Sunday, June 29, 2008

عن رحيل الأستاذ... د.رؤوف عباس

طوال سنوات الدراسة الجامعية وما بعدها، قابلت وشاهدت أساتذة أكاديميين.. من بين كل هؤلاء كان د.رؤوف عباس أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة هو وحده من شعرت تجاهه بأنه أحد أفراد عائلتي..، كنت أتفهم مواقفه وتاريخه بشدة، لأنني وجدت مثلها في سير أفراد عائلتي المتواضعة، أزعم أنني كنت الأكثر تفهما لشخصيته من بين زملائي، لم اشعر يوما في مجلسه أو في حلقة الدراسة بغربة.. رغم رصانة كلماته، وجديته الشديدة التي قد تصل إلى الخشونة في بعض المواقف
**
كنت ضمن آخر دفعة درست على يد د.رؤوف عباس في الدراسات التمهيدية بجامعة القاهرة، كان مخصص له يوم واحد فقط في الأسبوع كي يزور الجامعة التي غضبت عليه وحصرت مهامه في هذه الزيارة الأسبوعية لتدريس طلبة التمهيدي، كان يشعر بإحباط تجاه مستوى الطلبة، وهو ما أتاح لنا مساحة للحديث في مجالات أخرى أراد من خلالها تأسيس الإنسان قبل تخريج الطالب
**
كانت تفد إليه في هذا اليوم زيارات من زملائه وطلبته وغيرهم من الباحثين الراغبين في الإفادة من خبرته، أتذكر زيارات د. أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية، وطلبة الماجستير والدكتوراه، وصديقه د.عباده كحيلة الرجل الذي قدم لي منذ سنوات عديدة وجبة راقية من التاريخ الأندلسي، عدا هؤلاء كنا نحن أثقل ضيوفه في هذا اليوم
**
الآن.. أتذكر وأتعجب كيف تحمل د.رؤوف على غير العادة بعض أرائي الحادة، وتعليقاتي المتمردة المحبطة تجاه الأكاديميين.. أتذكر في إحدى المرات في داخل مكتبه بمقر الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، أنني أخبرته أن مستوى الدراسة في جامعة عين شمس أفضل من مستوى طلبة جامعة القاهرة، وذكرت له الأسباب.. كانت عبارة وقحة مني ذكرتها لأستاذ في جامعة القاهرة، وأنا أعلم أن هناك عداء تاريخيا بين الجامعتين أشبه بعلاقة الأهلي بالزمالك.. لم يغضب أو يتعصب كبعض الأكاديميين الآخرين، بل كان ذلك مجالا واسعا لحديث عن تجربته في رئاسة القسم ومحاولة تغيير نمط الدراسات التاريخية الغبي في الجامعة المصرية، لكن وقف الكثيرون ضد اقتراحاته، وانتصر مشروع التلميذ الخائب على محاولات الدكتور المتمرد لتأسيس الطالب واسع المعرفة
قلب دفة الحديث في البداية إلى الفكاهة، متعاطفا مع جامعة عين شمس التي تخرج هو منها أيضا
ـ أنت خريج عين شمس؟؟
ـ أيوه يا دكتور.. أنا شمساوي
ـ أنت دسيسة بقى
ـ أنا عميل مزدوج، جاي في مهمة تخريبية إلى جامعة القاهرة
كان باستطاعته أن يوجد جو هزار حين يريد، وأن يقلب الدفة على المتطاول في ثوان حين يجد أن أمامه شخص تافه لا يقدر التبسط.. كان يذكرني بوالدي في هذا الأمر تحديدا
**
كان أحد وساوس د.رؤوف رحمه الله يدور حول فكرة النزاهة.. كان يعلم أن لدى طلبته الكثير من المعلومات عن فساد بعض الأساتذة.. هو أخبرني أنه سمع من طلابه العديد من المآسي، فكان حبه للنزاهة أحد أسباب كشفه الكثير من معايب الوسط الأكاديمي في كتابه الشهير ـ مشيناها خطى ـ وهو الكتاب الذي أثار عليه عاصفة من انتقادات أهل الركود والخمول والفساد والمزاجية في العمل، رُفعت عليه دعاوى قضائية بسبب هذا الكتاب، وبعيدا عما سطره في مذكراته فقد كانت آراؤه الصريحة وانتقاداته المباشرة سببا في انقلاب بعض تلامذته عليه وانعزالهم عنه، وهو من أخذ بأيدي بعضهم إلى الوسط الأكاديمي وجامعة القاهرة تحديدا
**
كانت مذكراته هي مذكرات رجل أعانه الله على دخول الحياة الأكاديمية فعاش في داخلها وكأنه خارجها، من يقرأ هذه المذكرات قد يشعر أنه أمام رجل مثير للمتاعب
TroubleMaker
هذا الملمح هو ما جعلني أشعر أن د.رؤوف واحد منا.. من فئة تقاتل المجتمع وحدها، فئة خارج الفئات.. هذا ما جعلني أقول لنفسي.. أخيرا وجدت الأستاذ الوالد المرشد المعلم
لكن شاء الله ألا يتم الأمر، بعد مرضه الأخير
**
كنت أشعر في كل مرة أجلس فيها إلى الدكتور رؤوف أنه يبحث بيننا عن أمل، عن طالب نابه يؤكد له أن طلبة الدراسات العليا ليسوا مجرد عاطلين يقضون وقتهم في الجامعة، وليسوا عوانس يقضون وقتهم في البحث عن عريس.. وان هناك من جاءوا للعلم والبحث عن الأستاذ، شعرت هذا في إشاراته ومحاولاته تحفيزنا على المناقشة
في عدة جلسات مع د.رؤوف في مكتبه بالجمعية التاريخية في العام 2007، كان لديه الكثير والكثير ليحكيه لنا.. ووصلت لي رسالته، كان يهمه الإنسان قبل المناصب، كان يهمه الاجتهاد قبل الذكاء الاجتماعي
**
بعد أن أنهيت السنة التمهيدية.. عانيت من ضغوط في العمل والرزق، وزاد المرتب، وفقدت حريتي وأصبحت أسير مكتب، أي انقطعت علاقتي بكل أدوات البحث، وبدأت أشعر أنه عبث.. خذلت نفسي وخذلت الأستاذ، حين ابتعدت لعدة أشهر في حياة صعبة، وحين عدت كان قد بدأ رحلة مرض
**
أحد العاملين تحت إدارته في الجمعية التاريخية نقل حوارا للدكتور رؤوف مع احد العاملين هناك قال فيه بمرارة المرض: بتيجي الشغل في معاد متأخر، وانا بآجي في ميعادي وعندي سرطان؟!!
لم أكن أعرف طبيعة مرضه وقتها، حتى أنني في آخر لقاء معه منذ شهرين اقتحمت مكتبه بعفوية وطلبت مناقشته في مقترح قدمته إليه، فأخبرني متحاملا أن موعدنا سيتأخر إلى أن يعود من جلسات العلاج الكيماوي وقتها، وجاء الموعد.. ولم أناقشه، خجلا منه، وإشفاقا عليه من سخف الحديث، وانهى الرجل يومه مبكرا، ومر من امامي بحركة بطيئة، دون أن أجرؤ حتى أن أودعه
حاول أن يؤدي عمله حتى آخر قدرة لديه.. كانت أثار المرض سببا في ابتعادي، وتأملي لسيرته من بعيد، وحين حاولت زيارته، علمت أن وضعه الصحي متأخر، كان لدي الكثير لأخبره عنه
**
طوال الفترة التي انتهزت فيها كل فرصة لأتحدث معه، تعمدت ألا أقرأ كتابه أو مذكراته مشيناها خطى.. كان لدي أفكار غريبة، كنت أحاول ألا أنافقه من أي طريق
وللعلم.. الرجل كان قد أهدى كتابه "إلى الشباب.. عساهم يجدون فيه ما يفيد. وإلى الذين يسممون الآبار أمامهم.. لعلهم يتعظون"
في مقر الجمعية التاريخية، وفي مكتبه الذي كان خاويا لأن صاحبه يعاني المرض في المستشفى.. انفجرت أمام الدكتورة نيللي حنا وأخبرتها بأمور كنت أود أن أحكيها للدكتور رؤوف عباس ولم أستطع
**
ـ كنت أريد أن أخبره.. أنني ولدت في شارع الرافعي.. الذي كانت عزبة هرميس ـ التي أفرد لها فصلا في مذكراته ـ امتدادا طبيعيا له، حتى أن شارع مولدي أصبح اسمه الآن شارع عزبة الهرامة، وتلاشى اسم شارع الرافعي
ـ كنت أريد أن أخبره أنه كان يصف جزءا من حكايات العائلة
ـ كنت أريد أن أخبره أنه حكى عن شبرا ما كنت أستجدي سماعه من جدتي وكبار العائلة
ـ كنت أريد أن أخبره عن شخصيات أعرفها أفرد لها مساحات في مذكراته

لكن.... لم أخبره
**
توفى الأستاذ.. بنفس المرض الذي فقدت به أمي، وعمتي، وزوجة خالي، و.... كثيرين، كلهم حين توفاهم الله شعرت بأن الموت كان رحمة لهم، من غربة الحياة أولا، ومتاعب المرض ثانيا
سيظل الأستاذ الدكتور رؤوف عباس أحد أهم الشخصيات التي قابلتها في حياتي، في سيرته أمل، وفي مواقفه دعوة للاقتداء، أعظم ما تركه الأستاذ.. شهادة حق على مجتمع ينهار، وعلم ينتفع به، وذكرى جميلة لدى تلامذته، وقدوة لمن اختار الطريق الصعب

6 comments:

بنت القمر said...

انت خريج تاريخ؟؟
دارس تاريخ؟!

عزة مغازى said...

اول مرة اقرى حاجة اكون موجوعة وتوجعنى اكتر
الله يرحمه

عدى النهار said...

الله يرحمه

قرأت "فصلاً من مذكراته" اللي وضعت له لينك.. ياه على المعاناة اللي شافها البعض علشان مجرد إنهم يكملوا تعليمهم وياه على التفوق اللي حققوه وياه على البلد اللي بتهدر طاقات ناس كتير تقدر تصلح حالها

wara8mu5a6a6 said...

الله يرحمه

Yasser_best said...

سعدت بهذه التدوينة تحديداً، فالدكتور رؤوف عباس قامةوقيمة..رحمه الله
ما ترويه عن هذا الرجل يضيء بعض الجوانب الإنسانية التي خفيت عن كثيرين
أشكرك على هذا الوفاء الجميل

Abdou Basha said...

أنا بأشكركم جدا جدا على الاهتمام
د.رؤوف الحقيقة أكبر من كلمات رثاء في مدونة مغمورة
لكن حبيت أؤكد على انه اجمل ما في سيرته هو أنه ترك لمن بعده ما ينفع