Saturday, September 11, 2010

العيد بعد منتصف الليل

لم أتوقع هذا المشهد البائس، هذه المنطقة قبل خمسة عشر سنة كانت أكثر بهجة من الآن، قبل عدة أعوام كتبت مدفوعا بالنوستالجيا عن أمجاد هذه المنطقة، اليوم.. قبل نهاية أول أيام العيد تبدو كمقبرة حقيقية، اتضح أن كافة المحلات التي أغلقت أبوابها كانت تضيء الشارع، لا أحد في متجره سوى الصيادلة. الشلل المتفرقة تبدو بائسة، شورت وفانلة وأحاديث مملة، كأنه ليس العيد، يبدو منتصف الليل هنا كليلة شتوية تقليدية في موسم دراسي. موعدنا في الحدايق.. حدائق القبة
**
هل ما زال لدى هؤلاء المحبطين طاقة يستعرضونها في حرب التحرش والإغواء؟ لا عجب أنها فورة تظهر لعدة أيام في السنة، أثناء التجوال في منتصف الليل بدا الجميع قد استنزف طاقته صباحا، أظن أن سائق التاكسي يعلم جيدا أن وضعه مثير للشفقة، السؤال الذي أردنا تبادله : انت بتعمل ايه دلوقت في الشارع؟ لم ينطق أحدنا بالسؤال، حاول هو تكرار كلمات أغنية أم كلثوم المذاعة عبر كاسيت السيارة.. هذه ليلتي، في شارع مصر والسودان ظهر الحق الذي لمحته على أطراف منطقتنا.. حسب أقوال علماء الأنثروبولوجي فإن شريحة واسعة من نساء مصر ترتدي ألوانا غريبة في هذه الفترة من العام، ولا يتكرر هذا المشهد سوى في الأفراح أو في ليالي الخميس، ألوان الأحمر والأصفر والفوشيا قد تجتمع في طرحة واحدة. الأغرب هو جلوس الرجال بهذه الكثافة على المقهى في هذا التوقيت، ما معنى أن تجلس على المقهى في الليلة الأولى من ليالي العيد؟
**
حدد لي ساعة واحدة هي مدة اللقاء غير العاجل، كان عليه أن يسافر غدا هروبا من القاهرة، لم يكن هناك أي معنى لنزولي من المنزل، بل قاومت رغبة في النوم، تركته في لقاء انتهى بعد نصف ساعة تقريبا، واتبعت الأسباب إلى أرض الآباء والأجداد. كان المشي أوفر، في الحقيقة كنت أستهلك الوقت في محاولة محو النصف ساعة الفائتة من الذاكرة. انطلقت مع قدماي. يقابلني رجل ذو بنطلون ممزق وفانلة (حمالات)ـ يطلب مني جنيهان تحت زعم أنه تعرض لحادث سرقة، على يميني انفجار يصاحبه وهج من إحدى الحواري المجاورة.. إنهم يحتفلون في دير الملاك، في الجهة المقابلة من شارع بورسعيد لافتة رائعة.. مرحبا بكم في حي الشرابية، تصاحبها صورة السيد الرئيس.. ما أعظم الوفاء !ـ
**
من الشارع الرئيسي إلى حواري تأخذني إلى حواري، وأنا كما أنا حيث اتبع قواعد التسكع الأولى، الناس في المقهى والشارع، تمتاز الشرابية والزاوية بأنها تجمَع عنصري الأمة في وئام و سلام، حيث يتجاور الصعايدة والمنايفة في المحلات والمقاهي، في إحدى الحواري أتغاضى عن نظرات أهلها للغريب الوافد بعد منتصف الليل، وجود صاحبات الجلاليب السود يعطي مبررا لبقاء الأطفال في الشارع، أسمع بوضوح أصوات الحلل في الحارة الضيقة التي تكفي لمروري، تذكرت صديقة.. كنت أتحدث معها قبلها بساعات عن أن هذه المدينة ممتعة في كل جزء منها، هي كفيلة بإدهاش الرصين وإشعال حيرة الحليم. أراهن أنها لن تستطع معي صبرا على مثل تلك الجولات الفوضوية.
**
قرب شارع ترعة الجلاد في الشرابية اختراعات جديدة لإشاعة روح البهجة والفرح، منطات ظريفة يتقافز عليها الأطفال وتحيط بها شبكة، لأول مرة أراها داخل الأحياء الشعبية، أما الأسوأ فكان رش السبراي الشهير الذي كان يستخدمه سمير غانم في فوازير فطوطة.. (!) رجل أربعيني يجري وسط الأطفال، كان هناك مبرر لإغراقي بالسبراي.. لم أستبعد بعدها أن أواجه بابتسامة وعبارة : كل سنة وأنت طيب، فقبلها بقليل كان ابن الجزار قد وقف يسدد الصواريخ في المكان المناسب قرب كل مار، لكنني مررت برصانة منعتهم من العبث معي
**
البعض يتابع مبارة فريق مصري مع فريق آخر جزائري، مرة أخرى أعيد قراءة المكان.. الشرابية التي كانت أرضا زراعية، هنا شارع جنينة الورد أقابله بعد نفق أسفل قضبان القطار، أمر من عزبة الورد باتجاه عزبة بلال، لا أحد هنا يتذكر جريمة قتل الورد وبناء تلك البيوت العجيبة، الحي أبقى من الميت، بعض البيوت ذات جدران خشبية، وهناك خنادق علقت عليها لافتات كتب أعلاها : الملك لله وحده. منذ أن دخلت الشرابية أقابل رجالا ونساء هربوا من منازلهم الضيقة وجلسوا على صخور أمام المنزل هروبا من الحر والملل، كان الملل يقتل الجميع، احدهم سمعته قبل عبوري لشريط القطار يلعن المنطقة التي يسكنها. على الأقل أنا لم ألعن المنطقة التي أسكنها، ولم أعيب في الصديق الذي قابلته لدقائق.
**
بعد أن عبرت السكة الحديدية للمرة الثانية إلى شارع أحمد حلمي، كان الموعد مع أرض الأباء والأجداد، بحثت عن منزلي القديم فاكتشفت أنه بعيد، اتجهت إلى الترعة البولاقية، اكتشفت أني أمام الهدف مباشرة، منزل جدتي الذي قضيت فيه بعضا من طفولتي، أنا أمام المقهى، الهاربون من منازلهم ما زالوا هناك، كان عليّ أن ألقي السلام والتحية. كانت الساعة بعد الواحدة. أعتقد أنها لو كانت معي لندمت على هذا التسكع الغريب

Friday, September 10, 2010

هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك

خرجت من التاكسي أمام عمارات الأغاخان، الســ 11,38ــــاعة، الميعاد في تمام الواحدة صباحا، مشيت بطول الكورنيش أراقب صفوف الكراسي الفارغة وطموحات من رصوها لاجتذاب الزبائن، تعلو لافتة "مركب الريس علام.. أعياد ميلاد وأفراح"، في مرات قليلة فقط ركبت هذه المراكب النيلية، إحداها كان مع سلطان باشا شخصيا، ليالي رمضان ليست سوقا رائجا لمن أراهم هنا، في الطريق أرى مجموعة من المسيحيين كانوا قد أنهوا فرحا في مركب نيلي، وبعدهم يفتقد الطريق نادرا ظهور أي شاب مع رفيقته، زجاجات المياه الغازية ترفع رأسها إلى السماء وتشكو قلة الزبائن.. نحن في الجمعة اليتيمة من شهر رمضان، بعد أيام قليلة سيحتفل هؤلاء جميعا بعيد الفطر، أما الآن فالكل مشغول بلا شيء. أصبح أمامي خمس دقائق للوصول إلى المكان، وصلت.. أسفل الكوبري بوابة عليها علامة تحذيرية "منطقة عسكرية.. ممنوع الاقتراب أو التصوير"، باقي دقيقتان.. المنظر موحش في الداخل، البوابة مفتوحة، والظلام لا يكشف عن الفاصل بين الأرض أسفل الكوبري والنيل، والكلب باسط ذراعيه جوار البوابة. أما الإمام فيتلو القرآن في الميكروفون ليسمع روض الفرج تلاوة صلاة التهجد
**
ـ الساعة كام معاك؟
ـ 1.08 بالظبط !
ـ واقف عندك بتهبب إيه؟
طوال الوقت كنت أتوقع من كمال بيه عبارات عنيفة، لكنه حرص على أن يخيب ظني دائما، علمني أن أضبط ساعتي حسب ساعة جرنيتش مراعيا فروق التوقيت مع القاهرة، في ساعتي وساعته مضت ثمان دقائق على الواحدة صباحا، حين وصلت في الموعد لم أجد أحدا، ضربت بعيني فأصابتني حالة فزع من غموض المكان وهرولت باتجاه الشارع، خلف البوابة مساحة أرض مربعة صغيرة تقع أسفل الكوبري تماما، في اليمين مبنى حجري صغير يتكون من حجرة واحدة، والباب مغلق، ولا أحد يحرس المكان، في اليسار قطع حديدية صدئة، وسيارة خردة تبدو كأنها من مخلفات الجيش، المربع كله محاط بأسوار جانبية والأرض منحدرة إلى المياه.
ـ معادنا كان الساعة كام؟
ـ أنا جيت بدري ودخلت ملقتش حد
ـ معادنا كان الساعة كام؟
لم أرد.. أغلق الهاتف
وسط صخب النقاش بيني وبينه قال: "الحياة إيه غير فكرة..؟ شغلك ده ايه غير فكرة؟ احنا كلنا كده وأدوارنا في الحياة مجرد أفكار". في الغرفة الحجرية البائسة، سرير جلست عليه، أمامه مكتب كان كمال بيه قد تركه قبل لحظات محاولا فتح الشباك المطل على النيل. يتابع حديثه : "انت مبسوط في شغلك؟"، "الحمدلله" قلتها بلا مشاعر، سحب نفسا من السيجارة ذات الماركة الأجنبية ونفخه باتجاه المصباح المدلى من السقف، "كمل في شغلك.. وركز فيه، مليكش دعوة بأي حاجة، اعتبر المرحلة اللي فاتت انتهت". قبل دقائق لفتت نظري تلك العلاقة التي رأيتها على الكورنيش بين من يرمى الصنارة والسمكة التي يريد اصطيادها، كلاهما لا يريان بعضهما البعض سوى بعد انتهاء الأمر، هل انتهى الأمر؟ هل علقت في الصنارة وحانت لحظة إعلان الوفاة؟
خرجنا سويا، ولم يظهر أمام البوابة سوى الكلب، شتان بين السيارة الجيب الخردة ذات الملامح العسكرية والجيب الأمريكية التي حملت لوحات سياحة جوارها، ركبت معه داخلها، وانطلق ناحية الفندق العظيم على بعد أمتار، أدار القرآن قائلا : لسه بتقرا سورة الكهف يوم الجمعة؟، أشرت برأسي مجيبا ولم أكد أفتح فمي حتى قال : "أي قصة في سورة الكهف بتعجبك؟" أجبت : "قصة موسى والعبد الصالح". رد : "وانا كمان"، توقف فجأة وطلب مني النزول، اعتدت هذه الإجراءات التمثيلية، سألته : " يعني هشوفك تاني قريب". أجاب بغضب : "هيجيلك الرد "
**
بعد مرور عدة أيام على هذا اللقاء، جاءتني طلبات إضافة عديدة في الفيسبوك، كنت مقيما بين المنزل و المكتب خوفا من الرد الذي لا أعرفه. قبلت ثلاثة من طلبات الإضافة على الفيسبوك، بعد يومين رأيت تعليق أحدهم على آية كتبتها في خانة الستيتس تقول: " هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي" ، كان قد كتب " هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك". ثم سأل: هل تواظب على قراءة سورة الكهف كل يوم جمعة..؟ لم أجبه، فاختفى حسابه إلى الأبد. أدركت أنه الرد.

Sunday, September 05, 2010

عمر سليمان وفأس النبي إبراهيم

لا أخفي إحساسي بالسعادة حين رأيت ملصقات عليها صورة الوزير اللواء عمر سليمان مدير جهاز المخابرات المصري ضمن حملة غامضة تقدمه على أنه البديل الحقيقي لخلافة الرئيس مبارك. السبب الأول لهذه السعادة هو أنها فرصة لعودة الصعايدة إلى الحكم منذ أن انتقلت الرئاسة إلى محافظة المنوفية قبل أربعين عاما. أما السبب الثاني فهو إحساس تولد للحظات بأن هناك من يعمل... يعمل ماذا؟ أو من هو ؟؟.. لا أهتم، لكن هناك شيء ما حدث
**
حين تستيقظ على قصة خبرية بأن هناك أشباح ألصقت بوسترات تأييد لمدير المخابرات، وبعدها تتوالى التقارير عن حظر النشر وإعدام بعض الأعداد التي حاولت نشر هذه القصة، كل هذا يجعلك تسترجع مشهد من يلقى جردل من المياه في الشارع لفض خناقة، أو.. حين يقوم البعض في شجارات أعنف بإطلاق النار لفض النزاع
**
في الفيسبوك، وصل الحال بنا إلى ترشيح سعد نبيهة ولولو لرئاسة للجمهورية، ألا يمكن أن يشكل ذلك بادرة لنقل هذه الروح إلى الشارع؟ كان البرادعي احد ضحايا هذه الروح التي تبحث عن قائد، وتؤيد وترشح قبل أن يعلن صاحب الشأن موقفه، ومع ظهور ملصقات السيد جمال مبارك فربما نجد على مدار العام القادم حتى موعد انتخابات الرئاسة ملصقات خارج السياق على طريقة سعد نبيهة.. أو على طريقة جمال الدولي في الإسكندرية. وفي حالة العبث التي نعيشها لا يمكن استبعاد – على سبيل المثال- خروج ملصقات ترشح خالد سعيد لرئاسة الجمهورية في حملة رمزية تهدف مثلا إلى إعادة القضية إلى الأضواء.. إن بوسترات السيد جمال مبارك التي ظهرت مبكرا بسبب حماس نشطاء البرادعي قد تدفع إلى انفجار ماسورة من حملات الترشيح مشابهة لأجواء مجموعات الفيسبوك

ماذا فعل السيد عمر سليمان في الشارع؟ لقد أكد هذا الموقف على أن الشارع لم يتحول بعد إلى شبكة اجتماعية، والرسالة مفادها أن حتى السيد عمر سليمان أحد أقرب المرشحين للخلافة قد تـُزال صوره من الشارع.. بل ويُمنع النشر عن مبادرة مؤيديه. ما الهدف ؟ لعلها محاولة استباقية مدبرة هدفها توجيه رسالة إلى الجماهير بأنكم معرضون للخطر.. انتبهوا !! هناك من وضع ملصقات لعمر سليمان الحاكم المحتمل، وكبير الجهات السيادية، وفعل تلك الفعلة أثناء وجود سليمان مع الرئيس ونجله بأمريكا.. وأن هذه الصورة قد أزيلت بقوة، فلا مجال للهزل... هذه (الحركة) أبرزت صورة عمر سليمان كمترفع عن الدخول في منافسات وصراعات الحكم، كما ترسخ صورة رجل المخابرات، الجندي المجهول الذي لا يطمح سوى إلى خدمة وطنه... حتى إذا طلبتوني، فلن أجيب وأدخل في فوضى الشارع. هذه ليست طريقتي
**
حين أراد النبي إبراهيم أن يوجه رسالة إلى الوثنيين من حوله، علق فأسه التي حطم بها الأصنام في رقبة كبيرهم، كان هدفه من هذا أن يقول لهم : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ، عن نفسي .. أراهن على أن هذه (الحركة) ذات مغزى تربوي، كما أنها مبرر لفعل أي شيء مع فوضى الملصقات القادمة.. فإذا كانت ملصقات سليمان قد أزيلت، وتحمَّل الرجل هذا رغم كونه فعلا البديل الحقيقي، إذن فسحقا لأي ملصقات قادمة، بإمكاننا أن نزيل ما لا يعجبنا، وأن نمنع الإعلام من نشر ما لا يعجبنا ، وأن نحقق في الأمر
**
في أحاديث المتحدثين هناك من يرفض هذا السيناريو، ويعتقد أنها (لفة) كبيرة لتحقيق هدف غير مفهوم، البعض يظن أن هناك من بادر بوضع هذه الملصقات من مؤيدين سليمان لترجيح كفته أثناء وجوده في أمريكا، وهناك من يعتقد أن آخرين تعمدوا وضع هذه الملصقات لإحراج سليمان أمام الرئيس.
رغم عدم تأييدي لهذين الرأيين لكن في النهاية فقد تحقق نفس الهدف، الرسالة التربوية للجماهير والسياسيين : ازهدوا في الحكم مثل سليمان الذي أزيلت صوره رغم انه الأجدر بالمنصب، واعلموا أن ملصقاتكم ليست بعيدة عن أيدينا، فلستم بخير من عمر سليمان