Tuesday, June 24, 2008

كورتجيانو.. وحديث في الضياع

كانت المرة الأولى التي أتسلل فيها إلى كورتجيانو، لم يكن لدي سبب وجيه لدخوله من قبل، فأنا ذو ميول شعبية رافضة للتكلف والتأنق والتمسح في الآخرين، كما أنني ببساطة خارج الدائرة الجغرافية للدقي و المهندسين و الجيزة..، لم يكن لدي مبرر للتواجد هناك
**
انتظرته... وتذكرت حين وعدني بلقاء في كريباواي منذ أسبوع ثم اخلف موعده، ليس لدي استعداد الآن أن اكرر هذا الموقف مرة أخرى، ليس لدي استعداد أن اجلس لأتابع تكلف الزبائن، وتصنع العاملين
امتنعت عن الطلب عدة مرات، الجميع يطلب طعاما غريبا، تعجبت من هذا التناقض الذي يدفعني إلى السعي غربا دون أن استعد روحيا وغذائيا لهذه التغريبة.. انتظرت
**
يجيد عدة لغات، منها الايطالية، استعرض إجادتها في نطقه لأسماء الأطعمة التي طلبها من صاحب النوتة والقلم، بدا غريبا على المكان بشعره الأبيض ولحيته القصيرة، كان أشبه بقبطان رست سفينته في احد الموانئ المصرية وأراد أن يخطف ساعات للتسكع داخل القاهرة
**
ـ على فكرة الناس كلها ضايعة!! مش عارف، أنا كنت فاكر انه أنا بس اللي بقابل ناس ضايعة، بس كله ضايع، حتى اللي في مناصب، حتى الناجحين، حتى.... كلهم
ـ انت ضايع؟؟
ـ لأ.. أنا مش ضايع، مش عارف!!؟
ـ يعني ايه ضايع ؟؟
ـ مش عارف!! يعني.. متخبط، مش بينجز شيء، مش مفيد، عايش من غير سبب، من غير غرض، ولو ليه هدف مش بيحققه.. واحد لو اتشال من الدنيا مش هيفرق
ـ أنا ضايع؟؟
ـ أيوه.. أنت أبو الضياع
ضحكت.. ثم ابتسمت بعدها، كانت المرة الأولى التي أتجرأ فيها على سلطان باشا بمثل هذه العبارة المتطاولة، حاولت أن أتجنب نظراته، أبعدت وجهي عن جسده وحاولت اقناع نفسي بأنني أنظر من النافذة، كانت حركاتي تستجيب لاإراديا لفكرة وسواسية أوهمتني بأن الباشا قد يصفعني الآن للمرة الأولى في حياته
ـ وليه أنا ضايع بقى؟؟
ـ أنا آسف.. الظاهر إني بخرف، بس ده إحساس مسيطر عليّ... أنا أسف، أنا هسكت
**
أخرج سيجارا من جيبه ضمن مجموعة كان قد اشتراها من السوق الحرة كما أخبرني في أول جلستنا، أشعل جزءا كبيرا من مقدمة السيجار، ونفث دخانا كثيفا، دمعت عيناي انصياعا لقنبلة الدخان التي ألقاها في وجهي
ـ أي حد ممكن يبقى ضايع، وأي حد ممكن مايبقاش ضايع، انت اللي بتدعي كده على الناس
امتنع قليلا عن الكلام محاولا السيطرة على حماسته إلى أن رحل من يرص الطعام على طاولتنا، ثم أضاف:
ـ أنا بلف العالم.. عايش بره بلدي، اشتغلت كتير وحققت حاجات، ومشتغلتش كتير ومحققتش حاجات، ياما حاجات بتمنى دلوقتي اني أرجع اكون قدك عشان أعملها من أول وجديد، ممكن تشوفني ضايع، مليش أسرة حواليا، منفى عن بلدي، محققتش حاجة.. في حين غيرك شايفني مواطن باريسي ناجح، دخلت في صراعات.. في مصر وباريس، وفي دول عربية، وفي أوروبا، وتسكعت من غير شغل، وبعديها بقيت في مناصب كبيره، ألفت كتب، درّست في معاهد

كنت في هذه المرحلة.. وكأني بلا نبض، كان نبضي هو إيقاع كلماته، كان سلطان باشا لئيما حين أدرك ذلك، وتوقف عن الحديث، تركته.. اكتفيت بهذه المعلومات التي رواها لأول مرة عن نفسه
**
ـ طب والناس اللي حواليا.. واللي بشوفهم في حتت كتير، واللي بقرا واسمع عنهم، يعني .... أنا شايفهم ضايعين.. حتى اللي معاهم فلوس كتير، حتى الفقرا.. اذا ماكانوش دول ضايعين، أمال مين بقى الضايع؟؟؟
ـ متشغلش بالك.. بمين الضايع، ممكن كلنا نبقى ضايعين، وكلنا في نفس الوقت حققنا حاجات مش حاسين بيها، عزيزي.. كل إنسان، بيبقى حاسد ومحسود
كلام مطمئن ألقاه على الطاولة، تناولت أفكاره باستمتاع مع الطبق الايطالي المرصوص أمامي
ـ كلام جميل.. ولو انه مش إجابة
ـ ابحث انت عن الإجابة، واعرف انه فيه حاجات ملهاش اجابات، والبحث فيها تضييع وقت، وعبث
**
في نادي الصيد أدخلني سلطان باشا زائرا للمكان.. كانت الزيارة الثانية منذ سنوات، ألقاني في شلة تتراوح أعمار أفرادها بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين، وتتراوح مرتباتهم بين الألفين والثلاثين ألف جنيه، أو ما يساوي ذلك بالعملات الأجنبية، كنت أعرف مها وأخوها ضياء، أبناء احد أصدقاء سلطان باشا، بحثت عنه لأفهم سبب وجودي هنا، كالعادة كان قد اختفى، تاركا خلفه ضحكات صاخبة، وأحاديث مادية ترفيهية بحتة، كنت في حاجة إلى أن أتابعها مع مها.. صديقتي الجديدة، التي طلبت منها ان تضع تعريفا للضياع، وترسله لي بالايميل غدا.. أو بعد غد، او في جلسة خاصة في كورتجيانو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس هناك التزام اخلاقي أو جغرافي بالأسماء المكتوبة أعلاه *

4 comments:

wara8mu5a6a6 said...

تعريف الضياع مثل ما اهو تعريف الانجاز يتفاوت بين انسان و الثاني
ابسط مبدأ يناقض مبدأ الضياع بأعتقادي ان الانسان يحاول قد ما يقدر ان يكون سبب في تعمير امنا الارض

شكرا عبدالرحمن

مــهــا said...

عزيزى , كل إنسان حاسد و محسود
..
حقيقى كلمة البوست يا عبد الرحمن ..
:))

Anonymous said...

اولا مين سلطان باشا ده واحد حقيقي ولا من خيالك؟
ثانيا الضياع بيختلف من واحد للتاني حسب طموحك وقدراتك
ثالثا مترحوش كورجيانو عشان الأعده هناك باقت زبالة
رابعا انت مكتئب ليه يا بني
خامسا مش حقولك انا مين لحد ما تفولي مين سلطان باشا ومها
لووووووول

Anonymous said...

محاولة متميزة .. أرجو أن تطلع علي مدونتي فإن راقت لك فتضيفها لدليلك الموقر … ودمتم بود !!