوم، كان الخطيب الأكاديمي الأزهري يقف على المنبر، يقول كلاما، وكلاما.... وفي نهاية الكلام مر على الجراح، وحكي لي أنا وبضعة ألاف من المصلين عن أحد الأنبياء، لم يكن في حوزة هذا النبي أي شيء، لا مال.. ولا ولد، لا أهل.. ولاسند، لم يكن معه إلا إلهه، الذي أخرجه من السجن إلى المنصب مباشرة
بعد الصلاة.. وحين قررت أن أكتفي، وأثناء تفكيري في وسيلة مواصلات سريعة إلى المنزل، تذكرت سلطان باشا، لم أكن أجرؤ على استدعائه مثلما يفعل هو معي دائما، لأكن منصفا وأقول أنه زارني بضع مرات كوميض ضوء، آخرها كانت تلك التي أخبرني فيها أنني مقصر في حق الله، وحق الناس
**
سألني.. ما رأيك فيما ذكره الإمام الصالح ؟ ألا تتفق معه في أنه على الانسان ألا يعبد مجهوداته؟ أن يتذكر
أنه السبب، وليس المسبِّب؟؟
كانت كلماته تذكرني بأعز أصدقائي الذي اختلفت معه مؤخرا.. ذكرتني بنفسي(!)، لكني لم أظهر لعبارته اهتماما، ولم أنظر ناحيته وهو يتحدث.. أمسكني من ذراعي واستوقفني في وسط ميدان العباسية، وسألني بابتسامة عريضة : ماذا حدث منذ آخر لقاء؟
قلت : كلما قابلت أحدهم أو إحداهن، سألوني.. فلا أجيب، وإن أجبت يقال لي.. وإيه المشكلة يعني؟؟ فأجد نفسي كموسيقي.. مايسترو، يحاول أن يشرح لعم عبده البواب حجم خسارته الفادحة في مكتبته الموسيقية التي احترقت، فيطمئنه البواب أن باقي الشقة سليم الحمدلله
..
كعادته.. يدور حولي في صمت، كنت أجلس ناحية موقف السيارات أطالع عربات الأمن المركزي الخضراء وهي تغادر بعد صلاة الجمعة، لم يراقبنا سوى امرأة تبيع المناديل، كنت متأكدا من أنها في دهشة من ملامح سلطان باشا وأزياؤه رفيعة المستوى، وأخيرا نطق وقال: أعجبني اليوم ما ذكره الشيخ عن فضل كلمة الحمدلله
**
أظن أن الباشا في هذه اللحظة بالذات قد شعر بحالة الضجر التي أصابتني من كثرة صمته ونظراته الفاحصة لمشروع بناء محطة مترو أنفاق العباسية، لكنني واصلت الحوار، وأجبت: يا باشا!! الحقيقة أنني.. ربما أعرف معنى هذه الكلمة، بل جربت فضل الله عليَّ حين رزقني بوفرة من حيث لا أحتسب، وحين وجدت من يدافع عني ولا أعرفه، ومن يقدرني دون أن يكون صديقي
تنهد ورفع حاجبيه، ونظر إلى كوبري السادس من أكتوبر حتى ظننت انه نسيني تماما، ثم عض على أضراسه في عصبية مصطنعة، وحلقت يديه في الهواء وهو يتحدث قائلا: اسمع يا بني.. القلق مضاد للإيمان، الإيمان يستجلب السكينة والطمأنينة، ولا يجتمع قلق وطمأنينة في قلب رجل واحد
عارضته مثلما تعودت أن أعارض من يوجه لي مثل هذا اللوم: هذا القلق ليس قلقا مبعثه نسيان الله، بل مبعثه الخوف من أن أكون مقصرا، أو أن اتخذ خطوات خاطئة، إن مبعث قلقي هو قلة حيلتي
لم يتخل سلطان باشا عن نبرة صوته التي تدعي الحكمة.. استخدمها معي اليوم أيضا، وبعد أن تأمل ملامح وجهي، وتناطحت أعيننا، قال : ألا ترى أنه من الصعب عليك أن تجعل الدنيا تدار بمشيئتك!؟ لا تحاول فعل هذا، فلن تصل إلى شيء
**
كانت تلك آخر عباراته التي دفعتني قوتها إلى عدم الالتفات ناحيته مرة أخرى، وكان عبورنا الطريق معا هو أخر ما قمنا به سويا في هذا اليوم، اختفى كعادته دون وداع، وللحظات شعرت أنها قد تكون الزيارة الأخيرة، لولا ابتسامة الموناليزا التي لم تفارق وجهه، جعلتني أشعر أن لديه سرا يخفيه، أو معلومة لا يبغي نشرها، او ملاحظة لا يريد إظهارها.. لم يترك بداخلي ذلك الأثر الذي توقعته، لكن.. من يعلم!؟ قد يحدث ذلك بعد حين

3 comments:

NilE_QueeN said...
This comment has been removed by the author.
NilE_QueeN said...

مل انسان بيمر جواه بصراعات نفسيه ان جاز التعبير بيفرضها عليه الواقع

كل واحد عنده سلطان باشا بطريقه ما

Abdou Basha said...

نايل كوين
ازيك؟
أنا أعز سلطان باشا جدا، هو جزء مني لا يفارقني.. لكن ظهوره وتجليه امامي يأتي نادرا
:)