Friday, February 13, 2009

في فقه الأقلية

بالأمس زرت موقع جريدة البديل.. أحب زيارة صفحة مجتمع، فهذه النوعية من الصفحات بإمكانها أن تكون زينة الصحف وسببا في التآلف مع بقية المحتوى، في موضوع للزميلة رالا عبدالوهاب شاهدت صورة أعرفها جيدا، لأني من التقطها.. كنت أتحدث وقتها عن الأتوبيس المزدحم، وعن صراع البقاء، وادعيت الحكمة في زهو غريب وقلت
البعض ينجح في أن يصطنع له مكانا، حتى إن كان ذلك على حساب الآخرين
أتذكر جيدا الآن أين التقطت هذه الصورة، وكيف كنت وقتها، لم أتوقع أنها ستكون بعد أعوام ضيفة على موضوع في البديل
المفارقة أن مضمون هذه الصورة كان أحد محاور نقاش في جلسة راائعة حضرتها أمس في كافيتريا المجلس الأعلى للثقافة، تحدث فيها أحد أساتذة الكتابة عن الكثرة الرديئة التي تحاصر القلة المهذبة الطموحة، ربط تعبير الكثرة الرديئة بتعبيرات قرآنية كخلفية ذكية توضح المعنى
بل أكثرهم لا يؤمنون.. ولكن أكثر الناس لا يشكرون.. ولكن كثيرا منهم فاسقون...وغيرها من الآيات
**
أتذكر ألآن تعليقا قديما حول فكرة الكثرة والقلة، وهو يتماس أيضا مع التراث الديني
فكرة انه يد الله مع الجماعة، وان الغلابة - اللي هما الاغلبية - دايما على حق دي انا مختلف مع حضرتك فيها ، عشان مش شرط ابدا، إنه الأغلبية تبقى على حق، والا مكانش في نفس الموروث الديني بنجد فيه قرى بأكملها تم اهلاكها لما كلهم اجتمعوا على باطل
كعادة أغلب البشر أميل إلى رأيي، وهو الرأي الذي طرح أيضا في جلسة أمس، أن هناك حصار من الكثرة للقلة، لا أتحدث بنخبوية، أنا أتحدث عن صورة هذا الأتوبيس العشوائي غير المنظم، حيث لا مكان إلا لمتجاوز للأدب والذوق، وأحيانا القانون
الأسبوع الماضي، اكتشفت أنني أقف في الممنوع، لافتة في شارع العزيز بالله، صغيرة.. قصيرة.. تكاد ترى العين المجردة، وقفت جوارها، وهذه صورة قدماي الشريفتين وأنا في الممنوع، شعرت وقتها أن وجودي في الممنوع هو الأصل، الذي يجب أن أكون عليه دوما، ثم أبعدت الفكرة عن رأسي، واتجهت إلى صورة أخرى أمام جراج الترعة البولاقية للأتوبيسات، حيث بعض أهلي في شبرا، رأيت توقيع أمين شباب الدائرة الانتخابية وهو يعبر عن حبه ووفائه لنائب الشعب يوسف بطرس غالي، قالها بشعبوية حميمة : بنحبك يا غالي
حين صورتها ظننت أن هذا هو الممنوع، لكن الحقيقة أن المسائل أوسع من هذا، ففكرة الممنوع والمفروض والواجب والمحظور، كلها أمور تقديرية
في داخل هذا الأتوبيس لن تسمع هذه الكلمات، ومع أغلبية صاخبة تحاصر أقلية مهذبة تصبح الأمور كلها تقديرية
ما الحل!؟ أن تعيش وكأنك غريب أو عابر سبيل، كالخضر حين يطوف ليسجل مواقفه البطولية في كل مكان!؟ ربما، لا أعرف.. المهم هو أن تعلم أنك ضمن الأقلية، وللأقلية كيان مميز، أساسه التوتر، وسقفه القلق، وبوابته عدم الاستقرار

3 comments:

زمان الوصل said...

مهم كذلك إنّك ماتتخضّش أمّا تلاقى نفسك ذات يوم و قد اعتنقت أفكار و قناعات لا تخص سوى عدد محدود من البشر و ألاّ يهز يقينك أن من يشاركونك الرؤيه عددهم أقل .. لا يعنى هذا أن تعطى عقلك أجازه و ألاّ تتوقّف بالفحص و الدرس لأفكارك من وقت لآخر لكن لا يدفعنّك لتغييرها قلّة عدد القانعين بها ولا يهزّ إيمانك بها أن يقول قائل أنّك وحدك من يرى ما تراه .. ربّما وجب عليك وقتها أن تتساءل لماذا تستنكر الأغلبيه و هى أغلبيه أن تكون هناك قلّه مشاكسه ترغب فى مساحه مستقلّه و لون مخالف !!

blackcairorose said...

أعتقد كون الأغلبية يمكن أن تكون على حق ـ وأقول يمكن ـ يصلح فى الدول التي تتمتع شعوبها بقدر عال من الثقافة والوعي،

ولكن فى الدول ذات المستويات المنخفضة من الثقافة والوعي والادراك والموضوعية والعقلانية والتي تتعمق فيها العصبية والعاطفية وعدم الدقة فمن المؤكد أن رأي الأغلبية عادتا لا يعكس سوى هذيان جماعي ، وفي مصرنا العزيزة الصورة واضحة جدا

هذا ما انا على اقتناع به ولكني فى نفس الوقت أشعر أنني بهذا الرأي اؤيد بدون وعي قول آخر طالما كرهته وهي أن الديمقراطية لا تصلح فى مجتمعات كمجتمعاتنا

وبين هذين الرأيين اقف حائرة

قلم جاف said...

أكثرية وأقلية من يعتنقون فكر ما أو وجهة نظر ما تختلف من زمن لآخر ، ولا علاقة لها بتقدم المجتمع أو تخلفه.. لا يشترط أن تكون الأكثرية على حق ، أو على باطل.. والشيء نفسه ينطبق على الأقلية..

خلق الله لنا ميزاناً نعقل به تلك الأمور..وغيرها..