Sunday, January 03, 2010

الحياة رقصة طويلة

من نفس المرفأ الذي ودعت فيه سفينة نيويورك إلى همفرس، التقيت السيد سلطان باشا في الفلك وأنزلنا كافة الحيوانات والبشر، لم تبق معنا إلا فتاة في العشرين، سمينة القوام، عامرة الصدر، ذات حجاب رصين. أخذت بيدي بعض المياه من النيل السعيد وألقيتها في وجهها، لم تتحرك، استمرت في قيادة الفلك حتى وصلنا مجمع البحرين، طوال الرحلة أستمعت إلى أغاني عجيبة أشهرها العبد والشيطان، وأغاني عربان وبدو، لم يمنعني هذا من التحدث مع مولانا سلطان باشا
خلعت الفتاة البلوفر، ثم فكت ربطة طرحتها، وتوقف المركب في عرض النهر العظيم عند الملتقى، كان سلطان باشا قد خلع الجاكيت مبكرا وبقى بالنصف كم متحديا برودة الجو، وبدأت هي في الرقص.. جذبتني من الجاكيت الذي احفتظت به حتى النهاية، فدفعتها بعيدا، أشار الباشا ألا أغضب أو أتعصب، واستمرت في الرقص مع ابتسامة خفيفة لا تتغير
سألتني وهي تحكم حجابها على رأسها : مرقصتش ليه؟
ـ مبعرفش أرقص
ـ ما دمت متعرفش يبقى تقلد اللي حواليك.. وبعدين مفيش حد بيعرف يرقص
انشغلت في قيادة الفلك الفارغ، بينما أمعن سلطان باشا النظر إلى ضفتي النيل، ثم استدارت وقالت كأنها تطلق سبابا في وجهي : ـ احمد ربنا ان فيه حد عايز يرقص معاك، بدل ما ترقص لوحدك
**
أبطلت السيارات محركاتها في أعلى كوبري أكتوبر، وانشغل أصحابها في متابعة النجوم، البدر يتوسط السماء بشكل مثير، أما نحن فمشينا في الحيز الضيق المتبقي لنا من الكوبري، وبدأ الحديث
ـ الرقص زمان كان عبادة !.. وبعدين تحكمت فيه شهوة الإنسان، وسيطر عليه الرجالة، بص على أي رقصة هتلاقي الراجل هو المسيطر، حتى في الرقص الشرقي اللي بتقدمه الانثي.. بيبقى الهدف هو الراجل.. الرقص بقى محاكاة للطيور والحيوانات في مواسم الغزل
بدأت السيارات في التحرك، تكرر احتكاكها السريع بملابسي، بدأت أشعر أن هناك حادث قريب سيحدث.. انشغل هو بمتابعة حديثه عن الرقص
ـ رقصة السيف عند العرب.. السالسا.. التانجو.. التحطيب.. كلها فها حس ذكوري عالي، بداية من رمزية الأدوات المستخدمة زي السيف، لحد الالتصاق الحميمي مع الأنثى والرمزية الجنسية
عند هذه المرحلة كنت قد بدأت في الشعور بالملل والرغبة في إيقاف أي سيارة والانتقال بعيدا عن هذا الكوبري، توقفت سيارة تنير إشارات التوقف الخلفية، وركبنا سويا
**
هي نفس المرأة ونفس الجينز الضيق والشعر المصبوغ، قيل لي وقتها "للأسف ليس لدينا فرصة عمل.. المدرسة صغيرة ولم نطلب مدرسين جدد"، موعد غير موفق، الجميع رحلوا عني، أما هي فأخذتني إلى طريق جانبي متفرع من شارع مينيس في الكوربة وشرحت لي أسباب الرفض، وسألتني وسألتني، وركبنا سويا في سيارتها البي إم وشربنا الشيشة وحكت لي عن مشكلتها مع زوجها السابق، وكيف كان يعاني من اضطرابات جنسية، وانه لم يكن يجيد الرقص !
ـ
يومها نزلنا سويا إلى شوارع الكوربة وهتفنا "مصر.. مصر"، مع الجماهير، رقصنا، ورقصنا، لم أكن أراقب أدائي كالعادة، اندمجت معها في رقصة طويلة، و..ـ
سألته بعد أن ودعها بالقبلات أمام باب الفصل الذي تدرس فيه : ـ انت بتعرفها كويس؟
ـ بتساعدني في الشغل؟
ابتسمت ابتسامة لا يعلم مغزاها إلا هو : ـ انت بتشتغل إيه؟
ابتسم ولم يرد
**
بدأت أشعر بالملل، الفرنساوية احتلوا القصر ولم أعد أفهم ما يدور حولي.. الجميع يرقص، شعرت أني غريب الأطوار في هذه الحفلة اللعينة
جاء من أقصى القصر يسعي بين الزوار، وجلس إلى جواري
قلت : تعرف أحلى حاجة إيه؟ إنه الواحد يبقى في حفلة ومش عاجباه ويقدر يمشي
قال وهو منشغل بإشعال البايب : ـ ساعات كتير بيبقى لازم تفضل مع الناس، وإذا اتطلب منك ترقص، يبقى ترقص
**
ـ سنة 68 اعتقلت في فرنسا وقت ثورة الطلبة.. يادوب كنت مخلص الدكتوراه، مقعدتش كتير.. طلعوني على طول بعد ما قبضوا على
سارتر، ورجعت مصر عن طريق السفارة، وقتها عبدالناصر والاتحاد الاشتراكي كانوا عايزين يظبطوا شكل الحركة الطلابية في مصر بدل ما تفلت، وده كان دوري، محدش كان يعرفه إلا كام واحد بس في الاتحاد وعبدالناصر وفي الجهاز طبعا
تركنا الحفلة بعد أن بدأ الزوار في الرحيل وخرجنا إلى حديقة القصر.. أشار بيده إلى المكان، وقال : ـ ده قصر
البرنس محمد عبدالمنعم، تعرف انه أيام الحرب كان مستشار الأمن القومي حافظ إسماعيل بيحضر للحرب هنا!؟ والسادات ساعات كان بيبقى في قصر الطاهرة
ألقى البايب.. وأشعل سيجارا ضخما، مطلقا سحابة من الدخان: كان نفسي أبقى مشارك وقتها أكتر من كده.. عارف في أيام السادات اعتقلت برضو، بسبب تقرير كتبه فيا موافي، وقعدت كام شهر في السجن
وضع يده على كتفي وجذبني داخل القصر قائلا : وقتها مكنتش أعرف أمشي وقت ما أحب امشي، عارف كنت بعمل إيه؟ تعمد عدم الإجابة حتى أسأله : ـ إيه؟
ـ كنت برقص..! وبعد ما خرجت فضلت أرقص.. الحياة كلها رقصة طويلة
**
في شارع إبراهيم اللقاني حوالي الثالثة صباحا، سرت حتى وصلت قرب قصر الطاهرة طوال الطريق كانت الموسيقى تدور في رأسي، وبدأ جسدي في الرقص.. سالسا، تانجو،..الخ

2 comments:

راجى said...

اخر جمال يا معلم

بنت القمر said...

ولو ان النص انسيابي وسلس ومفهوم لحد كبير بس في ضيق شديد خلفه ورفض_هذا والله اعلم_ وقد انتقل الي بالتبعية