Tuesday, May 26, 2009

عشرون عاما من اللعب مع الكبار

... عام 1990... في سينما قصر النيل
كنت أجلس مع أسرتي الصغيرة مبهورا بإمكانية مشاهدة النجم عادل إمام على شاشة كبيرة بطول وعرض جدار السينما، وقتها كانت مصر بالنسبة لي مجرد رحلة استكشاف، كالتي قام بها جيمس كوك في مجاهل استراليا، حتى الآن يذكرني مزيج رائحتي العادم و الطعمية برائحة........ مصر، (!!)ـ هكذا كان الانطباع الأول عن هذا البلد
وكطفل لم يتجاوز العاشرة، كان يكفيني ان أبتسم واضحك مع قفشات وحركات عادل إمام، حتى إن لم افهم من هم الكبار، ولا معنى أمن الدولة
**
قبل يومين.. شاهدت الفيلم كاملا بعد عشرين عاما، أعتقد أنني الآن أدرى بمصر عن ذي قبل، أصبحت أعرف جيدا معنى امن الدولة، ومعنى أن يجتمع وحيد حامد ـ مؤلف ومنتج الفيلم ـ بعادل إمام، عموما.. اكتشفت أن في الفيلم رسالة، ليست تلك الرسالة الساذجة التي يذكرها البعض عن محاولة تجميل نموذج ضابط أمن الدولة ـ حسين فهمي ـ وتقديمه على أنه إنسان لطيف مراعي لحقوق الانسان، أو عن تبرير وجود الضابط الشرس ـ مصطفى متولى
لا .. أقصد رسالة أخرى
**
في الفيلم يؤدي عادل إمام دور شاب عاطل، لديه صديق يعمل في سنترال ويسترق السمع على مكالمات يعلم من خلالها عن بعض الحوادث قبل وقوعها، ولأن البطل ـ عادل إمام ـ يريد حماية صديقه فقرر أن يخبر الأمن عن هذه الحوادث، وبالفعل يرفع سماعة هاتف المقهى ويخبر الضابط المكلف ـ حسين فهمي ـ أنه يرى أحلاما تقع فيها هذه الحوادث، التي تتحقق فيما بعد . وطوال الفيلم يضغط الضابط المهذب على البطل بطرق لطيفة لمعرفة مصدر المعلومات، ويدور حوار يكشف عن رسالة تعبر ـ في رأيي الشخصي ـ عن وجهة نظر وحيد حامد ـ مؤلف ومنتج الفيلم ـ وعادل إمام
**
وحيد حامد وعادل امام يتعرضان منذ مدة إلى اتهامات بأنهما من الموالين للسلطة، عادل إمام اتهم بهذه الاتهامات بعد رحلته الشهيرة ضد الارهاب في الثمانينات حين عرض مسرحيته في أسيوط معقل الجماعات المتطرفة بدعم من الدولة، كما أتهم بأن الدولة تتسامح معه رقابيا في موضوعات أفلامه، إلى جانب تصريحاته الأخيرة حول أزمة حزب الله وحكومة حماس مع الحكومة المصرية.. ربما يعبر فيلم اللعب مع الكبار عن موقف كلا من وحيد حامد، وعادل إمام من الحكومة والسلطة والأمن
**
في الفيلم يظهر البطل صاحب الأحلام المتحققة كرمز لقدرة من هم خارج الأجهزة الأمنية على توقع واستشراف الحوادث والكوارث القادمة، الفكرة تعبر عن الرؤية التي تتحول إلى رؤيا، أو العكس، وفي واقع الأمر هي تعبير عن قدرة من هم خارج الأجهزة الأمنية على اختراق المجتمع وادراك عيوبه، وكانها رسالة إلى تلك الأجهزة الأمنية يقولان فيها.. يا قوم.. نحن لدينا القدرة على استشراف الواقع، وتبصرتكم بما لم تبصرون، فلا تعاملونا بغلظة، أو باجراءاتكم الأمنية الروتينية، لا تنهكوا انفسكم بالتفتيش وراءنا، وخذوا عنا ما نقدمه إليكم

وكأننا نتحدث هنا عن النخبة الطليعية.. هذه النخبة يجسدها الفيلم على هيئة بطل شعبي .. عاطل.. متسكع، وذلك طبعا بهدف جذب الجمهور إلى شباك التذاكر، ولا عجب أن نرى في نفس الفيلم مشهدا يجلس فيه وحيد حامد ـ بشحمه ولحمه ـ مع عادل إمام (البطل)ـ على المقهى يلعبان الطاولة، وكأن وحيد حامد يريد أن يقول.. نعم، أنا هنا، انا وبطل الفيلم شيء واحد
الرسالة.. أريد أن أتعاون مع السلطة والأمن وأقدم له المعلومات التي لدى، أريد أن أقدم له تنبؤاتي وتوقعاتي، لكن لا أريد أن أتحول إلى عصفورة أمن
**
الضابط (حسين فهمي)ـ انت بتشتغل إيه؟
البطل (عادل إمام)ـ أنا عاطل
الضابط (حسين فهمي)ـ طب ما تشتغل معانا
... هنا يرفض البطل (عادل إمام)ـ ويتلو عبارات شعبوية، هي في مضمونها رسالة إلى السلطة، لا تحولونا إلى عصفورة لدى الأمن
وهي أيضا رسالة إلى الجماهير، نحن معكم ولسنا خداما للسلطة

Friday, May 22, 2009

والله ان القلب ليحزن وان العين لتدمع

من أروع اللقطات الساخرة التي تصور حالة النفاق الساذج.. المشهد الشهير من مسرحية تخاريف، حين استخدم محمد صبحي ـ(لغة المنصة)ـ التي نسمعها في ندوات ومؤتمرات المثقفين، أثناء لحظات التقريع والهمبكة
يلجأ مدير الجلسة في مثل هذه المحافل إلى استخدام مفردات من عينة.. لقد أمتعنا الشاعر، وأفاض وباض وزاد وعاد، وأنا باسم الجمهور الحاضر اليوم اشكره، وأحب على يده أن يكررها مرة أخرى
وطبعا.. التكرار يستوجب دفع مكافأة مالية لأهل المنصة، أما الجمهور المسكين، فأحيانا ما يجلس متبرما متورما، وفي أوقات أخرى يخرج من بين الحضور من يكرر نفس العبارات العذبة المنافقة
**
في المسرحية استخدم محمد صبحي عبارات: نفحة من التنازل.. ولمحة من الديمقراطية، وشلحة من العدالة، وسلخة من طيبتي، وبردخ...!!!؟ يعني أي كلام مزوق
**
بعد وفاة المرحوم محمد علاء الدين محمد حسني مبارك، ظهرت هذه اللغة العذبة.. لغة منصات الندوات، وجلسات الشعراء، في عناوين صحافية عاطفية تثير السخرية، رغم التعليمات الرئاسية بعدم نشر مشاطرات التعزية
**
قبلها كانت سوزان مبارك قد فرغت لتوها من افتتاح مساكن زينهم الجديدة، فظهر هذا العنوان الظريف من مجلة صباح الخير
السيدة الأولى.. سبب الخير
زينهم ليست النجاح الوحيد
عنوان لا يوصف..سوى بأنه (...)، فحين يصبح الانسان سبب الخير في الدنيا، يبقى اعمل له تمثال عجوة واعبده احسن، و آكله آخر النهار
--
وفي عنوان آخر على غلاف مجلة آخر ساعة.. سوزان مبارك، قلب من حرير.. وإرادة من فولاذ
في هذا العنوان ظهرت رائحة قريبة من رائحة السخرية، العنوان شبيه بالعناوين المستخدمة مع أبطال السباحة في عبور المانش من المعاقين
**
أما الأهرام، فجاءت بعد وفاة نجل علاء مبارك بالعنوان الأروع
إن القلب ليحزن، وداعا محمد علاء مبارك
تعبير إن القلب ليحزن، يذكرنا باقتباس شهير.. إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وانا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، وهي الكلمات التي نعى بها الرسول محمد ابنه ابراهيم، ونسبت إليه
أي أن مظاهر التقديس في الأهرام قد تجلت في صورتها الرسمية، وكأنها تتحدث عن طائفة مقدسة من الناس، أو حفيد الرسول
في نفس المشهد من مسرحية تخاريف، ألح المواطن على الدكتاتور : الناس عمرها ما كانت مبسوطة، وتم التنويع على هذه العبارة بعدة طرق.. عن نفسي أعتقد أن الناس مبسوطة، فهذا هو السيستم الذي اعتادوه منذ مئات السنين، أن يظهروا انهم غير مبسوطين... لكنهم في الحقيقة مبسوطين، و متعودين، وبينهم منافقون يصنعون حالة من التوازن، مشكلة مشهد مسرحية تخاريف انه لم يظهر هؤلاء المنافقين كوسيط بين السلطة والأفراد، لذا اضطر الدكتاتور بنفسه ـ في مسرحية تخاريف ـ إلى استخدام عبارات النفاق المذكورة أعلاه

Sunday, May 17, 2009

مستر حسان حسان

للمرة الأولى منذ أكثر من عام.. رأيت حلما لا أستطيع وصفه سوى أنه قصة متكاملة الأركان، بل ربما هو مشروع رواية صغيرة، لا يستطيع كتابتها وتصميم بنيتها سوى كاتب محترف لئيم، في مرة سابقة مررت بتجربة مشابهة/حلم معقد آخر، وقتها تذكرت الحلم بتفاصيله الدقيقة ودونته هنا، أما هذه المرة فلم يكن لدى هذا الفاصل الواضح بين الحلم والواقع الذي سبقه بساعات
**
رأيت أحداثا معقدة، ليس بينها رابط، تكرر ظهور بعض الأماكن مما زاد من فعالية دراما الرواية المفقودة، في الحلم مررت على أحد الأماكن عدة مرات، هو مطعم.. أو بار... قيل انه ألجريون، لكن بحكم زيارتي لألجريون عدة مرات، فأستطيع أن أؤكد انه مكان آخر تماما.. أكثر غرابة، التقيت مدير المكان وهو في حالة سكر بيِّن، حذروني من التعامل معه، حاولت أن أخبره عن صلة القرابة التي بيننا، وفي مرة قبلها، تعمد رجل ذو حلة بنفسجية أن يدفع ثمن الطاولة التي أجلس عليها، وطالبني بالاستمرار في الجلوس والتأمل وإنتاج المزيد من الأعمال، التقيت بعض أقاربي حول المكان، ثم التقيت فتاة أعرفها لكن لا تربطني بها صداقة قوية، دعتني إلى غرفة نومها في أحد الفنادق لمجرد النوم والاستراحة من عناء الجلوس في المطعم ـ أو البار ـ الغريب، بينما اكتفت هي بالوقوف في الشرفة و متابعة التلفزيون، في نهاية الحلم كانت ذروة التصاعد الدرامي، حين أبدى صاحب الحلة البنفسجية ذو الشارب المسمار غضبا شديدا تجاهي، وقررت أن أسأله لماذا كان يظهر في البداية هذا الترحاب المبالغ فيه؟ وماذا كان يريد مني؟ ولماذا انقلب علي فجأة؟ شعرت أنه ذو صلة واضحة بنفس الفتاة المألوفة التي نمت في غرفتها بكل براءة وعفوية، قال لي مدير المكان، أن الرجل البنفسجي ضابط شرطة سابق، وضابط مخابرات سابق في نفس الوقت، أي أنه جمع ما لا يجتمع، وذكر أنه هو المالك الأصلي لهذا المكان، وبالضبط مثلما ثار المنسي/عادل إمام على مستر حسان حسان في فيلم المنسي، قمت بنفس الدور بعد تصاعد مثير، وانتهى الموقف بأن أنهكت الضابط السابق غريب الأطوار ضربا حتى ظننت انه قتل، وخلعت عنه حلته البنفسجية، وسرت به وهو مسجي على ترولي الإسعاف، وكان معي الفنان السكندري طلعت زكريا، الذي بدأ في غسل صدر الرجل العاري بالصابون، وشاهدت الفتاة التي كانت معي في غرفة النوم وهي تضحك من مظهر الضابط السابق المضروب، وظهرت أثداء أنثوية للرجل الطريح أثناء تغسيله بالصابون على يد طلعت زكريا
**
كنت قد شاهدت في اليوم السابق على هذا الحلم الغريب أشياء أغرب، ومررت بمواقف عجيبة في كل مكان خطوت فيه، وجلست على عدة مقاهي، آخرها مع صديق حتى الرابعة صباحا، وتناولت نوعين من البيتزا، وكم كبير من المياه الغازية حولتني إلى قنينة صودا سحرية تشفي كافة الأمراض والأوبئة، وعدت إلى المنزل الساعة الخامسة والنصف، وتكرر نفس المشهد الذي تكرر قبلها بأسبوع حين خشي مني سائق التاكسي بعد أن شك أني في حالة سكر، لمجرد إبدائي الغفلة والتوهان والإنهاك، دخلت المنزل، صليت الفجر مع الملائكة ونمت في السادسة
استيقظت في الثامنة بعد هذا الحلم، واكتشفت أني في حجرة تكاد أن تكون مفرغة من الهواء، مغلقة الباب، أشبه بقنينة الصودا التي أشبهها بالضرورة
**
كانت هذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي أرى فيها حلما عجيبا كهذا... حلم عجيب يمثل امتدادا طبيعيا ليوم غير طبيعي
--
17مايو2009
الســــ9ــــاعة صباحا
النشر 10.30 السايبر

Wednesday, May 13, 2009

في داخل البراد

بعد إلقاء التحية على يوسف بطرس غالي المستقر أمام خرائب ومزابل جراج الترعة البولاقية، أشرت بيدي اليسرى نحو محل كوافير الجذور، بدت ملامح الكهولة واضحة على صاحب المحل.. هناك عرفت مبكرا كيف يغرق الانسان أثناء غسيل رأسه بالشامبو، انتقلنا إلى حارة جانبية، وتلقيت العبارة كما توقعتها
"انت مودينا على فين"
كانت فرصة لطيفة لممارسة هوايتي القديمة في اختصار الوقت، على امل الاستفادة منه في أشياء أخرى لا تفيد.. على المقاهي، وعلى الكراسي أمام المنازل، استهجن أهالي الحارة مرور الغرباء.. اقتحمنا حارة على اليمين، ثم أخرى على اليسار، ثم.... مشينا ببطء، كتبوا على أحد المنازل "1000 مبروك الحج يا حج محمد"، ورسموا مشاهد فلكلورية بدأت تتلاشي من على جدران المنازل القاهرية، دعوتها إلى اختراق الحارة اليمنى، موضحا لها كمرشد سياحي متحذلق أن الحياة هنا أهدأ بكثير من صخب الميكروباصات في الخارج، بعض الحواري أشبه بالممرات، كان هذا أفضل مكان للهرب
**
عبارة سخيفة "عاجبك الجو العجيب ده؟؟؟" ـ
ـ هو حضرتك مش أصلا من شبرا برضو؟
ـ أيوه، بس مش ساكنة هنا
بعد صمت قصير أضافت "إذا ضاقت بكم الصدور عليكم بزيارة القبور"ـ
ـ فين القبور؟ هنا ولا الميكروباص؟
**
أظهرنا بعض الاحترام والوجل أثناء مرورنا في حارة جاد يوسف، وأمام منزل مكون من دور واحد جلست امرأة عجوز لتذكرنى بعمتي، نفس الملابس البسيطة، وإلى جوارها امرأة سبعينية أخرى أمام محل مهجور، صورة العدرا تنير المحل المظلم، خرجوا من قبورهم يتأملوا الغرباء، وقفت أتأمل صليبا كبيرا على بوابة أحد المنازل المتهالكة، استجمعت غروري وادعائي وقلت بثقة : في القبور مفيش طائفية
بإمكاني أحيانا أن أتقمص دور الأنثروبولوجي وهو يحلل غرائب البشر وعاداتهم
**
تلفتت حولها في قلق :ـ إحنا فين؟؟
ـ معرفش.. ومتسأليش تاني
توقفت في مكانها، لاحظت زفيرها القوي الذي طير أوراقا وبقايا أكياس شيبسي ملقاة على الرصيف
ـ احنا راحيين فين؟؟؟؟
ـ لا تسألني عن شيء حتى احدث لك منه ذكرا
أخرجت مسدسها من الحقيبة وأطلقت النار على رأسي
**
في شارع البراد، بدأت أعراض شارع شبرا تظهر ببطء، ظهر الشباب الصاخب، وأصحاب الدراجات الهوائية المحلقين فوق الكراسي المتراصة، كنت مشغولا وقتها باستخراج الرصاصة من رأسي، ألقيت بها إلى الشمس، وتلوت نصا حفظته في طفولتي، خدي سنة الحمار وهاتي سنة العروسة، وصلنا إلى المحطة الأخيرة، حيث شارع شبرا الذي تسلمنا طاهران من كل حقد وغل
**
أشرت إلى التوحيد والنور
ـ المكان ده مرشح انه يكون
مركز فتنة طائفية
ـ إن شاء الله، لما شبرا هتقع، نبقى نرجع القبور تاني

Wednesday, May 06, 2009

البحث عن الخنزير الأخير

في وقت كتابة هذا البوست المغمور، كانت أغلب الأجهزة المسئولة في مصر قد هبت واستنفرت من أجل ملاحقة الخنزير الأخير والقضاء عليه منعا لانتشار الأوبئة، ليست هذه هي القضية، القضية الحقيقية هي ان هذا الموقف كشف للمرة الألف عن كيفية تحويل مصطلحات بعينها إلى سلطة تبث الرهبة في نفوس المواطنين، حين يصبح المصطلح حكرا على فئة.. هي من تفهمه، وتعمل على تقديمه، ثم يظهر في مرحلة تالية من يستخدم هذا المصطلح تمحكا في السلطة، ظانا أنه مع تكرار المصطلح قد ينقل إلى المتلقي إحساسا بأنه على دراية ومعرفة بالمصطلح، وانه ضمن الفئة التي تستخدمه، وتتحول معرفته إلى سلطة، أو تمحكا في السلطة
**
أعلن السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى والأمين العام للحزب الوطني، منذ أسبوع تقريبا أن "مرض أنفلونزا الخنازير قضية أمن قومي"ـ، ليطرح هذا التعبير المبهم الذي احتكره كرادلة السلطة في مصر وجنرالاتها وأوليائهم الصالحين والمريدين والمحتاجين من اعلاميين وصحافيين
مصطلح الأمن القومي لا شك انه ضخم ومهيب، خاصة حين يستخدمه الجنرالات على شاشات التلفزيون، أو حين يتحدث عنه رجل مخابرات سابق، مثل أمين هويدي، أو صفوت الشريف، أو حين نراه في صدر عنوان لأحد الباحثين الاستراتيجيين
اما الأهم فهو أن تعبير "الأمن القومي المصري"ـ مرتبط في وعي المتلقى بجهاز كان الرئيس الراحل السادات أكثر من يشير إليه في خطبه، وهو جهاز الأمن القومي المصري، وذلك في خضم مصطلحات ظهرت عن الأمن الغذائي، والأمن المركزي.. وما زلنا أسرى إبهار مصطلح الأمن القومي المصري وفخامته، خاصة حين يظهر رجل في حجم وبنية السيد يس وهو يتحدث عن الأمن القومي المصري، أو حين يستخدمه أحد جنرالات الجيش أو أحد أبناء المراكز البحثية بنبرة جهورية ترهب أعداء الوطن. رغم اننا الآن ربما نكون في زمن أمن الفرد، الذي توارى عن الأذهان، لصالح المصطلح الرهيب ـ الأمن القومي المصري، وما ارتبط لدينا عن جهاز الأمن القومي ورجاله الذين لهم مكانة لدى المصريين
**
منذ عدة أسابيع، درت وطفت حول هذه الفكرة، نتيجة إحساسي بالاستفزاز من تكرار محمود سعد لهذا المصطلح، لم يكن ضيقي من منطلقات محافظة تهدف إلى عودة احتكار المصطلح/السلطة بيد الطبقة التقليدية التي تستخدم المصطلح، لكن ضيقي كان من استخدام المصطلح كوسيلة للاستعراض، أي لاستخدام المعرفة الغامضة من أجل السيطرة على الجماهير، لم أكن أعرف أيضا أن السيد فهمي هويدي كان قد أقلقه هذا الأمر من قبل، لكن تهكمه أو قلقه أراه متناسقا مع سلطته هو نفسه شخصيا، بنفوذه وحضوره الحالي، أي أن استنكاره شيوع المصطلح هو استنكار لتطفل الصحافيين المتمحكين في السلطة والمعرفة علي العمالقة امثاله

هناك آخرين غير محمود سعد....
وكثير من المتمحكين الاعلاميين استخدموا التعبير لإثبات قدراتهم النافذة وانهم على علم على العالمين، والبعض الآخر استخدمه لترويج احساس زائف/أو حقيقي بأنه من الناس اللي فوق
**
بعد هذا البوست، تصادف أن قرأت من يشتكي الأفراط في استخدام المصطلح، وكما اتفقنا ان المصطلح يعبر عن معرفة، ولأنها معرفة غامضة على أغلب الناس، ولأنها كانت حكرا على طبقة من الجنرالات والاستراتيجيين، ولان المصطلح مرتبط في الأذهان بأحد الأجهزة الأمنية، فجاء النقد الذي قرأته منذ أسابيع للدكتور نبيل عبد الفتاح في جريدة الأهرام حول الإفراط في استخدام المصطلح والمصطلحات الشبيهة، ثم قرأت منذ أيام لسيد علي في الأهرام يتهكم على كثرة استخدام تعبير"الأمن القومي"، ويتساءل عن الأمن غير القومي، واليوم قرأت للباحث الاستراتيجي حسن ابوطالب، الذي هو في الأصل متخصص في الدراسات العربية موضحا أن : "مفهوم الأمن القومي العربي له بريق خاص لدي قطاعات عريضة من الرأي العام العربي‏"، ولا تخفي المرارة الموجودة في كتاباتهم حول شيوع المصطلح، أو حسب رأيي هي مرارة من خروجه عن سلطة أهله من الجنرالات والاستراتيجيين، لدرجة أني
أعتقد أن من تهكم على شيوع المصطلح وابتذاله على يد الإعلاميين والصحافيين المتمحكين في السلطة، لم يكن هدفه إعلان السخط على سلطة المصطلحات والسيطرة على الجماهير بألفاظ مهيبة، بقدر ما هو نزاع على السلطة، بين من يظنون أنهم الأعلم بالأمن القومي والأجدر باستخدام المصطلح، والآخرين من الهواة الذين شاع بينهم استخدام المصطلح
**
قد لا يعلم الخنزير الأخير الذي تبحث عنه مصر الآن أنه يمثل تهديدا على الأمن القومي المصري، مثله مثل اسرائيل وحزب الله، لكن الواضح أن لبعض المصطلحات هيبة مصنوعة، وراءها معرفة غامضة، تدعم سلطات بعض الفئات
ـــــــــــــــــ
تحديث : الحقيقة لن أخفي أنشكاحي وسعادتي، حين قرأت هذا المقال لفهمي هويدي، ففي البوست أعلاه حديث عن غياب فكرة أمن الفرد/الانسان في مقابل سطوة مصطلح الأمن القومي رغم أن زماننا الآن يتجه نحو أمن الانسان

Saturday, May 02, 2009

َلَما صَفَا قَلْبي وَطَاَبتْ سَرِيرَتِي

بحثت في دروب بغداد ومسالكها، لم أجده، فتشت عن كلماته، عن بقايا نسله الطاهر.. كانوا قد ألحدوا وكفروا، وآخرون أطلقوا لحاهم للريح، لم يفهموني، ولم أفهمهم، ركبت بغلة إلى البصرة، ترجلت حتى شط العرب، قابلت رجلا من أحواز الفرس ذو أصل قرشي شريف، دلني على طريق العودة إلى القاهرة، دخلت بطن الحوت، قلت : سبحان الله بحمده، سبحان الله العظيم، كان التسبيح غذائي وقوت يومي، حتى وصلت السويس
**
في السويس، تلقيت كلمات مولانا الجيلاني، أغمضت عيناي وفتحتهما في القاهرة، وفي درب جوار خانقاه السلطان فرج بن برقوق، على مقهى متواضع الحال، أكملت قصيدته
وَلَما صَفَا قَلْبي وَطَاَبتْ سَرِيرَتِي، سمعت صوت ناي من بعيد، ومنشد ينشد
كان المنشد مولانا التونسي الغمراوي، الرجل الصالح الذي ترك قصره في إفريقية واختار محلة ميت غمر، رأيته وحوله شيوخ الدرب يسبحون بحمد الله وفضله، عرفني وعرفته، وأراني آيات ربي
**
وَلَما صَفَا قَلْبي وَطَاَبتْ سَرِيرَتِي، زارني الجيلاني في المنام، واهدانى مصحفا، والواح توراة، وانجيل.. ألقيت الألواح، وذهبت مغاضبا، فأنقذني سيدي، وأخذني من يدي وزرنا مولانا السلطان... ذو بسطة في الجسم، وسعة في العلم، قدّم إليّ سيفا، وقلما، وكتابا
تناولت السيف، ثم أخرته، أخذت القلم، ثم أعدته، وتركت الكتاب في محله
مال الجيلاني على أذني، نصحني بالعودة العام القادم، لأختار
**
مر عام وراء عام، حتى توفاني الله، وإلى الآن انظر من مستقري على الثلاثة في حيرة وحسرة