Monday, July 21, 2008

آخر الضباط الجراكسة

ـ خالك عنده ميت سنة!!؟
ـ معدي المية، هو يبقى خال والدي الله يرحمه
ـ لازم مرة أبقى أقابله..هه؟
ـ لأ.. مش ممكن
ـ هو لسه بوعيه.. و لا مريض؟
صمت قليلا، ثم انطلق في الحكي وكأنه لم يسمع سؤالي
ـ الأميرالاي قاسم عثمان، أبوه يبقى عثمان شوكت كان ضابط مميز في الجيش وكانت تربطه صداقة بعزيز المصري من ايام الطفولة وعشان كده فضلت العلاقة دي مستمرة بين قاسم وعزيز المصري بعد أما مات أبوه مع نهاية الحرب العالمية الأولى، أما جده فكان شوكت باشا أغا، من اللي شاركوا عرابي في مواجهة الاحتلال الانجليزي، وكان من المخالفين لعرابي طول عمره، لكن وقت الخطر.. راح له ومجموعة من الظباط وحلفوا قدامه على المصحف انه مفيش عسكري انجليزي هيدخل مصر طول ما احنا عايشين، ومات بعدها بسنتين من القهر
ـ العيلة كلها عسكر!؟
ـ قاسم بيه عثمان ربنا يديله الصحة، ده حكاية تانية، مثلا كان مرشح انه ينضم للظباط الأحرار وفعلا السادات جرب يستدرجه عشان يعرفه بالتنظيم لأنهم كانوا عارفين انه محبط من احوال الجيش، لكنه صارح عبدالناصر في مرة وقال له انا سامع عن التنظيم، بس مقدرش أشارك معاكم، واكتر من كده رشح لهم اسم كذا حد منهم محمد نجيب انهم يستعينوا بيهم كقيادة كبيرة
قاسم بيه كان عارف من بدري عن تجمع الظباط وانهم بيدبروا حاجة، لكنه كان ساكت، واكتر من كده وقف معاهم من غير ما حد فيهم يعرف، وللأسف مفيش دليل على الكلام ده غير كلامه هو
ـ إزاي؟
ـ قاسم بيه كان متعاطف معاهم وعنده فكرة عن نشاطهم من زمان، حتى قبل تكوين التنظيم كان بيتوقع انه الجيش هيظهر منه حركة زي دي لأنه كان عارف طبيعة الظباط اللي حواليه، وياما ضلل قادة عشان يترك مساحة عمل للتنظيم، ده غير انه تغاضى عن كتير من انشطة بعضهم من اللي كانوا تحت قيادته رغم انه كان عارف انتماءاتهم واتصالاتهم بره الجيش، مرضيش يأذيهم عشان كان مؤمن بيهم
مرة حكى لي قاسم بيه، انه قبل الثورة بفترة بسيطة كلم جمال عبدالناصر، وقال له خلاص يا جمال المسألة قربت، يا تعملوا حاجة، يا تفضوها سيرة، حتى جمال عبدالناصر زعل وقتها.. قاسم بيه محبش يشارك معاهم إنما كان ممكن يشارك اذا حب، لأن علاقته بعبدالناصر كانت كويسه
ـ وشارك معاهم في الثورة؟
ـ يوم ما قامت الثورة، كان قاسم بيه في مبنى القيادة واضطر انه يحضر الاجتماع مع رئيس الأركان وقادة من الجيش، وطبعا ضباط الثورة اعتبروه من أتباع القيادة وانه كان موافق على الاجتماع ده لاجهاض الثورة.. فما صدقوا، واتقبض عليه وبعدين أفرجوا عنه بعد وساطة محمد نجيب اللي كان متأكد انه قاسم بيه حظه هو اللي خلاه هناك في الاجتماع ليلة الثورة، لكن ده ميمنعش انه تم طرده من الجيش بعدها مباشرة
ـ وطول الخمسين سنة دي بيعمل إيه؟
ـ كان بيتنقل بين فيلته في مصر الجديدة وقصر عثمان شوكت في الزمالك، وبعدين اتاخد منه قصر الزمالك اللي بقى حاليا سفارة دولة أفريقية
ـ مفيش أي نشاط، أي كتاب، أي ظهور؟
ـ قاسم بيه اعتزل الدنيا من بعد الثورة، إلا من لقاءات محدودة، و في الفترة اللي اتاخد منه قصر الزمالك اتمنع من السفر، وكل الناس بعدوا عنه، ابنه كمال حاليا عايش في كاليفورنيا بيتعالج من سرطان الرئة وأحفاده كلهم هناك، وبنته جـُلـُس موجودة معايا هنا في باريس ومعدية السبعين
ـ أنا لازم أقابله.. خلاص؟
ـ مش ممكن، ناس كتير حاولوا معاه من زمان، ظباط جيش، باحثين، صحافيين، كان بيرفض دايما، يمكن مرة او اتنين قابل باحثين اجانب وكانوا بيعملوا في مرة بحث عن العائلات الشركسية في مصر، ومرة تانية بحث عن سكان مصر الجديدة.... حاجة زي كده
ممكن تلاقي اسمه في الوثائق اذا دورت كويس، قاسم بيه كان ليه دور في عمليات كانت بتحصل بره مصر، وابوه ساعد المجاهدين في ليبيا، وهو نفسه كان اقترح في الاربعينات على مجموعة من الضباط إنشاء تنظيم سري يساعد مصر انه يبقى ليها دور في العمليات اللي بتم ضد الاحتلال جوا وبره مصر، لكن الفكرة منجحتش وكانت هتوديه في داهية، لكن أفكاره اتحققت أيام عبدالناصر على مستوى الدولة
كمان تم التحقيق معاه مرتين عشان كانوا شاكين انه ليه أنشطة بره الجيش، وبسبب علاقاته مع سياسيين ودبلوماسيين وصحافيين
قاسم بيه كان ملهم لكتير من الظباط، لكن غموضه، وحبه لكرامته، وبعده عن الأضواء خلاه بعيد عن الأحداث
**
بعد سماع هذه القصة من سلطان باشا، استمر الحديث بيننا حوالي نصف ساعة عن أنشطته الحالية في باريس، أغلقت السماعة، وأخذت أفكر، في أي أرشيف قد اجد قاسم بيه، وهل يستحق البحث عنه؟ أم الأفضل أن تظل حياته سرا يستمتع به وحده هو وأفراد عائلته؟
من صنع قدر قاسم بيه؟ هل زهده في مشاركة الآخرين أنشطة لم يصنعها؟ أم رغبة الآخرين في إبعاد ملهمهم عن الصورة؟