Saturday, January 09, 2010

موسم تسجيل المواقف

"أشكرك يا حياتي"، "ربنا يخليك ليا".. "فيفي عبده كانت معايا في العمرة".. الخ
أين يسرا وهاني شاكر مما يحدث الآن في مصر ؟ لا أدري كيف ينعم بلد بهذه النفوس الهادئة الراقية ويجري فيها ما فيها؟ كيف لم يتعلم أصحاب النفوس المريضة من هاتين الحمامتين المرفرفتين فوق الأهلة و الصلبان؟
**
قبل ثلاثة أعوام تقريبا كتبت في ميني باص 26 العائد من أمام الجامعة "بوست" - لنقل أنه مقالا- حين قرأته قبل عام تقريبا وجدته يشبه مقالات علاء الأسواني التي تمتزج فيها أحاديث النخبة مع تجارب ذاتية مع ..الخ، عفوا.. أنا لست علاء الأسواني، لكن بعيدا عن هذا فما أتذكره جيدا هو أني كنت أنتظر أن تحدث مناوشات لأسباب طائفية داخل الميني باص، كنا قبل أحد الأعياد المسيحية، وإلى جواري مجموعة تبدو عليها الملامح الريفية الصعيدية، اللهجة منياوية، شلة بنات وشباب يبدو أنهم أقارب يعيشون حالة من الزهو غير المبرر، كانوا مسيحيين حسب أسمائهم، الحالة العامة دفعتني إلى كتابة سيناريو بدون حوار عن لحظة الفتنة الكبرى في مصر، كان سيناريو رائع، أعظم من الحادثة الأخيرة التي جرت في نجع حمادي، ربما أكون قد رويت التصور لصديق، لكني الآن لا أجد ما كتبته بسبب ما لدى من فوضى غير خلاقة، ما فزعت منه وقتها هو شبرا أرض الآباء والأجداد، الثغر الأخير، الذي إن سقط ، سقطت مصر
أوصيكم ونفسي بشبرا

حالة لطيفة ضربت الجميع.. أحيانا ما أتذكر أنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، لكن على الجميع الآن أن يسجلوا مواقفهم، يجب على كل متابع للجزيرة أو قاريء للصحف أن يعلن ما يجب عليه أن يعلنه تمهيدا لهدنة قصيرة قبل حدث آخر
على ناصية الشارع وقفت مجموعة من شباب الحي والمفارقة أنهم لم يقفوا لشرب الحشيش كما كان يفعل أبناء جيلي الشقي، كانت بيد أحدهم سيجارة ليلية تنير عقولهم البريئة، وكان الحديث عن غزة، ما هو موقفك من الجدار العازل؟ هيا ..! اعترف
على الجميع أن يعترف في هذه المواسم المباركة بموقفه من غزة، وموقفه من المسألة الطائفية حسب تعبير محمد بن عمارة، بعض الأحداث الكبرى لا تسمح لك بترف الصمت، مثلما حدث أيام حرب الجزائر الأولى أو حرب الدنمرقة، فقد كان على الجميع أن يصرخ

**
المشغولون بالعمل لا يتنازعون كثيرا، وليسوا مضطرين إلى تسجيل المواقف أواثبات ولاءهم للمجتمع، لأن المجتمع أكثر اهتماما بأعمالهم وإنتاجهم وليس بمواقفهم التي يحتمل أن تكون زائفة .. لكن هذا لا يحدث هنا

الحقيقة أن السيدة يسرا لم تغرني كامرأة منذ أن بلغت الحلم حتى اشتعل رأسي شيبا، لكنها قدمت لي ما هو أرقى، رأيت كيف يمكن للإنسان أن يعيش حياته كمن يسجل المواقف طوال الوقت.. هاني شاكر لم يكن مطربي الأول، لكنه أعطاني معنى للبسمة التي تسجل موقفا، للوقفة المنتصبة التي تسجل موقفا أمام الجمهور معلنا أنه يغني، وانه محب لجمهوره .. أشكرك يا روحي قلبي، ربنا يخليكو ليا يا رب

أن تجلس على المقهى وأنت تتجرع كوب القهوة منكس الرأس، تنظر إلى المصريين وتدقق في التشابه الغريب بين ملامحهم الحالية وملامح أسلافهم المصريين القدماء والعرب والأتراك والـ..الخ، وتميل رأسك يمينا ويسارا وأنت تتذكر خريطة مصر قبل أن تندس داخل أتوبيس مزدحم أو أن تضحي بأموالك الكريمة في يد سائق تاكسي، هذه الحالة العامة تمنعك من أن تتساءل ماذا حدث للمصريين؟ وربما تمنعك من أن تقابل أحدهم فتقول له : أزيك يا حياتي، تقبلك للحوادث يكون مختلف، لن تنفعل، ستتذكر كل معلمي التاريخ الذين مروا في حياتك، وستتذكر كتبا على أرفف مكتبتك قرأتها قديما عن تاريخ بلدك العجيب، ستبحث عن حل لأنك قررت أن تكون مصريا، ستكون غزة ونجع حمادي مجرد نقاط في سفر الذاكرة، وبعد أن ينسى المتحمسون كلا من المدينتين بعد انتهاء المواسم، وبعد أن يغلق كل من يسرا وهاني شاكر التلفاز لاستقبال مكالمة هاتفية تبدأ بـ "ازيك يا روح قلبي"، ستبقى المدينتين في رأسك أنت مع ملامح المصريين وأفكارك عن حل شامل، الحل الذي كان ينتظره أجدادك منذ عهد الفراعنة، وليس الحل الذي ينتظره الحزانى على غزة ونجع حمادي، أو الذي لن يهتم بالتفكير فيه يسرا وهاني شاكر

No comments: