Sunday, October 19, 2008

ليلى وكيف نصنع واقعها

أتذكر الآن الظهور الأول لشعار كلنا ليلى وكيف أعلنت عنه منظمات الحملة في العام 2006، ما جذبني وقتها إلى الموضوع هو عشقي لفكرة إلقاء كرسي في الكلوب، و قلب الطرابيزات، ورغم أنني كنت أعلم منذ البداية أن هذا ليس هدف الحملة أو منهجها، إلا أن وضوح الهدف منذ البداية حول الحديث عن المسكوت عنه، وفكرة إطلاق صرخة غضب أو ضجر من كل ما يحدث حول الفتاة والشابة والسيدة في مصر والوطن العربي.. كل هذا كان جاذبا وشيقا في حد ذاته
**
استفزاز يدفع إلى تحرش وتنمر
لقد كانت ليلى من الذكاء بحيث لم تخسر قضيتها في معاداة أحد، بل أتذكر دعوات إيمان بلو المتكررة للشباب من أجل المشاركة، أعتقد أن هدفها هي و زميلاتها آنذاك كان ـ ومازال ـ الابتعاد عن شبهة تحويل الحدث إلى يوم نسوي تقليدي، يقف فيه الشباب خارج الحجرات للتلصص أو إلقاء الحجارة
وتذكرني هذه الجملة الأخيرة برد فعل المتحرشين في شوارعنا... حين يشعر الشباب بأنهم خارج الحسابات وانهم مستبعدون وليس لديهم إلا المراقبة أو المتابعة الغاضبة، فيتجهون إلى الاحتكاك البغيض،
كرد فعل لما يظنوه استفزاز انثوي.. من بهرجة الملابس، إلى تعمد استخدامهن لغة اقصائية اتجاه الرجل،..الخ
لكن كانت ليلى منذ البداية من الطيبة بحيث حاولت إشراك الشباب وإيجاد علاقة سليمة توضح ان جميع الأطراف مشتركون في نفس الهم، بدلا من تحويل الشباب إلى متفرجين محبطين
**
كرسي في الكلوب
حين استخدمت تعبير كرسي في الكلوب في الفقرة الأولى، لم أكن أعني إلقاء كرسي باتجاه الرجال أو الذكور، لكنه كرسي ألقى على الصامتين جميعا، وهو ما يدفعني إلى التفكير في فكرة خطرت في بالي وقتها منذ عامين، هل إذا قامت مبادرة تستهدف مشاكل الذكور ستلقى التأييد والاهتمام؟
عموما.. أعتقد أننا جميعا لا بد وأن نخرج من الشكل التقليدي لتناول آلام الإنسان على أساس النوع، فبدلا من تسليط الأضواء على ألام الضحية يجب التركيز على أسبابها الموضوعية، و الخروج من فخ تصنيف الواقع إلى ضحية وجاني، فلا توجد ضحية كاملة ولا جاني كامل، فكل يحمل في تكوينه جزءا من الآخر.. هذه المعادلة أظن أن حملتنا اليوم تحاول تطبيقها بصورة ما
**
ليلى حين تصنع مشاكلها
من المؤكد ان الذكور سوف يكتبون بمنظور مختلف عن الإناث... ما أردت التعرض له هنا هو كيف تشارك ليلى في صنع مشاكلها، وكيف تفقد تعاطف أو تأييد من حولها
منذ أيام كنت في محطة مترو أنور السادات، وحدث أن تعطلت كافة ماكينات الخروج تقريبا، وبدأ الرجال في القفز فوق الماكينات إلى الخارج، لكن كان رد فعل إحدى النساء من صاحبات السحنة الموظفاتية، هو الضرب بيد قوية على الماكينة والصراخ بحالة هستيرية، لتنتقل الهستيريا إلى سيدة أخرى.. ثم أعلنت الأخيرة عن سبب هذه الهستيريا، حين قالت : اعملوا حاجة في المكنة دي، طب الرجالة بيعرفوا ينطوا من فوقيها احنا نعمل إيه؟؟؟
تلقائيا بدت هذه المرأة وصاحبتها المتنمرة في أعين الجميع بمظهر الغليظة المتوحشة، لأنها ابتزت واستفزت الواقفين واتهمتهم بالتواطؤ لصالح الذكور، وهو ربما ما لم يكن في مخطط أي منهم، لكنها أعطتهم اقتراح ومبرر للوقوف ضدها، وبالفعل تلكأ العاملون أمام الماكينات في الاستجابة لها
كان يكفي من المرأة أن تشير إلى تعقد الوضع مع طلب الحل.. دون هذا السيناريو السابق
**
غياب فكرة احتواء الآخر لدى الرجل والمرأة
حين أفكر في أغلب شكايا المرأة والفتاة التي يتناولها البعض.. أجدها تتمحور حول ما تتعرض له من : تحرش.. تطاول.. استهزاء.. إقصاء.. وأنا أعلم أن رغبة القائمين على هذا اليوم هو الحديث عن القهر والتضييق، لا تلخيص المشاكل في موضوعات كالختان او التحرش فقط، فهذه مظاهر لأسباب
لكن ما هو أهم أنك قد تجد أحيانا بعض ردود الأفعال التي تقلل من هذه الآلام، وتعتبرها مشكلة عامة.. وحين أفكر في السبب وراء هذا التصرف، أجده يتلخص في وقوع من عرضوا قضيتهم في فخ العرض الاستفزازي للقضية، او التعامل الاستفزازي بشكل عام مع الآخرين.. بل ومع الذات أحيانا
ففكرة أن تخرج الأنثى لتحاول تأكيد.. أنها أنثى بما يتبع ذلك من تصرفات، هي فكرة قد تدفع الطرف الآخر ـ المحبط ـ إلى التحرش.. التطاول.. لإحساسه بالاستبعاد، وانه خارج المعادلة، وانه حوصر في موقع المراقب
أعتقد أن المشكلة الحقيقية ليست لدى ليلى حين تصنع مشاكلها فقط، ولا عند الرجل الأخرق الذي سرعان ما يتجه إلى الانتقام، بل لدى كلاهما معا
حين يبتعد الرجل عن التعرض لأصل المشاكل وينتقم لمحاولات تحييده، و حين تبتعد المرأة عن التركيز على المشكلة وتتجه إلى التركيز على ارتباط المشكلة بالنوع وكأنها احتكرت الألم
فنرى رجلا ينتقم حين يشعر بتحييده أو استبعاده، وامرأة تبتعد عن أصل المشكلة وتركز على أثرها عليها كأنثى
--
ما أزكيه في يوم كلنا ليلى، هو أن الفكرة قامت على احتواء مشاكل الأخر، فالمطلوب هو أن تكون القضية هي الطرف الآخر، لا أن يتحول الطرف الآخر إلى قضية
ليلى تصنع مشاكلها حين تصر على أن تضع الرجل كأصل للمشكلة أو حين تتعامل معه كمتآمر، والرجل يتحول بالفعل إلى مشكلة حين ينساق وراء هذه الصورة، ويبدأ في الدفاع عن وجوده والانتقام من محاولات تحييده وإقصائه
--
لا بد أن أضع هنا فقرة في الختام أشبه باستدراك.. هناك نماذج نسوية تخفق في التعامل مع المشاكل التي ترتبط أكثر بالنوع، حين تبدأ في ابتزاز الآخرين للتكسب من هذه المشاكل، أو حين تحاول إبراز ذاتها عن طريق هذه المشاكل النوعية، أي أنها تحول مشاكلها إلى سبب وجود، وبالتالي فهي ليست في حاجة إلى الرجل أصلا، وربما ليست في حاجة إلى حل هذه المشاكل، بينما تستمر معاناة أغلبية بنات جنسها من هذه المشاكل
وأنا هنا أربط النوع بالمرأة، لانعدام الاهتمام بمشاكل النوع لدى الرجل تقريبا
**
لا اريد أن أقع الآن في هذه الفقرة الأخيرة في فخ الدروس المستفادة، لكن أريد أن أشير إلى أن الأزمة الرئيسية في مشاكل المرأة والفتاة، هي اننا في هذا المجتمع لم نتحاور حول المشكلة جيدا بقدر ما نعطيها أسبابا تآمرية قد تقصى بعض الأطراف، والجميل في ليلى انها حاولت ان تبتعد عن هذا الطريق المسدود

5 comments:

زرقاء اليمامة said...

الصورة الاخيرة حلوة كثير ............... المرأة لا يمكن لها أن ترتق سوى بمساعدة الرجل و العكس صحيح

amirakotb said...

يعني انت لخصت المشكلة في الكام سطر دول

ليلى تصنع مشاكلها حين تصر على أن تضع الرجل كأصل للمشكلة أو حين تتعامل معه كمتآمر، والرجل يتحول بالفعل إلى مشكلة حين ينساق وراء هذه الصورة، ويبدأ في الدفاع عن وجوده والانتقام من محاولات تحييده وإقصائه

طب سؤال... مش ممكن الراجل فعلاً يكون متآمر حتى لو مش واخد باله... بمعنى إن فيه حاجات في العقل الجمعي بتاعة الرجالة أو في ثقافة المجتمع بتظلم الست بس الراجل لأنه اتربى على كدة من سنين ماباقاش حاسس بإنه متآمر... لكن الست في لحظة صفاء كدة أو في لحظة حوار ومصارحة مع صاحبتها -من رواد الحركة النسوية أو غير- بتنتبه لكدة وبتطالب بتغيره

انت بقى مش عاجبك الأسلوب اللي الست بتطالب بيه بالتغيير لأنه على طول إذ فجأة كده من غير اي مقدمات بيحط الراجل في قفص الاتهام رغم إنه في الحقيقة مش في زهنه خالص إنه ظالمها أو على الأقل مقصر في حقها

بس لازم تقدر برضه إن أي حد بيقع عليه ظلم أول حاجة بيفكر فيها هي إنه يسأل نفسه هو أنا ليه اتظلمت...وبيبتدي يدور على نقطة الاختلاف اللي بينه وبين اللي ظلمه واللي اكيد الظالم استغلها عشان يظلمه... ناس غلابة كتير مثلاً كل ما مديرها في الشغل يعنفها على خطأ فني بتسيب أصل المشكلة وتفضل تقول لنفسها لأ هو هزأني عشان انا فقير وهو غني (والله ده عن تجربة) زي ما ممكن مواطن عادي مسيحي في مصر يفسر الظلم اللي واقع عليه على إنه اضطهاد بسبب دينه رغم إن الظلم في مصر على الكل وزي ما كتير من المسلمين في الغرب ساعات كتير يفسروا حاجات على إنها انتقاص منهم بسبب ديانتهم مع إن الموضوع متعلق بأمر تاني خالص

المهم خلاصة القول الست لما بتحس بالظلم بتلتفت لكونها إمرأة أو ضعيفة على إنه السبب -حتى لو كان اللي ظلمها مش ظالمها عشان هي واحدة ست- عشان كدة بتتنمر على الضعف ده وتخبيه وتطلع مخالبها بسرعة عشان حست بالخطر... يعني ده أسلوب دفاعي مش أكتر

زي ما الراجل بيدافع عن نفسه كدة بإنه يتلكع ومايعملهاش اللي هي عايزاه أو يبالغ في إذلالها عقاباً ليها على أسلوبها الوحش ... طب ما برضه الأسلوب اللي بيستخدمه الراجل في الدفاع عن نفسه مش مظبوط... اشمعني بقى يا عبده باشا الراجل ليه الحق يدافع عن نفسة بأسلوب مش مظبوط والست لأ ؟

Abdou Basha said...

زرقاء اليمامة
شكرا على مشاركتك
**
أميرة
تعليق جميل
يمكن الصورة بدت انه التركيز على ردفعل المرأة السيء، من غير الحديث عن رد فعل الرجل، يمكن الصورة بدت كده عشان الكلام النهاردة عن المرأة
ويمكن عشان أغلب الحديث عن المشاكل من منظور النوع بيبقى مركز على جانب المرأة
اقصد انه تقريبا مفيش حد مهتم كتير بمشاكل الرجل بالقدر الكافي، أو حتى بإيجاد التوازن بين المرأة والرجل

لأنه عند الرجال فيه مشاكل برضو اساسها النوع وربطه الولد او الشاب او الرجل بأفكار معينة وتوقعات معينة من جانب المجتمع ذكور واناث
يمكن اذا كان فيه يوم نتكلم فيه عن مشاكل الرجل ـ على اساس النوع ـ كنا هنتكلم عن رد فعله السيء أو حتى المنلفت واحتجاجه غير المنظم على توقعات الناس وتقييده بأفكار المجتمع.. ستات ورجالة

لكن لإن الكلام كان عن المرأة فكان الكلام عن فكرة رد فعل بعض النساء واخفاقهم في تعاملهم مع المشاكل اللي بتواجههم بسبب النوع
وده أكيد برضو ممكن يكون موضوع يتكتب عنه عن الرجل
لكن أصلا مفيش اهتمام بمشاكل الرجل المرتبطة بالنوع

Abdou Basha said...

أنا مبسوط جدا بتعليقك، واتمنى اكون عرفت اوضح وجهة نظري
وأتمنى اللي بيعدي على الموضوع كمان يطلع على الرابط ده
احتمال يكون متصل بكلامنا
http://en.wikipedia.org/wiki/Masculism

amirakotb said...

"""لكن أصلا مفيش اهتمام بمشاكل الرجل المرتبطة بالنوع"""

ياحرام... صعب عليا :-))

باهرج والله ماتخدهاش بجد