Thursday, April 29, 2010

عماشة في الأدغال

كان يوما عبثيا بجدارة، التخوف الوحيد الذي سيطر عليّ هو ألا أقع في مشكلة، شجار، احتكاكات سخيفة، أن يمر اليوم بسلام، حولي في العمل ثلاث حالات من المشاكل، أقلها النفسنة وأسوأها التعرض للاعتداء، و أوسطها الاحتجاز ثم الإفراج، عدت إلى المنزل الثالثة صباحا، نمت كما أنا، دون أي تعديلات، وكانت بداية عبث جديد
**
ما أتذكره.. أطوف حول بوابة قاعة أفراح في نادي فخم، كانت إحدى قاعات الأفراح الملحقة بالنوادي العسكرية، أمام البوابة رأيت زميلا لي في العمل، لم أعرف ماذا يفعل هنا، كنت قد علمت من إحدى اللوحات أنه فرح ابنة أحد أقربائي من الدرجة العاشرة أو الخماشر من الذين كتب الله عليهم العمل في أمن الدولة، كنت أسمع عنه ولم أره مرة في حياتي، لا اعرف ملامحه حتى اليوم، اقترحتُ على الزميل دخول الفرح، دخلنا، بمجرد عبور البوابة قال الزميل : ـ الله يخربيتك، انت هتودينا في داهية، احنا ممعناش دعوة
ـ ما تقلقش، الراجل ده قريبي، ولسه كان فيه فرح تاني لواحد قريبي في القاعة اللي جنبينا وانا مروحتش، أنا هدخل ده عشان متبقاش قلة ذوق
كانت خطتي أن استغل هذه الفرصة النظيفة في التعرف على هذا القريب البعيييييييد، الفرح بلا ولا شي، صمت، طاولات متجاورة، بحثت عن القريب المزعوم، بدا أقرب إلى رجل مافيا في حلة بيضاء من غير سوء، وقميص أسود، يشبه عرب أولاد علي في ملامحه.. رأيت زميل الشروق يتجول ثم اختفى
**
ظهر السيد هاني في المشهد دون أي مقدمات، كان مبرر وجوده الوحيد الذي أعلنه هو فضوله للتعرف على مجتمعات النخبة المغلقة
ـ إنت إيه اللي جابك هنا ؟
أجبت : ـ ده فرح قريبي وعايز أعرّفه بنفسي
وأقبل علينا صاحب الحلة البيضاء مخمورا، عرفته بنفسي، تعامل معنا كأننا كنا جزء أصيلا من حياته، بدا قاسيا، بعد محاورات ومناقشات مبتسرة تحمل تهديدات غير مبررة كشف لنا عن حقيبته، بعدها ان توتر الفرح وظهر رجاله من حوله في بدل أنيقة ونظارات شمسية ونحن في ظلام الليل، في حقيبته العجيبة أدوات تعذيب لم أفهمها، قال : ـ دي بحط فيها الكاركاديه كده مع الليمون، وأبخ بيها في الواد من ورا، ومقولكش على الشطشطة اللي هتجراله
كان موجها كلامه ناحية هاني، الذي رد سريعا بعد أن كنا قد دخلنا في حالة من التوتر بسبب عبارات قريبي المخمور
قال هاني دون مقدمات : ......أمك
وبدأت رحلة مطاردات في حديقة قاعة الأفراح المكشوفة، مطاردات شبيهة بمطاردات توم وجيري، فعليا.. كنا نلعب المسّاكة، حاول قريبي استخدام جهازه فأخفق، وهو ما جعلنا نشتمه كي نستفزه، أما الرجال الأشداء ذوي البدل الأنيقة ونظارات الشمس فلم يخرجوا أسلحتهم، اندمجوا معنا في لعب المساكة
**
جرينا سريعا ناحية مطعم، سبقني هاني، دخلت فوجدت العاملين يرتدون ملابس الجراحين، حاولت التخفي من قريبي ورجاله، المكان ضيق، خرج هاني من خلف أحد البواب مرتديا ملابس الجراحين، وهربنا من البوابة.. النجاة من مثل هذه المواقف مستحيلة إلا في أفلام الليمبي ومطاردات الكارتون، في الخارج جروا خلفنا بنشاط، كنا أسرع، اكتشفت اننا في منتجع فوق هضبة المقطم، أمامنا طريقان، الدوران حول المنتجعات فيقبض علينا، أو الدخول إلى طريق اسفل الجبل، الطريق يشبه مشروعا فاشلا لجراج مغطي يقود نحو منحدرات صخرية ورملية، قبلها قلت : ـ ممكن يبعتوا هيليوكوبتر دلوقت
بمجرد أن نطقتها سمعت طنينها في الهواء، وظهرت سيارة طاردتنا كان فيها زميل آخر من الشروق
في نفس اليوم كان هذا الزميل قد سألني : إنت عبدالرحمن مصطفى بتاع ستة إبريل؟، كان سؤالا غريبا، ودار حديث اغرب حول عمليات التعذيب والاذلال الجنسي التي يتعرض لها النشطاء السياسيون.. لم أفهم معنى الخمس دقائق التي دار فيها الحديث حول هذا الموضوع، أثار السؤال ضيقي، فأنا لست حركيا بالمرة، بل لي مواقف يعتبرها بعض الأصدقاء ومن مروا من هنا مناهضة لفكرة الحركة من أجل الحركة، والبركة
**
حين رأيته في السيارة أثناء الحلم الأكشن الذي انقطع ثم نمت كي أكمله، شعرت بالضيق مرة أخرى، وغرائبية الموقف، قريبي ذو البدلة البيضاء يطاردني لمجرد أنه ضابط شرطة دون مبرر حقيقي، يومها أيضا كنا قد راينا أنا وهاني شجارا قرب مقاهي وسط البلد الشهيرة أنهاه ضابط شرطة شاب في سيارة فخمة يبدو انه تلقى اتصالا من أحد "المتشاجرين"، وانتصر أحد أطراف الشجار لعلاقته بالضابط
**
ناديت هاني وانطلقنا إلى الجراج الوهمي الذي كشف عن منحدر هضبة المقطم، القاهرة أمامنا ليلا، كنا في مكان أشبه بغار ثور الذي لم أره، لكن ما أنا متأكد منه أنه لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا، نزلنا، كنا في انتظار ظهور أقدامهم
استيقظت
لم استطع النوم مرة أخرى.. لم أنم سوى ساعتين فقط، كان عليا التفكير في حيلة لإنقاذي انا وهاني، لم يعجبني أن ينته الحلم مثلما يحدث كل مرة،
وجدت حلا... دفنا أنفسنا في الرمال، اتفقنا ألا نظهر إلا بعد ساعتين، أما وسيلة التنفس فكانت الشاليمو، نعم.. الخطة الوحيدة هي التنفس عبر الشاليمو اللذان لن يظهر منهما في كومة الرمال سوى سنتيمترات غير ملفتة، هذا الحل الساذج ذكرني برجل المستحيل وحيله الرائعة، يمكن أن ينته الأمر بعد ذلك بهروب تقليدي بعد ساعات عبر هضبة المقطم
**
كان عليّ أن أكتب هذا، حتى لا أنسى، ربما أعيش بعد سنين واتذكر كيف كانت أحلامي جميلة، سأتذكر يومها كيف ودعت هاني في ميدان رمسيس وانا أفكر في إجراء مقابلة انتحارية ليس فقط بسبب العمل، بل بسبب الرغبة في الصدام مع شيء ولا شيء
**
ألوان الحياة
الأسود - لون الحلم
الأزرق - لون الواقع
الأحمر - لون الخيال

2 comments:

فتاه من الصعيد said...

امر كثيرا هنا..احيانا اتساءل واحيانا افهم... ودائما استمتع

سردك اليوم رائع...وحلمك ازعجني واتمنى ان املك قدره انهاء الاحلامكما استطعت

تحياتي

karakib said...

بببببووووووووواهااهاهاهاهاهاههاهاهاهاهاهاهاها
:)))