Monday, August 18, 2008

كرادلة المساجد وأسرار بيوت الله

في فترة سابقة.. كنت مضطرا إلى التعرف على تاريخ أوروبا الوسيط، وصراع الكنيسة والدولة بتفاصيله المربكة، وفي مثل هذه المواقف يدفعك إحساسك بالدهشة ورغبتك في تهدئة العلاقات مع المعلومة إلى استخدام ما تقرؤه من مصطلحات في إعادة تعريف ما حولك.على سبيل المثال ما زلت حتى الآن أطلق لقب الجرمان على من أراه يحمل ملامح أوروبية أصيلة و سمت الجرمان الأوائل.. في تلك الفترة السحيقة لفت انتباهي مصطلح مجلس الكرادلةـ بما له من سطوة و هيبة
و بكل صفاقة لقبت شريحة من مرتادي المساجد بأنهم كرادلة المساجد، و أن مجلسهم هو مجلس الكرادلة
أوليجاركية الكراسي
منذ سنوات ظهر في المساجد المصرية ظاهرة لطيفة، وهي تجهيزها بعدد كاف من الكراسي للمسنين، وقتها ـ وكأي متنبئ بصار ـ توقعت أن يتحول الأمر مع الوقت إلى مظهر من مظاهر الوجاهة الاجتماعية التي تميز بين من يصلي على الأرض، والشيخ الوقور المستند إلى كرسيه، وبالفعل بدأت ألاحظ أن أهل ركن الكراسي بجلابيبهم البيضاء هم أيضا أعضاء في مجلس الكرادلة الموقر، وأصبحت الكراسي جزءا لا يتجزأ من تأثيث هذه المساجد الوجيهة
ثورة الكرادلة
في مرة من المرات.. أثناء صلاة الجمعة في المسجد رقم (1)ـ، أطال الخطيب، فما كان من مجلس الكرادلة المستقر على كراسيه فوق رؤوس العامة إلا و أن أعلن اعتراضه على طول الخطبة، وأبدى مظاهر التأفف والغضب، علما بأن التكلم أثناء خطبة الجمعة من الأمور المنهي عنها دينيا، فما بالك بالمناطحة والتذمر!؟ لم أكن لأستبعد حدوث أي شيء غريب وأنا أتابع هذا الموقف، ونجح أصحاب الكراسي في تكوين جماعة ضغط قوية في ذلك اليوم
حصة دين
في المسجد رقم (2)ـ.. يتفاخر مجلس الكرادلة بأنهم يبدلون كل أسبوع داعية، وفي مرة من المرات أثناء درس يلقيه أحد الأزهريين الشباب ذوي الميول المتفتحة، خرج أحد الكرادلة محتدا محتجا، ورفض سماع هذا الطفل الذي يدير حوارا مع مستمعيه ويناقشهم، كانت جريمة الشيخ الشاب أن سمح بالتحاور على عكس بقية الشيوخ الدكتاتوريين
في المرة التالية لهذه الحادثة بدأ الواعظ الشاب في سياسة تقليدية، وكانت البداية مع موضوع مدرسي يليق أكثر بطلبة المرحلة الإعدادية
حمام رخام
في نفس هذا المسجد رقم (2)ـ اشتكى أحدهم من أنه لا يستطيع التبول في الكابينيه البلدي الملحق بالمسجد، فتم نسف هذا الحمام والتعاقد مع مقاول يعرف ربنا، وانفق حماة المسجد ما يقارب الأربعين ألف جنيه لتجديد الحمام بالرخام!!!،وإضافة مبولتين، واكتشف احدهم بعدها أن المبولة كانت أعلى من مستوى الـــ...، فتم تعديلها فيما بعد.. حتى الآن لم أتشرف بزيارة هذا الحمام، علما بأن الإنفاق يتم في أجواء يملؤها الشفافية، فالجميع ـ بما فيهم الكرادلة ـ يعلمون أنهم ينفقون من أجل.. الحمام، وتطوير المبولة، أما الأجمل فهو اضافة الدش، لأجل السادة المعتكفين في رمضان الذين لايستفيدون منه سوى أيام قلائل في السنة، بينما يستخدمه العمال والكناسين طوال السنة لتوفير مياه منازلهم، خاصة مع وجود سخان في المسجد
تكييفات آخر الصيف
في المسجد رقم (1)ـ تم تركيب تكييفات، وأثناء جلوسي في الخارج على الحصر في الشمس القاسية تابعت خطبة الجمعة وانا في قمة الملل، تأملت مشهد التكييفات الحديثة، كان بإمكاني أيضا رؤية الخطيب، وأقفاء بعض الكرادلة.. كان الخطيب قد سمع معنا أذان الإقامة من المسجد رقم (3)ـ، وهنا أدرك أنه تأخر، وان بعض الكرادلة قد يعلنون التذمر.. فبدأ في استجداء الحضور من أجل عشر دقائق، أو جملة، أو حديث، أو..وأخيرا وجه الشكر للسادة المتبرعين لإدخال هذه التكييفات إلى المسجد، وكان أحد الجالسين على الكراسي قد وقف على حيله مستأسدا، فما كان من الخطيب إلا وان بدأ في الدعاء تمهيدا للصلاة فرارا من الاحراج
فليتنافس المتنافسون
في نفس هذه الجمعة كان إمام المسجد رقم (3)ـ قد أعلن في الميكروفون بعد الصلاة عن نبإ هام.. فقد جاءه بعض مرتادي المسجد شاكين محزونين مما وقع من أمر مسجد رقم (1)ـ الذي سبقهم رغم ضآلة حجمه في تركيب التكييفات، وبدأ المتنافسون في التنافس
أخذ أحد الكرادلة الميكروفون، وأعلن أننا سنشتري تكييفات أكبر حجما، بما قيمته سبعون ألف جنيه مصري، وانه سيشارك من ماله الخاص بعشرين ألف جنيه، ليبدأ المزاد
**
خليط من تصرفات عديدة.. ذكرتني بأفعال وجهاء الأرياف حين يبهرون أتباعهم وأقنانهم ببذخهم وكرمهم وعطفهم، ذكرتني أيضا بتصرفات العسكريين حين يحاولون التجديد في المظهر دون المحتوى، فتجد العسكر يطلون الحوائط من أجل زيارة القائد، دون الاهتمام بحالة العسكري
ذكرني كل هذا أيضا بمجلس الكرادلة في العصور الوسطى

3 comments:

ادم المصري said...

بوست رائع جدا جدا
.
.
لا اجد تعليقا يليق بما كتب
.
.
لك تحياتي

أحمد جمال said...

رائع فعلاً .. أسلوبك جميل , ومحتواه أجمل .

قلم جاف said...

ما تقوله صحيح إلى حد كبير .. أما عن التكييف فسبق أن كتبت ما قاله أحد الخطباء في موقف مشابه في تدوينة بعنوان "مسجد مكيف الهواء"..

والظريف أن بعض الخطباء بيجيب معاه مجلسه أيضاً.. أثناء نقاش لي قبل سنوات مع أحدهم كان البودي جاردات في الانتظار تلاتة خمسة واحد أربع أصفار وكأن الخلاف مع الخطيب المحترم تحول إلى جريمة..

كانت المساجد لله يوماً من الأيام..لا للأوقاف ولا للطرق ولا للسلفيين ولا لمجلس الكرادلة ..