Thursday, November 27, 2008

اخرجوا من مصر إن شاء الله آمنين

كانت رحلة.. كالحلم، بعض الأحلام ليس في الإمكان تذكرها، أما الأصعب فهو أن تبدأ بتذكر ما كان قبل الحلم/الرحلة
سأحاول
عبارة ساخرة.. اخرجوا من مصر إن شاء الله آمنين، شعرت في لحظة ما بحالة من الفقدان التام للأمان، حالة من الوحشة والتوحش في كل مكان أرتاده، العمارات، السيارات، الزحام، الماضي، المستقبل، حية تعتصرني دون ألم، كائنات مشوهة أقابلها في كل مكان، تصبني لعناتهم، أتحول إلى تمثال صخرى قابل للكسر، غير قابل للحركة
**
أخفقت في الخروج من مصر في المرة الأولى، فاتجهت إلى كربة مصر الجديدة، من أمام مقهى السوايسة، اختطفتني سيارة ملاكي، قال : الأجرة عشرة جنيه كالعادة(!)، أو كما قال، وطوال طريق طوله مئة وثلاثون كيلومتر تقريبا، لم ينطق أحد في السيارة الهيونداي، كانت المرة الثانية في حياتي التي أخذل فيها سائقي الأجرة لحساب أصحاب الملاكي المأجورين، في الطريق مشاري راشد العفاسي يقرأ سورة يوسف.. تدبرت عددا من الآيات، حالة من الاطمئنان يواجه بها يوسف من حوله، و مفارقة يصنعها الدهر بأن يدع إخوة يوسف يسجنوه في البئر حتى حين، ثم تحبسه بعد ذلك إمراة القصر في سجن أكبر من البئر قليلا، أعجبني احتفاظه بحلمه.. ورؤياه القديمة عن سجود الشمس والقمر والكواكب له، ظل سنوات يتبدل بين المشقات، حتى جاء تحقيق الحلم مع أهون الأسباب، تفسير رؤيا الملك، الذي لم يكن ليصل إليه إلا بعد تفسير رؤيا رفيق سجنه، ساقي الملك فيما بعد، تعجبت من أن تتحقق رؤياه القديمة بتفسير رؤى الآخرين !
ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين
**
في بورتوفيق أطل على قناة السويس، لم أهتم بأسم المسطح المائي الذي اراه أمامي، خليج.. بحر.. قناة.. تلك أسماء سميتموها، كان الأهم هو ان أجلس بصحبة صديق أحاول استعادته الآن، هو ايضا جزء هام من حلم.. أو رؤيا قديمة، في تلك الأثناء وأنا أستقبل البحر موليا ظهري لمساكن هيئة قناة السويس، لم أكن أتصور أنني سأكون بعدها امام بحر آخر في الشمال، في أمان خارج مصر
**
النوبي.. أو محمد النوبي، كان من استقبلني في...لا، لم تكن النوبة، كانت الاسكندرية، لم يكن سوى رفيق سكن، يحصل قيمة تواجدي المبارك في هذا المكان المطل على البحر الأبيض المتوسط، كان يعيش في أمان غريب، في حجرته التي لا يغادرها إلا للضرورة، أعتقد أنه لم يكن يتصور أنني أحسده على موقعه هذا جوار البحر، أو على تفرغه.. تفرغه لأي شيء، كنت في خارج مصر، أشعر أنني خارج دائرة التطفل، وكان هو كذلك، على أي حال شغلت عنه بأشياء كثيرة، لم أعد إلى المقر سوى للنوم، كانت الليلة الأولى في هذا المكان تاريخ هام بالنسبة لي، سأسجله، فأنا لم أنم في حياتي من قبل بهذا القدر، وبهذا العمق، كاني على سرير فوق البحر!
**
أعلم عن الوجودية القليل، ومبرر قلة علمي هو الهروب والخوف من هذا النوع من التفكير، خاصة انه سيطر علي كثيرا مؤخرا، أنا وبعض من أقابلهم، لكن في قلعة العلم المطلة على البحر، جاءتني الوجودية بصحبة نجيب محفوظ خريج قسم الفلسفة، وأراني ما أفعله الآن، وما لم أفعله بعد
أمام البحر نظرت خلف الأفق، نعم بكل إدعاء وكذب أقول أنني نظرت خلف الأفق، أبحث عن مصيري، عن الأرض التي تنتظرني. حين كنت في مدينتني المتوحشة، لم أر هذا الأفق أبدا، لم أرى سوى الجحيم
كلما اقترب موعد العودة إلى.. قاهرة النفوس، أجد من الأخبار ما يوحش قلبي، أستقبل مكالمة هاتفية عن تنمر ومشاكل وخلافات واقتتال و..الخ، أمام جهاز الكمبيوتر أقرأ البريد الالكتروني، وإلى جواري شابتان مبهرجتان يتحدثان عن لقاء أحدهم في مصر، حيث سيتي ستارز وأشياء أخرى ستحدث، وفي طريق عودتي تتعمد مضيفة السوبرجيت الملعون التعرض لي بجسدها، والتمادي بتمرير يدها الغليطة على جسدي وانا جالس.. كان حظي اني في مكان لا يره سوى الله، كانت تراود زبونها عن نفسه، لن تحبسه إن استعصم أو أظهر تبرما أو انشغل في اجراء مكالمات العودة، غاية ما ستفعله أن تنحني عليه كالدبة التي قتلت صاحبها من أجل بعض البقشيش
**
عدت إلى الدنس.. ودعت مشاري راشد العفاسي، في الطريق تساءلت لماذا كان النوبي يودعني وكأنه سيفتقدني، ربما لأني أعطيته مالا زيادة؟! ربما لأنه رآني أصلي في حجرتي؟ لا أدري.. ما أعرفه أنني جربت إحساسا خاصا في هذه الرحلة
كن في الدنيا كأنك غريب، أو كعابر سبيل
أي أن تشارك في كل شيء، دون أن تكون جزءا منه، أن يكون حماسك لما ينفع، لا تنتظر مقابل صنيعك، تفاءل بحلمك القديم، وكن جزءا من احلام آخرين، حتى ولو بتفسيرها
حين عدت، كانت تتأرجح أمامي نفس العبارة.. اخرجوا من مصر ان شاء الله آمنين، حتى الآن أحاول أن أكون داخلها وكأني خارجها.. صوفي مرتحل.. غريب أو عابر سبيل
ـــــــــ
مصر أحيانا = القاهرة

4 comments:

Mohamed Hamdy said...

بوست جميل وحساس جدا .. بجد كل كلمه منه لمستنى من اعماق قلبى

بجد احييك على الخواطر المسترسله بتاعتك

amirakotb said...

جميل البوست ده :-)

مـحـمـد مـفـيـد said...

جميل اوي بوستك يا عبده

layal said...

بوست يرسم الابتسامه
:-)
ودائما نعود
كثيرا ما اقول ان هذه المدينه تحييني وتقتلني
هي من ستقتلني يوما وهي من تشعرني بالحياة
عشق غريب
الهروب منه مستحيل
ورغم الزحام وزخم الحياة (( أحاول أن أكون داخلها وكأني خارجها.. صوفي مرتحل.. غريب أو عابر سبيل))
اتمنى ان تكون استمتعت والاهم نلت قصد من الراحه