Thursday, August 14, 2008

البحث عن الهوية المصرية

تعليق متأخر على محاضرة الأنبا توماس التي أخذت أكبر من حجمها
--
يعتبر البعض أن كل ما هو سابق على الإسلام يمثل الهوية الأصيلة للمصريين، ولعل هذا مرجعه هو الجدل الدائر حول ان ما تبقى لدينا من الحقبة الاسلامية أكثر مما فقدناه من حقبة ما قبل الاسلام، ولنعترف أن هذا التوجه قد أوجد أيضا رغبة لدى البعض في العودة إلى الهوية المصرية القديمة (الفرعونية) كنوع من البحث عن الهوية المصرية الحقيقية
إن الاتجاه نحو نحت هوية مصرية عن طريق التعالي على مكونات أخرى من هويتنا الحالية اتجاه لن يفيد البلد أو قضية الهوية بأي حال
**
لا أحد من مسيحيي مصر اليوم يحمل شجرة نسب تثبت انتسابه إلى أحد أباء الكنيسة أو كهنتها الأوائل، ولا أحد باستطاعته إنكار دور أجداد أي من المسلمين الحاليين في الحقبة المسيحية، كما أن مصر لم تكن أبدا تلك الجزيرة النائية التي لم يقتحمها أو يستعمرها سوى العرب
يكفي أن نتذكر بعض ملامح الماضي التي قد توضح لنا الصورة
ـ منذ قرابة ثلاثة ألاف عام في الأسرة 19من تاريخ الأسرات الملكية في مصر القديمة، كان الأجانب غير المصريين ـ من أغلبية ساميةـ يشكلون شريحة من سكان مصر، وصلت في أعلى التقديرات إلى نسبة 10% من السكان
هؤلاء اندمجوا في مصر، بل وجاءت من بعدهم أسرات حاكمة ذات جذور صحراوية وليبية من الغرب كانت قد اندمجت في مصر في فترات سابقة
هل باستطاعة أحد من المصريين الآن أن يراهن على أنه ليس أحد أحفاد هؤلاء الأجانب ـ حسب هذا المنطق ـ ؟ ثم هل بإمكان أحد منا الآن أن ينكر أن هؤلاء قد اصبحوا جزءا من تاريخنا البعيد الذي نتمسح به الآن؟
ـ ـ سترابون المؤرخ الإغريقي الذي ولد قبل ميلاد المسيح بعشرات السنين، يصف مدينة قفط في صعيد مصر بأنها مدينة نصف عربية... هذا قبل الإسلام و نزوح القبائل العربية إلى مصر
ـ ـ ـ هل ما زلنا نتذكر أن بعض مدننا العريقة كانت في الأصل مدنا يونانية ؟
ثم هل بإمكان أحد أن ينكر التأثير الهلليني (الإغريقي) الكاسح على تاريخنا المصري القديم؟؟ هل نحاكم أجدادنا على انصياعهم لهذه التأثيرات أيضا؟؟
إن التفكير في أن هناك مصريون انقياء، وآخرون يحملون شوائب الفاتحين أو شوائب الشعوب المجاورة فكرة مؤذية، قد تحول التعصب الديني إلى تعصب عرقي مختلق
تعليقي هنا لا يتعلق فقط بموضوع المحاضرة، لكنه يتعلق بتوجه يعتبر أن مصر الحقيقية موجودة في حقبة ما قبل الإسلام والعروبة، وأعتقد أنها فكرة ساذجة علينا ان نتخلى عنها، كما أنني أعتقد أن المشكلة الحقيقية هي اننا نعيش أزمة حقيقية بدأت مع التحديث في مصر، الأزمة هي : ما / من هو المصري ؟
حتى بدأت تختلط صورة المصري بين من يعتبر الفرعوني هو الصورة المثلى النقية للمصري، أو من يعتبر القبطي هو المصري المحافظ على مصريته وأبطاله هم الشهداء والقديسين، و من يعتبر ان المصري هو المسلم العربي وتصبح صورة بطله متمثلة في صلاح الدين أو حتى ابوزيد الهلالي
أعتقد أن المشكلة التي ظهرت في حديث الأنبا توماس هي مشكلتنا جميعا، و هي كيف نرى المصري في كل هذه الحقب دون أن نتعالي على أي وجه من هذه الوجوه المختلفة؟ أعتقد أن أزمتنا هي تأخر ظهور هذا الجيل المتصالح مع الماضي، الذي يصنع هويته من خلال تراكمات الماضي، وليس بانتخاب ما يريده من هذا الماضي
**
التاريخ الطويل قد يكون مساحة لاختبار فرضياتك واكتشاف المزيد من الأراء المفيدة لواقعك، لكنه أيضا قد يتحول إلى متاهة لن تستطيع ان ترى مخططها وانت في داخلها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ في العادة لا أحب أن أكتب مثل هذه الموضوعات في المدونة، لكن لدى رغبة الآن في مخالفة عاداتي وتقاليدي
ـ بعض ما تيسر من الروابط : 1 ـ 2 ـ 3 ـ 4 ـ 5 ـ 6

3 comments:

hesham said...

عزيزى عبد الرحمن

لا اعرف لماذا لا تحب كتابة مثل هذه الموضوعات بالمدونة
:)

انا ارى هذا الموضوع ممتاز جدا و جدير بالنقاش

و موضوع محاولة تحليل الهوية المصرية هو موضوع مهم جدا و لكن كما وضحت انت هناك من يحاول فصل الهوية المصرية الى عناصرها الاولية بل و يحاول فصل هذه العناصر الى تنويعات و فهذا مسلم عربى و هذا قبطى مصرى و هذا يونانى و هذا فرعونى و هذا..و هذا...و كل هذا لن يؤدى بن الى التقدم فى شىء طالما ننظر الى عناصر هويتنا الاولية على انها عناصر متصارعة يحاول احدها اضفاء صبغته على الاخر و فرض لونه التاريخى و الجغرافى عليها

و انا اتفق معك تماما فى ان الهوية المصرية هى تراكم لكل هذه العناصر و الهويات و الاجناس اختلط فيها التاريخ بالجغرافيا باحداث المكان و تاثيره فخرجت لنا الهوية المصرية بكل ما تحمله من تنوع

اما من يدعو الى البحث عن اصل الهوية المصرية و يريد ان يصل الى نتيجة واحدة محددة مثل اسلامى او قبطى او عربى او يونانى فاجد من الصعب ان افهمه او اتخيل انه يفعل ذلك بدافع حرصه على الهوية المصرية بل هو يفعل ذللك لحرصه الاكبر على الهوية التى يريد ان يصل اليها بهذا البحث

فتجد من يقدم هوية الدين سواء مسلم او مسيحى على هوية الانتماء لبلده مصر

و تجد من يريد ان يهرب من كل الهويات الى هوية فرعونية

و كل هذا اعتقد هو بحث بلا طائل فيجب ان نركز على الحفاظ على هويتنا بجميع عناصرها المتراكمة كما هى بدلا من تحويلها الى عناصر متنافرة يحاول كل منها فرض سيطرته على الاخر و فى نفس الوقت لا ننكر دور اى تاثير لعنصر من هذه العناصر على تشكيل هذه الهوية و يختلف هذا التاثير اكيد فى قوته و ظهوره من اقليم الى اقليم و من مدينة الى مدينة داخل مصر ذاتها

و فى النهاية اذكرك بمسلسل ارابيسك عندما حاول دكتور عائد من
الغربة (كرم مطاوع)ان يقوم بتعديل ديكور فيلته لكى يحاول ان يجعا من كل جزء منها معبرا عن حقبة من حقب تاريخ مصر فاحدها قاعة اسلامية و اخرى فرعونية و اخرى قبطية و هكذا و استعان قى ذلك بامهر الفنانين فى فن الارابيسك (صلاح السعدنى) فماذا كانت النتيجة فى نهاية المسلسل؟

النهاية ان محاولات فصل ديكور الفيلا الى قاعات منفصلة ادت الى انهيار الفيلا

و نجد الشخص المسؤل عن ذلك (صلاح السعدنى) يعترف فى نهاية المسلسل ان انهيار الفيلا نابع من حيرته و هو يعمل فى الاجابة عن السؤال (احنا المصريين..مين فى كل دول؟) و لهذا فقد تسببت حيرته و سعيه للفصل فى الانهيار فى حين انه كان من الاضل ان يجيب على السؤال باجابته المنطقية

احنا مش حد واحد من كل دول..احنا كل دول مع بعض

اسف جدا اللاطالة و لكن الموضوع فعلا يستحق

هش

Abdou Basha said...

هشام
انا بشكرك على تعليقك الهام

layal said...

ارجو ان لا تصل بكم الحاله الي ما وصلنا عليه من تقسيمات
فمن تقسيمات طائفيه
وهي الابغض
الي تقسيمات تحدد موقعك وارتحالك امن الجزيره العربيه او من فارس وايران او تعتبر نفسك ابن البلد الاصلي اواو وبها يتحدد انتمائك وحتي عملك ومصيرك بهذا البلد
من الافضل البعد عن هذه المطبات والخنادق التي لا نهايه لها الا جحيم للعباد