Sunday, August 30, 2009

الناس اللي في اعلانات طارق نور

جلسنا على الرصيف المقابل لمسجد السيدة زينب، قبل الإفطار بدقائق، نجح في المجيء بتمر وأرغفة، كانت هناك أطباق أرز و..أشياء أخرى لكنه لم يفكر في مجرد الاقتراب منها للحصول على نصيبه، جلس جانبي ومد يمناه بالخبز ويسراه بالتمر. نظرت إليه بازدراء تام، وأخذت تمرة واحدة
**
على نفس الرصيف روى قصته منذ أن كان طفلا صغيرا يلعب الكرة في الشارع مع تيتو في حواري قلعة الكبش "الحمدلله.. أنا مامشتش في طريق الحرام، شوف هو حصله إيه في النهاية اتخرتق من الرصاص"، حاولت ان أوضح أن تيتو هو فيلم لأحمد السقا، نظر نظرة سافرة ساخرة، وشعرت للحظة أنه أصدر صوتا غريبا من أنفه، استدرك قائلا "تيتو ده واحد حقيقي كان موجود عندنا فعلا في المنطقة واتعمل عليه فيلم.. انت اول مرة تسمع الكصة دي؟؟؟"
لم أجادل.. شربت علبة الميرندا كركديه على شربتين كمن يتجرع الدواء، انطلقت أمامنا على الضفة الأخرى حيث بقايا المتسولين سيارة بي ام دبيليو سوداء، دخلتها قبل ثوان امرأة ضخمة في عباءة سوداء، وحول يديها وصدرها كم لا بأس به من الذهب
"فلوس الحشيش، بيزكوا عنها هنا". رفضت الجملة وأخبرته أنها قد تكون بنت ناس محترمين، أو خليجية شيعية أو عراقية أرادت زيارة صاحبة المقام، "أنا عارفها كويس دي ابوها من اكبر تجار الحشيش في مصر، واخوها اتقتل هنا من سنتين في السيدة في خناقة كبيرة اتكتب عنها في الجرانين". تهكمت سريعا : "ااه دي أخت تيتو"، تعمدت إطلاق ضحكة مفتعلة
**
أنهي آخر قطعة من رغيف الخبز مع شربة لبن ثم قال : "انا أعرف أميز ولاد الناس كويس"، أضاف : "ولاد الناس دول ولاد المماليك وقرايبهم.. ولاد الأمرا والعسكر، كانوا فرقة كاملة في جيش السلطان، مر كتير منهم قدامي هنا في طريقهم للقلعة، كتير منهم كبر قدامي وبقوا امرا وسلاطين برضو، كانوا بيمشوا في الموكب وسط الطبلخانة والأعلام والعامة تحييهم لحد ما يطلعوا القلعة وفوق بيبقوا مع العسكر و السلطان بيأمرهم، هناك هتشوف ولاد الناس.. "
أثناء حديثه.. رأيت عمامة كبيرة على رأسه، وعباءة مزركشة، وعصا أسندها إلى مرفقه الأيمن أثناء حديثه
**
قال : "انا أعرف أميز ولاد الناس كويس.. عارف بيبقوا عاملين زي مين؟؟ زي الناس اللي بتطلع في اعلانات طارق نور !!"ـ
أضفت سؤالا بريئا أشعل خياله "إزاي يعني مش فاهم"، قام من فوق الرصيف، خطف علبة الميرندا من يدي، وألقاها على المتسولين على الرصيف المقابل أمام المسجد، بدأنا نشعر بحركة الشارع بعد أن ابتلت العروق، ضحك هو على فزع المتسولين
**
"أنا عارفهم كويس.. بيروحوا مطاعم محدش بيسمع عنها، كإنها مخابيء مش مكان أكل، حتى شغلهم تلاقيه في حواري كده، أنا مرة روحت اشتغل في شركة لفيت نص ساعة جوا الزمالك لحد ما لقيت العنوان في شارع هااااادي محدش دريان بيه، الزمالك نفسها عشان تخرج منها بمواصلات هيطلع ميتين اهلك"ـ
ابتسمت.. تصنعت الاهتمام، جلس وأكمل ما بدأ "الست مديرة المكتب كانت مصرية وقالولي جوزها هولندي، مش عارف ازاي، الناس دول متبقاش عارف، تحس كده انهم اسرائيليين بس عرفت بعدين انها بنت ظابط من ايام الملك، وجوزها ظابط كان رئيسه حسني مبارك، وأخوها في المخابرات، وكده يعني.. شوفت هناك ناس زي بتوع الاعلانات بتاعت طارق نور".
يأخذ شهيقا.. يذهل قليلا.. يصمت حتى يرحل أتوبيس الهيئة المزعج من أمامنا.. "ومرة كنت بعمل شغل في حتة بعيد، رحت لقيت نفس المكان اللي بيطلع فيه الناس بتوع طارق نور، ارض خضرا، وعيال نضيفة، وحمامات سباحة"
**
"ولاد الناس تحس انهم شكلهم اجانب، حتى لو شكلهم مصري، متعرفش اللبس ولا طريقة الكلام والمكان بيغيرهم، انا مرة اتعزمت على مكان تبع الشغل، كانت حاجة جامدة، بنات شعرها أصفر، والعيال واخدين على بعض، في الأول ممكن تفتكرهم ش****، بس الحكاية مش كده، هما عاملين زي الأجانب"
**
"أنا روحت المكان اللي بيطلع في اعلانات طارق نور"
قلت : "أويه انت قولتلي الموضوع ده من شوية" ـ
**
ـ"حتى المحجبات يا عمي، تحس انهم اجانب، عاملين زي اللي بيطلعوا في برامج عمرو خالد كده، ناس قلبها طيب.. البيوت كمان مليانة تحف، وفيه منهم بيقعد على الأرض، انا رحت عند ناس بيقعدوا على الأرض.. لأ ودايما في كل شلة تلاقي واحد شعره منكوش، ده بيبقى أساسي، ولازم واحدة بتلبس جيبة قصيرة، يا إما الشلة تبوظ، حتى السمر تلاقيهم زي المذيعة اللي طلعت في رمضان دي.. اللي جابها طارق نور"ـ
**
"الناس دي مبتحملش هم حاجة.. كل حاجة محلولة، حتى لو كان عندهم اكتئاب"
**
زفير طويل، قمت من من مجلسه الرصيفي، عدت إلى المنزل، بدأت في تحويل القنوات بحثا عن الإعلانات.. اعلانات طارق نور فقط ، حتى وصلت إلى قناته
**
طارق نور: مؤسس أول شركة دعاية خاصة في مصر، بدأ مجال الإعلانات منذ 1979، وهو شريك في /وصاحب/ عدد من شركات الدعاية والاتصالات والإنتاج التلفزيوني... وأحد أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي

6 comments:

أبو كريم said...

حلو السرد بتاعك ده
بس الى كان بيتكلم ده ايه بالظبط
حد مستنى مائده رحمن ولا ايه

وضح لنا

norahaty said...

السلام عليكم ورحمة
الله تعالى وبركاته
استمتعت بالتدوينة
وبطريقة الحكى والوصف
ولكنى اريد القول ان الناس
اللى فى اعلانات طارق نور هم
الطبقة المتوسطة الجديدة كما اسمتهم
باحثة امريكية اتت الى مصر واستمرت بها للدراسة وللبحث 4سنوات .نشر ملخص عنه دكتور مرسى سعد الدين
بجريدة الاهرام ونقلت انا الموضوع الى المدونة عندى.

راجى said...

طارق نور انسان شاطر وذكى ، انا عرفته فى اول السبعينات لما كان بيعزف موسيقى غربية هو وفرقته فى هندسة عين شمس
ويبدو ان انضمامه للحزب الوطنى بيؤكد نظرية ان النجاح فى عالم المال بيحتاج لدعم سياسى من غيره يتعرض للديابه والكلاب المسعورة

osama said...

وكمان صاحب قناة القاهرة والناس...
أجرأ قناة في رمضان على حد تعبيره...

الناس البسيطة حين تتحدث ينشطر الكلام في شفتيها الى شطرين شطرين .. شطر تسمع في صداه اعجاب وانبهار.. وآخر حسد بريء ان صح التعبير.. او لنقل غبطة وتمني...

وهذا عين ما تحدث به بطل التدوينة..
هذا الرجل لخص الحالة التي عليها مصر الآن... طبقتين لا ثالث لهما ... حيث تآكلت الطبقة الوسطى وكادت ان تنعدم... وبات المجتمع بين مترفين... وفقراء... وحين تنعدم الطبقة الوسطى في مجتمع .. تسقط القيم .. والثوابت والتقاليد الراسخة في هذا المجتمع...

تدوينتكم حملت الكثير ...
دمتم بكل ود..
خالص تحياتي...

mahasen saber said...

دايما كتاباتك من غرابتها بتبهرنى وده من جمالها برضه
لان اسلوبك فى الكتابه عجيب وشيق


..اما طارق نور فافتكر انى مره شفت دعوة فرح بنته اعتقد وكانت عباره عن شرط مسجل عليه الدعوه بصوت اسامه منير
فعرفت ساعتها ان ابو العروسه فعلا فعلا صاحب اكبر فكر دعايه واعلان فى بر مصر بحاله

wara8mu5a6a6 said...

مع آخر الحارة دايما احصل معلومات يديدة, اللحين بس عرفت معنى الشعار اللي دايم اجوفه بالتلفزيون