Friday, September 10, 2010

هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك

خرجت من التاكسي أمام عمارات الأغاخان، الســ 11,38ــــاعة، الميعاد في تمام الواحدة صباحا، مشيت بطول الكورنيش أراقب صفوف الكراسي الفارغة وطموحات من رصوها لاجتذاب الزبائن، تعلو لافتة "مركب الريس علام.. أعياد ميلاد وأفراح"، في مرات قليلة فقط ركبت هذه المراكب النيلية، إحداها كان مع سلطان باشا شخصيا، ليالي رمضان ليست سوقا رائجا لمن أراهم هنا، في الطريق أرى مجموعة من المسيحيين كانوا قد أنهوا فرحا في مركب نيلي، وبعدهم يفتقد الطريق نادرا ظهور أي شاب مع رفيقته، زجاجات المياه الغازية ترفع رأسها إلى السماء وتشكو قلة الزبائن.. نحن في الجمعة اليتيمة من شهر رمضان، بعد أيام قليلة سيحتفل هؤلاء جميعا بعيد الفطر، أما الآن فالكل مشغول بلا شيء. أصبح أمامي خمس دقائق للوصول إلى المكان، وصلت.. أسفل الكوبري بوابة عليها علامة تحذيرية "منطقة عسكرية.. ممنوع الاقتراب أو التصوير"، باقي دقيقتان.. المنظر موحش في الداخل، البوابة مفتوحة، والظلام لا يكشف عن الفاصل بين الأرض أسفل الكوبري والنيل، والكلب باسط ذراعيه جوار البوابة. أما الإمام فيتلو القرآن في الميكروفون ليسمع روض الفرج تلاوة صلاة التهجد
**
ـ الساعة كام معاك؟
ـ 1.08 بالظبط !
ـ واقف عندك بتهبب إيه؟
طوال الوقت كنت أتوقع من كمال بيه عبارات عنيفة، لكنه حرص على أن يخيب ظني دائما، علمني أن أضبط ساعتي حسب ساعة جرنيتش مراعيا فروق التوقيت مع القاهرة، في ساعتي وساعته مضت ثمان دقائق على الواحدة صباحا، حين وصلت في الموعد لم أجد أحدا، ضربت بعيني فأصابتني حالة فزع من غموض المكان وهرولت باتجاه الشارع، خلف البوابة مساحة أرض مربعة صغيرة تقع أسفل الكوبري تماما، في اليمين مبنى حجري صغير يتكون من حجرة واحدة، والباب مغلق، ولا أحد يحرس المكان، في اليسار قطع حديدية صدئة، وسيارة خردة تبدو كأنها من مخلفات الجيش، المربع كله محاط بأسوار جانبية والأرض منحدرة إلى المياه.
ـ معادنا كان الساعة كام؟
ـ أنا جيت بدري ودخلت ملقتش حد
ـ معادنا كان الساعة كام؟
لم أرد.. أغلق الهاتف
وسط صخب النقاش بيني وبينه قال: "الحياة إيه غير فكرة..؟ شغلك ده ايه غير فكرة؟ احنا كلنا كده وأدوارنا في الحياة مجرد أفكار". في الغرفة الحجرية البائسة، سرير جلست عليه، أمامه مكتب كان كمال بيه قد تركه قبل لحظات محاولا فتح الشباك المطل على النيل. يتابع حديثه : "انت مبسوط في شغلك؟"، "الحمدلله" قلتها بلا مشاعر، سحب نفسا من السيجارة ذات الماركة الأجنبية ونفخه باتجاه المصباح المدلى من السقف، "كمل في شغلك.. وركز فيه، مليكش دعوة بأي حاجة، اعتبر المرحلة اللي فاتت انتهت". قبل دقائق لفتت نظري تلك العلاقة التي رأيتها على الكورنيش بين من يرمى الصنارة والسمكة التي يريد اصطيادها، كلاهما لا يريان بعضهما البعض سوى بعد انتهاء الأمر، هل انتهى الأمر؟ هل علقت في الصنارة وحانت لحظة إعلان الوفاة؟
خرجنا سويا، ولم يظهر أمام البوابة سوى الكلب، شتان بين السيارة الجيب الخردة ذات الملامح العسكرية والجيب الأمريكية التي حملت لوحات سياحة جوارها، ركبت معه داخلها، وانطلق ناحية الفندق العظيم على بعد أمتار، أدار القرآن قائلا : لسه بتقرا سورة الكهف يوم الجمعة؟، أشرت برأسي مجيبا ولم أكد أفتح فمي حتى قال : "أي قصة في سورة الكهف بتعجبك؟" أجبت : "قصة موسى والعبد الصالح". رد : "وانا كمان"، توقف فجأة وطلب مني النزول، اعتدت هذه الإجراءات التمثيلية، سألته : " يعني هشوفك تاني قريب". أجاب بغضب : "هيجيلك الرد "
**
بعد مرور عدة أيام على هذا اللقاء، جاءتني طلبات إضافة عديدة في الفيسبوك، كنت مقيما بين المنزل و المكتب خوفا من الرد الذي لا أعرفه. قبلت ثلاثة من طلبات الإضافة على الفيسبوك، بعد يومين رأيت تعليق أحدهم على آية كتبتها في خانة الستيتس تقول: " هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي" ، كان قد كتب " هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك". ثم سأل: هل تواظب على قراءة سورة الكهف كل يوم جمعة..؟ لم أجبه، فاختفى حسابه إلى الأبد. أدركت أنه الرد.

No comments: