Thursday, June 19, 2008

متمردو شارع طلعت حرب

من ميدان التحرير، وسيرا على الأقدام في شارع طلعت حرب، كنت أبحث عن مكتبة مغمورة أخبرني عنها أحد الأصدقاء.. وفجأة تدفقت مجموعات من الشباب هروبا من شارع جانبي في طلعت حرب، وتعالت الصيحات، والصفير، والعويل، ولم أفهم سر هذا الفزع في وجوه من حملوا طاولاتهم من الباعة الجائلين
**
دخلت إلى الشارع الجانبي، لأفاجأ بمظاهر العصيان واضحة.. أربع شباب، وبعض أصحاب الشيب يصيحون في رجال الشرطة والعسكر، ثلاثة من الشباب خلعوا قمصانهم وأخذوا يصيحون وهم في حالة من الانهيار، لم يكن هناك من الرتب سوى ضابط شاب كان هو الآخر في حالة من الذعر.. هذا الشارع الجانبي كان أشبه بحارة سد مليئة بالعساكر والجمهور الغاضب
**
اقتربت حتى اكتشفت أصل المشكلة.. جثة ملقاة على الأرض، لا تنزف دما، ليس بها إصابات، لكن هكذا كان الوضع، رجل عاري الصدر ملقى وحوله الناس يصيحون، تقريبا كان مشهد احتضار بني آدم.. في عقدة العقدة جاءني اتصال هاتفي من صديقة (عز)يزة.. ابتعدت وانطلقت من منفذ جانبي، باتجاه الشارع.. وبعد أن تركت المكان بخطوات اندفع خلفي عدد كبير من الشباب، واضح أنهم من العمال والباعة الجائلين والشباب المتسكع، اندفعوا هروبا من اشتباكات ومناطحات كانت قد بدأت بين العساكر وعدد من الغاضبين
**
عدت بعد إنهاء المكالمة، لأفهم حقيقة ما يحدث.. كانت عدسات الموبايل قد بدأت تسجل الموقف. وكما فهمت وسمعت، فقد حدث اشتباك بين أحد صغار رجال الأمن والشباب الهارب بطاولات البضائع من الشرطة، وهو مشهد تقليدي متكرر في وسط المدينة، حين يفر الباعة الجائلون ببضائعهم من الشرطة مؤقتا، كي يعودوا إلى أماكنهم بعد دقائق من المطاردة
**
لكن هذه المرة، حدث اشتباك، وتناطح الشباب ورجال الأمن، وكان بإمكاني أن ألاحظ حالة الذعر والمفاجأة في وجوه العساكر والضابط الشاب المحاصر في هذا الركن الغريب.. قيل أن الموقف قد بدأ بعد أن سقط احد الباعة مغمى عليه... وحين عدت إليهم مرة أخرى بعد انهاء المكالمة كان قد بدأ بعضهم في اللطم والعويل حين شعروا أن صديقهم بدأ الاحتضار
**
انهار الضابط الشاب.. ونادي منادي أنه قد جاء السيد العميد، جاء محملا بنحاس ثقيل على كتفيه، وبدأ في تقصي الحقائق، وظننت أن الأمر انتهى، كان مشهدا بشعا حين حمل العامة الرجل نصف العاري كالجثمان باتجاه سيارة الشرطة التي وفدت إلى المكان وهبط منها ضابط شاب آخر أكثر حماسة جاء ينتقم ـ كما بدا عليه ـ لسمعة الملابس الصيفية البيضاء.. دقائق وبدأ بعض العسكر في الاستقواء وإبعاد بعض الشباب القادمين لمعرفة ماذا حدث لصديقهم المسجى على الأرض
وبدأ العميد في توبيخ من استقووا من العامة وسخنوا الموقف، وكان من الواضح انه تفاجأ لهذا الموقف الفريد، حين أعلن الجائلون والعامة عن تمردهم بطيش وغضب
**
علم الرجل شبه المحتضر الملقى على الأرض كالقتيل، الذي كان أصدقاؤه يولولون عليه منذ دقائق انه سينقل في البوكس، فدبت فيه الروح، وانطلق يجري بعرض الشارع وطوله.. وكان ختام المشهد بالنسبة لي بكلمة، هاتوه.. هاتوه
**
لم أتشجع على تسجيل اللقطة منذ بدايتها.. لكن عددا من المشاهدين سجلوها، وسجلت جزء بسيطا منها، وحتى الآن مازالت تفاصيل ماجرى غامضة ومقبضه لي ولأغلب من شاهدوا هذه الواقعة المحدودة.. في اللقطة، يحاول العامة إيقاظ من ظن الناس انه قد هلك على يد الشرطة، وبدأ العسكر في الاستقواء مستأنسين بوجود السيد العميد، وينتهي المشهد باللحظة التي بعث فيها جسد الرجل الملقى على الأرض، لتعود إليه الصحة حين يعلم انه سيتم إسعافه في البوكس وأنه سيتم ترحيله إلى حيث لا يعلمون

**
لا أدري.. كان وجودي في هذه المساحة المحدودة، لمشاهدة هذا الموقف العجيب، صادما إلى حد ما.. ربما ليست المرة الأولى التي أشاهد فيها شجارات، أو حتى نزاعات أدت إلى إصابات، لكن مشهد المفاجأة على وجوه رجال الأمن بداية من العساكر الريفيين إلى الضباط، ترك بداخلي انطباعا عن لحظة اتحاشى تخيلها، لكني أؤمن بوجوب حدوثها، حين يلتقي الجمعان.. أو حين يلتقى كل جمع على ضلال ومناطحة، وطيش، وشجار، وعراك، وتمرد، و..الخ

9 comments:

عدى النهار said...

ممكن نكون بنتحاشى تخيل اللحظة فى شكلها الحاد لكن اللحظة نفسها أعتقد إننا عايشنها من فترة مش قصيرة لأن التلاقي على ضلال ومناطحة، وطيش، وشجار، وعراك، وتمرد، و..الخ حاصل فى مجالات وأماكن كثيرة

Anonymous said...

مين اللي شتم في اول الكلبيب ؟

Abdou Basha said...

عدى النهار
متفق معاك، لكن اتمنى انه كل ده بعد كده مايكونش ممارسات علنية خارج السيطرة
:(
**
أنونيموس
عادي اللي شتم واحد قليل الأدب، انا شخصيا ولافخر اتسب لي الدين ساعتها
:)

bluestone said...

افتكر ان المقال ده لازم يبقى مهدى لاصحاب القرار في الداخلية وغيرها من الاجهزة

اللحظة التي نؤمن بوجوب حدوثها
او انه لا يوجد مايمكن ان يحول دون حدوثها
ولو حصلت فعلا
هتحرق الاخضر واليابس والغل المدفون جوا الصدور هيطلع غير موجه وفي غير مكانه

وربنا يستر

مصــــري..!! said...

الاعتراض والانفجار بقي سمة من سمات الشعب المصري.

وربنا يستر لو حصل الانفجار الكبير.

وطبعاً أنا لا أرضي اسعافي في بوكس شرطة.

تحياتي
أسامة

Abdou Basha said...

بلوستون
فيه مشكلة ـ تقريبا هي انسانية وعالمية ـ عند العسكر انهم ميقدروش أو مابيحبوش أو مبيفضلوش يقترحوا اساليب مدنية في التعامل مع الموقف
لدرجة انه الحاجات المدنية، بقى اقصى طموحاتها انها تبقى اقرب للعسكرية
على سبيل المثال افكر في مدرسة حكومة دخلتها لمدة سنة من زماااان، كان مدرس الالعاب بيشيل كرباج
:)
**
مصري
معاك حق يا اسامة
يمكن فيه مشكلة كمان بقت موجودة، انه مفيش ثقة تخلي الواحد ياخد كلام الموظف او العسكري او الاستاذ..الخ انه بيقول الحق وانه الأمور ماشية كده فعلا، ده تقريبا بيخلي الواحد بيعارض حتى لو بالباطل

عزة مغازى said...

وهكذا نصل لنتيجة منطقية الا وهى ان فيه ناس وشها حلو جدا
ومن اللذيذ انه تيجى تليفونات منها وانت فشارع طلعت حرب
فهذا ولابد سيحرك الاحداث
عسى ان يكثر الله من هذا النوع من الاتصالات تحقيقا لحلمى فى رؤية الكثير والكثير من الدماء

karakib said...

الانفجار اللي بتتكلم عنه ده هيدفع لفوضي مالهاش حدود
و لخراب محدش يعرف مداه

Abdou Basha said...

عزة
:)
بالعكس متاخديش التأثير السلبي للموضوع.. دي كانت فرصة حلوة انه الواحد يشوف نموذج مصغر لاشتباك غير تقليدي بين الشرطة والعامة
**
هاني
هو تقريبا دلوقت برضو فيه شوية فوضى، بس من غير ملامح