من الطبيعي أنك تقرأ أحيانا على هوامش الكتب ملاحظات من قرؤوها، خاصة ما يدونه الطلبة المجتهدون في الكتب الجامعية أثناء فترة الامتحانات، وبعيدا عن هدفهم الرئيس من تدوين هذه الملاحظات، فهناك هدف آخر قد يسعى إليه هؤلاء، ألا وهو التأثير في القارئ القادم
**
في المخطوطات القديمة، قد يجد الفاحص أيضا ملاحظات دونها من اطلعوا عليها قبله، ولا يسلم الأمر من توجيهات يوجهونها للقراء، كالتي يتركها المترجم أو المحقق الآن على الكتب الحديثة
الأهم من هذا ان هذه الملاحظات المدونة تشكل إلى حد كبير رؤيتنا لزمن تدوين هذه الملاحظات، لا زمن تدوين الكتاب، فعلى سبيل المثال يقال أن الخليفة الحكم المستنصر بالله آخر الأمويين المحترمين في الأندلس كان تحت يده مكتبة ضخمة تضم الاف الكتب، وذكرت مصادر أنه سجل فيها العديد ملاحظاته.. هذه القصة ألهمت أحد المعجبين بالرئيس جمال عبدالناصر وساعدته حين أراد تقديم عبدالناصر كحاكم مستنير، فذكر انه كان يسجل ملاحظاته على كل كتاب يصله، ويناقش فيه من حوله، القصة رويت بصورة مؤثرة، لكنها عكست في النهاية رؤيتنا لعصر سابق، بربطها بصورة عصر أسبق
**
عن نفسي.. أعتقد أن من يدون مثل هذه الملاحظات هو بصورة أو بأخرى يمارس شيء من السلطة على محتوى الكتاب، وعلى من سيقرأه من بعده، فبعيدا عن محتوى الكتب، وتاثير الكلمات وكيف انها تشكل معرفة القاريء في موضوع ما، فمثل هذه الملاحظات هي مساهمة أخرى في هذا التشكيل
**
منذ اشهر كنت اقرأ الجزء الخامس من كتاب شهادات ورؤى: من تاريخ الحركة الشيوعية فى مصر ، والكتاب كنت قد استعرته من مكتبة عامة، ووجدت بداخله ملاحظات واشارات سجلها أحد/ أو عدد من القراء
في إحدى الشهادات، وتحت عنوان : الموقف من سياسات الاتحاد السوفيتي، ذكر أحد رواد الحركة الشيوعية كيف كان موقف تنظيمه من الاتحاد السوفيتي، وجاءت هذه الجملة نصا
كان ربنا الأعلى هو القيادات السوفيتية
وفي شهادة أخرى حول قضية فلسطين وحرب 1948، جاءت هذه الجمل ...قرار التقسيم كان قرار عملي
وعندما قبلت الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني قرار التقسيم كان قبولها على اساس ان هذا هو الطريق ..... تنشا دولتان وبعد وجود نوع من التفاهم تصبحان دولة واحدة
**
في الاقتباس الأول، رأي القاريء أن يشطب عبارة كان ربنا الأعلى هو القيادات السوفيتية، التي لم تكن الا مجازا عن تقديس الشيوعيين في مصر لقيادات الاتحاد السوفيتي
وفي الاقتباس الثاني، رفض القاريء فكرة ان يكون هناك تقسيم إلى دولتين ـ فلسطين + اسرائيل ـ أو ان يكون الاثنان ضمن دولة واحدة
ـ في الأولى كان موقفه ايمانيا، فرفض تشبيه البشر ـ الكفار ـ بالله، رغم ان الله نفسه ذكر في كتابه على لسان فرعون أنا ربكم الأعلى، ولم يأت من يشطب هذه الجملة
في الثانية كان موقفه ـ حسب ظني ـ وطنيا مخلصا مقاوما للتطبيع، وفي علامة الاكس التي وضعها على يمين النص دلالة على أن هذا الكلام مرفوض، فالوجود الاسرائيلي مرفوض، سواء بعد قرار التقسيم أو في دولة واحدة تضمهما معا
**
ربما أزعم هنا ان هذا القاريء لن يستطيع أن يعبث معي، ولن يستطيع ان يشكل رؤيتي لما أقرأ، هكذا أزعم... رغم انه قد ترك أثره بداخلي :)ـ
ما أعتقد فيه أيضا ان المهمة الأعظم عند قراءة الكتاب هو تحليل ما هو مكتوب، لا انتقاء ما يتواءم منه مع رؤيتي
ما فعله هذا القاريء.. هو نفسه ما يفعله أستاذك، وما يفعله إعلامك، وما يفعله أهلك
وربما هو ما أفعله أنا أيضا هنا