Wednesday, December 21, 2011

I wish I'd met you earlier ..

في التاكسي.. ارتفع صوت الراديو بشكوى مواطن لم يتم تعيينه في المؤسسة التي يعمل بها، قلت للسائق :انا أيضا لست معينا.. ولم يكن يعرف مهنتي بعد. حتى دار الحديث بيننا حول دور النقابات في حفظ حقوق العاملين، وكيف يغيب هذا الدور في عالم سائقي التاكسي، وحدثته عن طموحاتي المجهضة في تكوين رابطات للسائقين تضغط على نقابتهم المعطلة لضبط العلاقة بين ملاك التاكسيات والسائقين، والبحث عن حقوق هذه الفئة
نعم.. هكذا تحدثت
**
لم تكن تلك هي القصة بالضبط التي أردت أن أرويها هنا، ربما كان مدخلا، أو مهربا من المقدمات. أكتب الآن، و لدي الكثير من التحضيرات والعمل المعلق، ومثل كل مرة، أنا أعمل مثل صيادي السمك، ربما أعود بصيد ثمين، وربما أعود ولا أستطيع بيع ما لدي. الفارق الجوهري، أن الصياد يعمل ولا ينتظر تقييما أو تصفيقا من الجماهير، العلاقة واضحة مع عمله، على عكس حالتي
**
قبلها كنت أجلس في صحبة مميزة، الآن وأنا أكتب، أتذكر هذه الصورة التي أضفتها إلى حسابي على الفيسبوك، لشاب وفتاة، وفوقها عبارة بالانجليزية تعبر عن لسان حال الشاب، يقول لها: ليتني كنت التقيتك من قبل، انا معجب بالحديث معك
حين أضفت هذه الصورة، كنت في ظروف مختلفة تماما، والآن الظروف اكثر اختلافا، وما أن نزلت من التاكسي بعد محاضرة قصيرة عن حقوق العمال ودور النقابات المهنية، عدت لأفكر في ما دار في هذا اللقاء، ورددت نفس العبارة التي رددها الشاب في الصورة.. ليتني التقيتك من قبل.. وأضفت إليها: في عالم آخر، وزمن آخر
**
أنا دائما محاصر.. وأحيانا مراقب، لكن في مثل تلك الجلسات، انت في مساحة أخرى، تذكرني بأيام كدت أنساها، ما زلت أحافظ عليها في هذه المساحة المغمورة على الانترنت، في هذه الجلسة، كانت قضيتها تشبهني، أعلم ان لدي إجابات على أسئلتها، لكن .. هذا ما أظنه
**
في كل يوم أشعر بغموض الحياة، خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، سواء كان الأمر شخصيا أو متعلق بأحوال البلد. أشعر أن لدي إجابات لإسئلتها، رغم أني لم أصل إلى إجابات لأسئلتي.
عفوا.. تصحيح، أنا لم أعد أطرح أسئلة.. أتناساها، تقريبا


:)

Wednesday, December 14, 2011

تجارب بلا نتائج

:)

ابتسامة الكترونية

**

في البدء كانت جملة: المثالية تدفع صاحبها ألا يقبل كل ما هو غير مكتمل.. مرحلة، علاقة، فكرة..الخ
**
الحقيقة وكل الحقيقة – لاحظ البداية- أني تحت تأثير مرحلة، أعيد التفكير فيها فيما أفعل، وما مررت به، والأهم أني أفكر فيمن يشبهوني. فأنا من قلت عن نفسي – لاحظ التواضع- أني بين أداء ومظهر عدمي، وجوهر أخلاقي مثالي، أعيش حياتي. أما اليوم فأعيد التفكير.. لأن هذه المبادئ تجعلك في صدام مع الواقع
**
استحضرت سيرة المتنبي العظيم في أبياته الرائعة، إذ يقول المتنبي دون خشية أو حرج
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ** فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
ويقول: رِضاكَ رِضايَ الّذي أُوثِرُ ** وَسِرُّكَ سِرّي فَما أُظْهِرُ

كان الشعراء يلتصقون بالحكام بغية المال والشهرة، تلك كانت القواعد المعمول بها في ذلك الزمان، أن تمدح بشعرك كي تعيش ضمن الصفوة حتى إن كان باطنك عكس قولك، قال أحدهم
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ** فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
و كأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ ** وكأنّما أنصاركَ الانصارُ
لكن المتنبى رغم مديحه ونفاقه كان لديه إحساس بذاته، يدرك موهبته، وأزعم وأرجح أنه كان يدرك ذلك الزيف، فكان يجمع في شعره بعض أبيات تحمل تضخما في الذات، إذ يقول
الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني ** والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ
ووقع في صراع بين أن يكون مزيفا كاملا، وبين أن يكون مستقلا بذاته، فوقع في التطرف هنا وهناك، ولم ينجح في أن يستقل استقلالا كاملا مثاليا، ولا أن يكون مزيفا كاملا كغيره، أعود إلى جملة البداية: المثالية تدفع صاحبها ألا يقبل كل ما هو غير مكتمل.. مرحلة، علاقة، فكرة..الخ
لذا عاش في أزمة مع تلك الأجواء التي ارتضاها لنفسه، لماذا؟ لأنه إذا كانت القواعد تحتم عليك أن تكون مزيفا، فعليك أن تعلم أن تلك هي القواعد، أن تقتنع بهذه الحقيقة، ولا تحاول أن تلتف عليها
**
في الماضي، كنت أحاول الكفر بكثير من القيم الإنسانية، ولا جدواها، مؤخرا سمعت مهرجانا شعبيا يعبر عن هذه الأفكار هنا: http://abderrahmann.tumblr.com/post/14165799322، لكن ظلت المثالية تنادي، ولم تختف، وظهرت في مواقف الضغط، وعلى ما يبدو أن هناك صراعا بين الاندماج في الواقع المزيف وبين العيش في الحلم الكبير
**
مؤخرا التقيت من هم مثلي، يكرهون الزيف، يريدون حياة يصنعونها بأنفسهم، حرب ضد الواقع، وكنت أتحدث وفي بالي تجربة المتنبي الذي تحولت محاولته من كسر الزيف إلى نرجسية وتقديس للذات المناضلة ضد الواقع.. كنت أنصح وأقول أن الحياة قد تضيع في هذه الصراعات الكارثية التراجيدية.. ما الفائدة من كل هذا؟ وخطرت ببالي فكرة أخرى أننا على الأرض هنا نتقلب بين البحث عن الجنة والنار، بين الفساد الكامل، والمثالية الكاملة، ونجمع كل هذا داخلنا، لكن قليلين هم من يتطرف وفي أذهانهم أنهم قد يتحولون إلى رموز أو تجارب خالدة
**
أعلم أني لم ولن أصل إلى نتائج، وستنضم هذه المحاولة إلى تجربة أخرى غير كاملة، فلا أحد يدرك الحقيقة، نحن أصغر من هذا، لكن لنبق قريبين من المثالية دون أن يقلقنا انتصار الزيف. أما ما يقلقني أنا شخصيا أني أعود إلى الوراء قليلا، إلى سنوات الاعتزال، أعلم أنها في الغالب لن تتكرر، لذا فلنتقدم إلى الأمام.. دون البحث عن نتائج، ودون ندم
فمثلما كان هناك شعراء متصالحون مع الزيف دون قلق أو مراجعة لمواقفهم، و هناك من اعتزلوا ضد الزيف مثل المعري، وهناك من عاشوا الزيف ثم اعتزلوا مثل أبو نواس، وهناك من ظلوا بين هذا وذاك حتى قتلهم هذا الصراع مثل المتنبي، وفي كل هذه الحالات، فهذه هي ضريبة أن يكون لك موقف، أو تحرك في اتجاه ما
**
سنظل نسخر من المثالية الساذجة حين يهزمها الزيف، وسنسخر من الزيف حين يضعف أمام القيم الكبرى، دون أن نعتزل أو نعتكف، لأننا لن نعيش الجنة أو النار على الأرض. والنتائج لن نعرفها الآن. ورغم كل هذا سأظل قريبا من المثالية والجنة المفقودة، عن أن أقبل التزييف ونار الانتصار المؤقت

Tuesday, November 29, 2011

أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم

قرر الشاب الأرعن من أمن ميدان التحرير تفتيشنا تفتيشا ذاتيا كاملا، فتعرينا كما ولدتنا أمهاتنا أحرارا، وتسلمنا أكفانا بيضاء، ألقيناها وارتدينا ملابسنا. كانت مسافة طويلة من ميدان الدقي حتى مدخل التحرير ناحية كوبري قصر النيل، بعد التفتيش عبرت مع صلاح جاهين وسيد مكاوي إلى قلب الميدان، اشتريت لهما حمص، وانطلقت إلى صديق قديم.. الشيخ عربي فرحان البلبيسي، ما أن رآني حتى تبدلت ملامحه إلى السعادة وقال منشدا: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. قلت: مين يا شيخ ؟ فقال: سيدنا الحسن والحسين والسيدة والإمام علي أبيهم. في تلك الأثناء كان هناك شعاع ليزر أخضر يمر على وجهي، نظرت إلى أعلى مبتسما، فجاءتني رصاصة رقيقة في منتصف الجبهة تماما.. لم أشعر بها
سرت حتى المستشفى الميداني في بداية شارع باب اللوق، وألقيت نفسي في أحضان طبيبة أشكو إليها تلك الرصاصة في رأسي ، أخرجتها بسهولة ونعومة ثم سألتني: إنت ليك حد هنا؟ فأجبت كما علمني أستاذي ومعلمي: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. انتزعني من بين ذراعيها شاب أخرق يرتدي بالطو أبيض ممزق، ونأي بي في زاوية من المستشفى وقرر إعطائي حقنة فارغة في الوريد، استسلمت، وهنا فزع أهل الميدان بعد إلقاء القنابل على المستشفى، ولم تعد لدي قدرة على الحركة، استنشقت الغاز، وظن العسكر أني قد مت، وحملوني ثم ألقوني في صندوق كبير للزبالة.. نمت
***
صباح اليوم الثاني نادى عمال النظافة، اصحى.. إنت مين اللي رماك هنا؟ لم أرد.. إنت من الثوار؟ قلت: أنا القتيل.. بلا إثم ولا حرج. ودب النشاط في جسدي، ودخلت سوق باب اللوق، بدلت ملابسي بملابس وجدتها ملقاة في إحدى الغرف، وفي طريق عودتي إلى التحرير صادني شعاع الليزر الأخضر مرة أخرى، وانطلقت رصاصة جديدة إلى رأسي، تلقيتها وسقطت فحملني أحدهم فوق موتوسيكل وانطلق إلى المستشفى الميداني، وهناك نزلت خفيفا شاكرا قائد الموتوسيكل على ذوقه، وقفزت الرصاصة من جبهتي رهبة من أثر السجود البادي على وجهي، بحثت عن صلاح جاهين وسيد مكاوي، جلست جوارهما، نستمع إلى عازف العود، بدت ملامحه مألوفة، وتعجبنا من زيه العسكري، اتضح أنه اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية، سألته: إنت ليك حد هنا؟ قال: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم
توقف عن العزف، قام باحثا عن حقيبة بلاستيكية سوداء وأخرج منها بلوفر، وبدلة سوداء، قائلا: ده بلوفر شفيق، ودي بدلة طنطاوي، هتختار أنهي فيهم؟ أجبت بعصبية: ولا أي حاجة !!ـ ظهر شعاع الليزر الأخضر مرة أخرى على وجهي وتلقيت رصاصة بين عيناي للمرة الثالثة، وكان أول من التف حولي هم باعة الميدان، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: هو من الثوار؟ ولا مخبر؟ ده كان قاعد مع بدين من شوية!!؟
قررت نزع الرصاصة من رأسي وانطلقت ناحية الشرق
**
في ميدان العباسية رأيت فتيات وصبيان يتهارشون ورجال ذوي

خلقة عجيبة يهتفون: الجيش والشعب إيد واحدة. ومن بعيد رأيت حمدي بدين وحيدا مع العود يعزف ولا يسمعه احد، سألته: إنت ليك حد هنا؟ فأجاب مشيرا بيده بعيدا بنبرة خاشعة: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. نظرت إلى حيث أشار بدين، فرأيت ثلاثة حولهم أشعة الليزر الأخضر، كانوا : توفيق عكاشة، أحمد سبايدر، عمرو مصطفى
سألته من الرابع: قال : ثلاثة رابعهم كلبهم
تركت العباسية، وعدت إلى ميدان التحرير، واخترت الاعتكاف جوار سيد العلماء وشيخ المشايخ عمر مكرم، أسبح بحمدالله، وفي أوقات الضيق ألعب بالليزر الأخضر .. هكذا سأعيش


Thursday, November 03, 2011

هل الثورة مستمرة؟


من أجمل الكليشيهات التي يمكنك أن تراها في جرافيتي أو في عنوان تحالف سياسي أو مجموعة الكترونية على الفيسبوك، كليشيه : الثورة مستمرة. بإمكانك أن تكفر تماما بهذه العبارة إذا ما ركبت جوار سائق تاكسي محبط من زحام الطريق، أو حتى من زميل في العمل فقد بعض سطوته بعد الثورة. في هذه المواقف أتذكر يوم 28 يناير، حين شاهدت أصحاب الفيلات والشقق الفاخرة جنبا إلى جنب مع أصحاب الجلاليب المهترئة، كلهم في لوحة واحدة لا تعرف فيها من سيقتل بعد حين، أو من سيسقط بسبب الغاز المسيل للدموع. جمعهم سبب واحد هو الرغبة في التغيير والإحساس بأن هناك خطأ في هذا المجتمع
خذ عندك الكليشيه الأروع: هي الثورة رايحة على فين؟ . بعدها يدور سؤال في رأسك: أين الأعداد التي كانت متحدة في جمعة الغضب؟ دعنا ننظر إلى اللوحة الحالية.. هناك تركيز على الجانب السياسي.. انتخابات، دستور، فلول، محليات..الخ. وأزعم أن القوى السياسية الحالية ما زالت متشبثة بالثورة لأن اتحادها مبني على الثورة، رغم التنافس المتوقع مستقبلا
**
في مرة، اتخذت قرارا رائعا.. كنت أقوم بمحاولة تكوين رابطات بين سائقي التاكسيات كي يخلقوا ممثلين عنهم، خاصة في مواجهة نقابة النقل البري بما فيها من ظلم وتكلس إداري وتسلط، وأخفقت بعد محاولات أخرى مع سائقي موقف عبود، وسبب الإخفاق هو عدم التفرغ، في هذه اللحظات اقتربت من مفهوم "الدعوة" عمليا، وهو ما يتبناه بعض الشباب المسلم في شرائح متعددة من المجتمع حين يحاول إقناع شخصيات لا يعرفها من قبل بفكرة. بعد الإخفاق زاد إحساسي بأن الجماهير التي شاركت في يوم جمعة الغضب لم تكن تريد تغييرا سياسيا فقط، كان الفساد قد ضرب فكرة المؤسسة نفسها في مصر، إذ لم تخلو مؤسسة منه، حتى أصبحنا في مرتبة متقدمة في قوائم انعدام الشفافية دوليا
**
لم أنجح في اللحاق بالمسيرة المتجهة إلى سجن الاستئناف دعما لعلاء سيف، وسألني أحد المارة هذا السؤال: هو كان فيه مظاهرة من شوية؟ ولأني اعتدت بحكم السنوات الأخيرة أن أتبنى صوت المتحدث حتى أحصل على ما أريد – آخده على قد عقله – فأجبت قائلا: فيه حد اتحبس وراحو يعملوا مظاهرة ناحية باب الخلق. بعدها تلقيت رد فعله، إذ أبدى لا مبالاة صارخة. وسرت مع صديق وأنا أفكر فيما يكتب على الانترنت من أن كل هذا التصعيد المتبادل بين المجلس العسكري والقوى الثورية سيؤدي إلى ثورة جديدة.. ومرة أخرى فكرت في هؤلاء الذين كانوا جواري يوم جمعة الغضب وتلاشوا بعد التنحي، هل سينزلوا مرة أخرى؟
**
الطموح الثوري يجعلك مصابا بالنرجسية – احنا الشباب السيس اللي أسقطنا الرئيس- ويدفع البعض إلى أن يتوقع أن التغيير قادم، أو أنه حدث بالفعل، في حين أن كثيرين لا يرون تغييرا في واقعهم اليومي، بل يرون ما هو أسوأ.. وهنا يفاجئني ما أراه من لافتات لشباب دخلوا السياسة من باب الدعوة مثل الإخوان والسلفيين، هؤلاء لديهم القدرة على الوصول بأدوات دعوية تعتمد على الاتصال المباشر، وأشعر بالضيق لأن البعض اقتصرت دعوته على العبارات الدينية دون المبادرات، وأن التغيير لا يشمل الجميع، في حين أن آخرون يعملون في طريق آخر تماما عبر الانترنت أو الورش التدريبية فقط. ربما أشعر بسعادة حين أرى عبارات ثورية على الجدران تحاول الاحتكاك مع من هم خارج الحدث، لكنها في النهاية تفتقد الاتصال المباشر
**
بعيدا عن كليشيه هل الثورة مستمرة؟ هناك سؤال آخر: كيف تستمر الثورة/التغيير؟ هناك أبعاد خدمية وتنموية مفقودة تماما، وأصبح التركيز الآن على كل ما هو سياسي ومتصل بفكرة قيادة الجماهير وتكرار نشوة أيام التحرير.. اللعبة قد لا تتكرر مرة أخرى حين يهتف أحدهم ويقود عشرات الآلاف. ربما لم نجرب لعبة أخرى، أن نورط الآخرين في التغيير.. كنت معجبا بفكرة لجان حماية الثورة في الأحياء والمحافظات.. أطمح أن تتكون مجموعات ضغط شعبية، تستطيع التغيير والضغط على بنية المؤسسات المصرية الفاسدة، وألا يتم التركيز على مؤسسات الشرطة والجيش والبرلمان و..الخ. أطمح أن أرى حملات توعية في الشارع أو أن يظهر قادة رأي داخل الأزقة والحواري، وكذلك داخل النوادي الفخمة، واستغلال الغضب الداخلي في مؤسسات الدولة الآن، من يملك هذا في مصر سوى الإسلاميين لأغراض دعوية؟ كي تستمر الثورة/التغيير، لابد من رومانسيين يتحملون ما سيتعرضون له في الشوارع ومن غربة وسط الناس أثناء توصيل رسالتهم الحالمة، ودائما هناك أمل لأن من نزلوا - أو تضامنوا – في جمعة الغضب ما زالوا ينتظرون

Monday, October 10, 2011

الإدارة بالتخلف.. ما رأيت في فتنة التاسع من أكتوبر

قضيت أربعة أيام في ورشة تدريبية بين مسيحيين أرثوذكس وكاثوليك ومسلمين إخوان ومستقلين إلى جانب ناشطين سياسيين، في البداية كنت أقاوم احساسي بالأمان والألفة بسبب القلق الذي يخترقني قادما من المهنة العكرة التي أمتهنها. واستسلمت للسكينة والسلام في آخر يومين، لم أعلم أني بعد انتهاء الورشة بيوم واحد فقط سأعيش حالة طائفية كريهة في شوارع القاهرة، لكني رغم هذا لم أصدم مما رأيت.. الغريب أن حالة الصدمة الأولى في ذلك اليوم كانت حين وقفت أمام مبنى المؤسسة التي أعمل بها ولم تكن لدي رغبة في الصعود إلى الطابق الرابع حيث أعمل، في عالم التوتر والقلق والأسئلة الوجودية العظيمة المختلط بأحاديث التفاهة والتشتت
**
في ذلك اليوم هنأت والدي بعيد ميلاده الرابع والستين، لكنه لم يبد أي اهتمام بهذا الحدث، لدينا قلق آخر على حالته الصحية، في صباح ذلك اليوم استقليت عدة مواصلات مارا من أمام ماسبيرو وقرأت عبارة أسفل كوبري 15 مايو تقول: نحن نحرص على الموت مثلما تحرصون أنتم على الحياة. ربما كتبها أحد الثوار، وكانت تجاورها عبارة تؤيد مبارك !! .. بعد انتكاسة العودة إلى الشارع و العمل حيث البيئة غير الآمنة، بدأت في متابعة الأخبار السيئة من ماسبيرو، أحبطت من المشاهد على الفضائيات، وشعرت أني محاصر تماما، جاءتني مكالمات هاتفية تحذرني من المشاركة لأن الوضع كان سيئا فيما يبدو، أحد زملائنا المصورين نقل لنا مشاهد دهس المتظاهرين المسيحيين بمدرعات الجيش، وبدأت في الاتصال بمن أتوقع أن يكونوا هناك، بعضهم أجاب الاتصال، وآخرون كانوا عالقين داخل الأحداث
**
في التاسعة كنت قد تركت الجريدة مع زميل قرر مشاركتي بدافع القلق عليّ لأنه يعلم مدى تهوري في معايشة الأحداث الغريبة، وأني أفعل هذا بدافع شخصي لا مهني
رفضت التاكسيات المرور ببولاق أبو العلا، وحين قبل أحدهم دار بيننا حديث حتى نزلنا الزمالك أسفل كوبري 15 مايو، وبدأت في تلقين زميلي اجراءات الأمان، إذا سألنا أحدهم سنقول كذا، فوجئت أمام الخارجية ببدايات المشهد.. سيارات محترقة، شباب يحاولون تفكيك أجزاء سليمة منها لبيعها، إذ أن سوق السبتية المجاور سيوفر لهم فرصا جيدة لترويج ما سرقوه، وفجأة.. أكثر من خمسين شابا يحيطون بثلاث فتيات وظللت أسير معهم متوقعا حادث تحرش أو اغتصاب.. أحدهم قال لهم: احنا هنطلع دين أبوكو انهاردة، والفتيات مذعورات. ربما هن مسيحيات أو مسلمات لم أعرف، لكن من المؤكد أن الشباب كانوا مترددين في اتخاذ اجراء عنيف ضدهن
فوجئت أيضا بشاب ملتحي يجادل امرأة شلق تدافع عن العنف، وهو يقف ضد ما حدث من تخريب وعنف ضد المسيحيين الذين حاولوا الاعتصام، قال أن الجيش فرم الناس، لكن من حوله رفضوا تلك الحجة مرددين بأن الناس قتلوا عساكر من الجيش
بدأت أبحث عن الملتحين المتواجدين، أغلبهم كان متواجدا في عدد قليل و بشكل سلبي من الأحداث يراقب ويتابع. رأيت أحدهم في تلك اللحظة يجادل آخرين في أن المسيحيين مخطئين.. أغلب المتواجدين شباب تبدو عليهم مظاهر الفقر والجهل، أحدهم وقف على سيارة محترقة رافعا علم مصر مرددا: ×× أمك يا مسيحي، على طريقة هتافات مدرجات ستاد القاهرة، ومراهق آخر يتحدث برعونة عن بطولات زملائه المراهقين الذين تصدوا للمسيحيين وكيف قذفوهم بالحجارة دفاعا عن الجيش.. كنت قبلها قد رأيت على شاشة التلفزيون المصري تغطية تحريضية و طائفية، أحد المراهقين وقف أمام سيارة محترقة ثم قال مرددا: شوفت .. التلفزيون مش بيكدب
فجأة يظهر رجل يرتدي بدلة أنيقة التف حوله مجموعة كبيرة من الشباب قائلين أنه مسيحي، وتم الدفع به ثم تسليمه إلى الجيش، وظهر آخر معه ورقة تابعة لاتحاد شباب ماسبيرو زاعما أنه اختطفها من الرجل الأنيق المسيحي.. وأخذ يقرأ منها فقرات عن : التصعيد ضد المجلس العسكري. وتبادل الجميع عبارات الادانة ضد من يريدون تخريب البلد من أقباط المهجر
في الطريق كنت أسمع شتائم للمسيحين من أغلب الشباب والمراهقين، مع بعض المحاولات الهزيلة لشباب ورجال أكبر سنا للدفاع عن المسيحيين ودحض تلك الروح الطائفية ، ظل الأمر كذلك في تلك البقعة المدنسة ناحية ماسبيرو ثم رأيت مسيرة تهتف : اسلامية إسلامية.. لم يكن بها أي سلفي، سوى رجل ملتحي يقودهم، سرت معهم، وكان أغلبهم من المراهقين والشباب رث المظهر ومن تبدو عليهم مظهر البلطجة
في ذلك اليوم ظهرا كنت قد مررت على المظلات، ورأيت على أحد الأسوار عبارة عظيمة تقول: النظافة من الإيمان، ممنوع التبول. وبعدها بمسافة بسيطة عبارة أخرى: النظافة من الإيمان.. ممنوع التبول يا خـول
تذكرت هذه المفارقة حين تقترن عبارة مثل: النظافة من الإيمان تنتمي إلى الموروث الاسلامي بسباب
هذه العقلية هي التي كانت تحرك من رأيتهم في ذلك اليوم، أن يهتف ضريب ترامادول وبانجو.. إسلامية إسلامية وكل هدفه هو الشجار والعراك، تماما مثلما كان الحال في حرب مباراة مصر والجزائر
تابعت السير ناحية التحرير، في الطريق كانت هناك بقايا رائحة غاز مسيل للدموع، وإلى جوارنا مجموعة من عساكر الجيش يهرعون إلى التحرير جريا، وفجأة استدار الجنود وهجموا علينا ثم جرينا ناحية شارع جانبي لنكتشف أننا محاصرون، أحد من كانوا إلى جواري أصابه الهلع، فقلت له أن الجيش يريدهم أن يفروا فقط، وأننا لسنا محاصرون، ظللت أتقدم ناحية الجنود وهم يحذروننا من التقدم لأنهم مشغولون بقتال آخرين ناحية ميدان طلعت حرب، رأيت طبيبا شابا في حالة ذعر من صياح بعض أصحاب محلات وسط البلد الذين أغلقوا محلاتهم اضطرارا، سمعت عبارات: دول اخواتنا المجندين.. هو ده جيش صهاينة !! .. حاولنا تهدئتهم كي لا يفتكوا بالطبيب الشاب الملتحي الذي أراد تطبيب أي مصاب، حتى أنه قال لضابط جاء من ميدان طلعت حرب : هل معكم مصابين؟ لإظهار حسن نيته. وأجاب الضابط: المفروض لو حد جه من الناس دي تاني ترجعوهم!! استوقفتني العبارة، لكن قطعها تصفيق بعض الواقفين هناك للجنود العائدين من ميدان طلعت حرب بعد نجاحهم في تفريق متظاهرين وإطلاق النيران. الكل كان على وجهه علامات الذعر.
في ميدان طلعت حرب رأيت أصدقاء أعرفهم، منهم مينا الذي كان معي في الورشة التي تحدثت عنها في البداية، وصديق آخر هو هيرماس الذي شاركني كثير من المصائب والعمليات الخطرة خاصة في اعتصام 8إبريل.. رأينا مجموعات متتالية لشباب أعتقد أنهم نفس الشباب الذين كانوا يرددون العبارات الطائفية عند ماسبيرو، ويهتفون أيضا: إسلامية إسلامية.. ليس معهم سلفيين، يقودهم شباب تبدو عليهم مظاهر العنف، وبعض الشباب مروا جوارنا رافعين الأحزمة، وبعضهم مر لاعنا المسيحيين وكانت نصف المجموعة التي أقف معها من المسيحيين، أحد الشباب قرأ لافتة لمحل مصوغات مكتوب عليها اسم صاحبه: جورج، وبدأ في محاولة ضرب الباب بقدميه، وحين أخفق، رحل مع المسيرة غريبة الشكل
كنا نتحدث أنا ومينا عن تلك المفارقة بين حالة السلام التي عشناها في الورشة التدريبية وما يحدث حولنا الآن، وحين سمعنا عن تجهيزات سلفية للهجوم على أهالي الفجالة والمستشفى القبطي الذي يحيط به أهالي القتلي من المسيحيين، قررنا الذهاب إلى هناك، وشجعنا على ذلك مرور مسيرة قادمة من التحرير تهتف ضد المجلس العسكري مع هتافات تحض على الوحدة الوطنية، وسرنا معهم، كنا ثلاثة، وعدد المسيرة لا يتجاوز الستين فردا، وكان إلى جواري امرأة منقبة تهتف مسلم ومسيحي إيد واحدة، وأغلب المسيرة كانت من الشباب وأربع فتيات إحداهن محجبة. وطوال الطريق رأينا نظرات الدهشة تطل علينا من شوارع وسط البلد حتى الوصول إلى رمسيس، كان الجميع يتوقع مذبحة عند المستشفى القبطي بين الشباب الأرعن الذي يتستر خلف هتاف الله أكبر ويلعن المسيحيين ضد الشباب القادم من التحرير. وفي الطريق كانت تأتيني مكالمات من أصدقاء يدعونني إلى المبيت لديهم إذا ضاقت بي السبل، وفي ميدان رمسيس، كانت بوادر مشهد جديد، شباب متهور من الذين رأيتهم ناحية ماسبيرو، ربما ينتمون إلى بولاق أو السبتية يرفعون أجهزة الصاعق ذات الصوت المميز، وأحدهم معه كزلك يتباهى به وسط الميدان، وتم تهديد مسيرة التحرير التي انسحبت عائدة إلى وسط البلد بعد منعهم من العبور وبعد أن قيل لهم: لو لقينا حد مسيحي هنطلع ميتين أمه. قالها مراهق لا يتجاوز الخامسة عشر، واستوقفنا شاب يرفع بطاقته، ويخشى العبور خائفا من أن يتم تهديده، أو أن يعتبره البعض مسيحيا، وكنا قد علمنا عن أن هناك حظرا للتجوال سيتم تطبيقه في منطقة التحرير ووسط البلد من الثانية صباحا
**
فوجئت بأننا جئنا للمرة الثانية بعد انتهاء المعركة، إذ كانت المسيرات السابقة التي رأيناها في طلعت حرب قد قامت بواجبها وحطمت أكثر من سبع سيارات وأحرقتها، ورأيت للمرة الثانية من يحاول سرقة محتويات إحدى السيارات. كان أهالي تلك الناحية في حالة غضب واشمئزاز من الموقف، ورأيت محاولات للتهدئة، لكن في تلك المواقف أنت لا تعرف من معك ومن ضدك، رأيت مدرعات للجيش تحمي المستشفى القبطي، ومجند فوق إحداها يجادل بعض الشباب المتعصب قائلا أن أقرب أصدقاؤه مسيحي، وفيما يبدو أنها قد جاءت متأخرة ، إذ كانت بقايا الطوب المتكسر والزجاج تملأ شارع رمسيس
في 28يناير كنت في نفس المكان.. وقتها شعرت بدهشة كبيرة، والآن تلك هي المرة الثانية التي أكون فيها في نفس تلك البقعة، أتجول بحرية بعيدا عن زحام السيارات المعهود، لكن مع أشخاص مختلفين، أتذكر في جمعة الغضب حين تم أسر أحد حراس الكنيسة بسبب جهاز اللاسلكي الذي كان بيده، وتم التحفظ عليه في المسجد المجاور حماية له، أما في التاسع من أكتوبر فأنا هنا في موقعة أخرى لم أتوقعها.. أحد شباب الفجالة قال لنا أن بعض من جاؤوا قيل لهم أن المساجد تحترق جوار المستشفى القبطي، لكني لا أصدق أن هذا السبب قد جاء بهؤلاء الشباب، إنما هي مبرراتهم، فقد كانوا يبحثون عن خناقة.. هكذا الأمر ببساطة، ووجدوا هدفهم في شجار أقرب لمعارك الفتوات في القاهرة القديمة بين الأحياء المختلفة
العجيب أني رأيت الرجل السلفي الذي كان يحرض الناس أمام هيلتون رمسيس ويقود مظاهرة من الشباب الأرعن، رأيته مطرودا من أمام المستشفى القبطي، واتجهت نحوه قائلا:
ـ يا شيخ أنا شوفتك عند هيلتون رمسيس، وكنت جاي معاك ، فاكر كنت بتهتف بتقول إيه؟
ـ كنت بقول إسلامية إسلامية.. دول قتلوا الجيش، وعايزين يحرقوا الجوامع، دول حرقوا المصاحف، وقطعوا هدوم اخواتنا المنقبات...الخ
ـ طب إنت إيه اللي جابك هنا يا شيخ، اشمعنى هنا؟
دار حواره على هذا المنوال الغريب، وظن أن صديقي هيرماس مسلما، وجذبه من لحيته قائلا: دول لو سكتلهم مش هتعرف تسيب دقنك دي!!ـ
كنت قد بدأت في الانهيار من التعب، لكن ما حدث أني فوجئت بأن أصدقاءنا الذين تركناهم في طلعت حرب ورحلنا مع المسيرة، قد جاؤوا خلفنا إلى المستشفى القبطي، واتصل بنا أحدهم، ليعرفنا بشاب نوبي اسمه أيمن معه بعض تحليلات عن قصة كنيسة الماريناب، وملخصها أن العادات هناك ترفض وجود الغرباء أيا كانوا، وأن التقاليد القبلية بشكل عام لديها حساسية من التعايش مع الاختلاف
**
أكثر ما ضايقني أننا نعود إلى دولة الفشل التي كان يديرها مبارك، كانت أكثر اللحظات كآبة تلك التي رأيتها في ماسبيرو بعد انتهاء المعارك، إذ رأيت السلطات والاعلام يعتمدان على تكريس روح الجهالة، مثلما حدث تماما في حرب الجزائر الكروية، هناك من يريدون إدارة مصر بالتخلف، هذا أكثر ما صدمني، أن الشارع كان يتحرك على أساس الجهالة والرعونة، على عكس ما كنت أرى أيام الاعتصام التحرير الأول حين كان ينصاع الجميع لروح التقدم إلى الأمام
كان ذلك ما رأيت، وكان عليّ أن أكتب

**

Sunday, September 25, 2011

شاب بدون رئيس

(1)
عزيزي عمرو .. أكتب إليك في هذه الأيام العظيمة التي لا تتكرر كثيرا، أنا الآن رجل بلا رئيس. أحتفل بعيد ميلادي الرسمي في أول أكتوبر مع مشاعر جديدة.. وغريبة، ولأننا قد ولدنا سويا في عام العظماء 1980، فإنك تدرك جيدا ما أشعر به الآن، قد قضيت 30 عاما مضت في ظل القائد الطيار الجبار محمد حسني مبارك، أنا اليوم بلا مبارك يا عمرو.. أعلم أنهم سيختارون رئيسا، وربما يكون قد تحدد اسمه في لوح محفوظ لا يراه سوى أهل الحل والعقد والراسخون في العلم، أقدر تفاؤلك وعباراتك الرنانة في أن العالم قد تغير، لكن ما زال الواقع حولنا لم يتغير تماما، أنت تعلم سنتي وحكمتي في أن أكتب كل عام في مثل هذا التوقيت عما جرى لي في العام السابق من أفعال الدهر، اليوم أجدني عاجزا عن فهم ما حدث، لقد غيرتني الأحداث، أصبحت أكثر تهورا وحماقة، واشتعلت رومانسيتي في خلق عالم جديد، وأخشى أن أسقط محبطا حين أواجه بحماقة الآخرين التي تسير في الاتجاه المضاد.
**
هل تعلم أنني قد ولدت في الثاني من سبتمبر وسجلوني في شهادة الميلاد في الأول من أكتوبر .. ستجد شريحة من المصريين كذلك، لأننا في مصر نحدد سن التسجيل في المدارس والجامعات والتجنيد بأول أكتوبر. وأوصت جدتي بأن يتم تسجيلي في أول أكتوبر حتى أكون متوائما مع المواعيد الحكومية المقدسة، هذا الفارق البسيط بين أوائل سبتمبر والفاتح من أكتوبر ينقلني لا إراديا من برج العذراء إلى برج الميزان، وكثيرا ما تلاعبت بصديقاتي العظيمات المهووسات بعلم الأبراج حين أتعامل معهن على أني رجل الميزان، ثم أفاجئهن بأني.. عذراء.
فاتك يا عمرو مشهد ذلك البواب النوبي الذي استوقفنا أنا وأصدقائي جوار السفارة الليبية مستهجنا ما يحدث حوله من احتفالات صاخبة، إليك ما حدث.. اتجهنا إلى السفارة الليبية بعد سماع أنباء عن سقوط طرابلس قلعة القذافي العتيد، ورأيت بعيوني كيف احتفل الليبيون المقيمون في مصر في الزمالك بمشاعر أن يكونوا بلا رئيس، هل تعلم ذكرياتي مع هذه السفارة؟ سأروي لك.. لقد كان بحث تخرجي من الجامعة تحت عنوان : العلاقات السياسية بين مصر وليبيا (1951- 1977)، وحين حاولت دخول السفارة آنذاك لعب بي الأمن الليبي أسوأ الألعاب، كلما دخلت من بوابة قالوا لي ممنوع، إذهب إلى البوابة الأخرى، ولفيت السبع لفات، من بوابة لأخرى، حتى سمحوا لي، وفي الداخل لم أجد رسائل دكتوراه تفيدني في بحثي، كانت المعاملة سيئة للمصريين، أو هكذا اعتقدت، لكن بعد أنباء سقوط طرابلس وجدت الليبيين يهتفون: مصري .. ليبي .. إيد واحدة. وفوجئنا بالبواب يتحدث ساخطا عن فكرة أن تكون بلدك بلا رئيس وقال: إحنا في بلد دلوقت من غير رئيس .. يعني احنا في بلد شيوعية، أي حد في امبابة عايز يقتل حد هيقتله" . لم يكن وحده من قال هذا الرأي، سائق التاكسي قال لي نفس الملحوظة، وكلاهما فوق الستين، أي أنهم رأوا رؤساء آخرين غير مبارك.
**
هل تعلم يا عمرو أبعاد المشكلة !؟ نحن نرفض أن يكون لنا قائد، ولا تسألني: من أنتم..؟ فآخر من قالها أنت تعلم مصيره جيدا. لقد حاولت يا عمرو إسقاط رؤساء آخرين في قلاع حصينة، وأعترف أنني فشلت، بكل فخر "أنا علّمت على ناس جامدة". وحتى كتابة هذه الكلمات، سيظلوا في دأبهم "للتعليم عليا".
هل تذكر ما كتبته لك على تويتر أن: مصر تشهد صراعا بين "جيل ما بعد حداثي"، لا يؤمن بالقيم الزائفة التي تم ترويجها في حياته على مدار عقود، في مواجهة عالم آخر ينتمي إلى كل ما هو قديم وتليد، عالم يورث فيه الأب مهنته إلى ابنه، عالم تحول فيه الرئيس إلى الكاهن الأكبر الذي يخرج في كل مناسبة دينية واعظا شعبه المؤمن، كنا في عالم يقوده رئيس هو قائد الشرطة والجيش وكل شيء، عالم من أيام الفراعنة، عالم شبيه بحكم القبائل لأفرادها، بل أسوأ، نحن نصارع من يعتنقون هذه المبادئ، نحن نشهد صراع العصر القديم، ضد العصر ما بعد الحديث. هل تعلم إلى ماذا سنصل؟ إلى الدولة الحديثة، هذا هو الطموح الأكبر، إلى مؤسسات تسيطر على أبنائها، أتوقع يا سيدي أننا سنعيش في ظل دولة المؤسسات التي لم نعشها من قبل، لكن.. لم يكن هذا هو طموحي أو طموحك، ولأقل لك -وعن تجربة- إن أصعب الحروب تلك التي تخوضها ضد المؤسسات.
**
إلى متى سأظل تحت إبهار يوم 28 يناير؟ هل أنت أيضا تحركك مشاهد ذلك اليوم؟ أعلم أنك كنت أكثر نشاطا في يومي 26، و27 يناير.. وكلما تحدثت مع أحدهم أكد لي أهمية هذين اليومين، فالحقيقة لا أشعر بأهميتهما، وليست (نفسنة) والله ! كل ما هنالك أن ظروف 28 يناير أو جمعة الغضب هي التي أدت إلى كل ما حدث. أتذكر أنني قد مررت في 25 يناير من أمام دار القضاء العالي، وكما تعلم فأنا أكره المظاهرات والهتافات، لأقل لك سرا.. أنا لم أهتف أبدا في أي مظاهرة، وقبل أحداث الثورة – إن كانت ثورة- لم أقف متظاهرا، أنت تعلم كراهيتي لعالم النشطاء الشبيه بالجيتو – حارة اليهود- وتعلم كم الانتهازيين الذين يتكسبون من التواجد في دوائر هذا العالم. في 25 يناير رأيت بعض هؤلاء، لكن الأغلبية لم أرها من قبل، وكانت المفاجأة عند دار القضاء العالي قرب السادسة مساء حين وجدتهم قد أغلقوا شارع رمسيس، والشرطة تشاهد ما يحدث ببرود، تركت الهتيفة والمتظاهرين وتجولت بين صفوف الأمن، واخترت احد ضباط أمن الدولة ودرت حوله دورة كاملة وقد تجاهلني تماما، شعرت بإحساس غريب لم افهمه، أنها لحظتي، أو لأقل بتواضع هي لحظة أمثالي الذين ضاقت بهم الأرض، وان موعدهم قريب في قيادة الأحداث، وأنه قد حان موعد انسحاب كتيبة النشطاء وإفساح المجال لمن لا يثورون إلا مرة واحدة. اتجهت إلى الجريدة حيث كنا زملاء في يوم من الأيام، وقررت أن أعود وأمر على أصدقاء لي في جريدة الأهرام، وفوجئت بأن الدنيا انقلبت قرب دار القضاء حرفيا، إذ وقعت صدامات قوية رأيت بقاياها في شوارع احتوت طوب متكسر وحواجز حديدية ملوية. سرنا وطفنا لساعات وبمجرد نزولي مترو الأنفاق قرب الثانية عشر كان فض مظاهرة ميدان التحرير العظيمة قد وقع، ثم تابعتك على تويتر.
**
أنت تعلم مزاجي يا عمرو.. أنا ابن هذه الأحداث، لا أقدر القيم الكبيرة الزائفة، بما فيها قيمة الثورة، لكنك تعلم مدى مثاليتي وأفكاري الرومانسية عن كل شيء، وبين أداء ومظهر عدمي، وجوهر أخلاقي مثالي، أعيش حياتي. هل تذكر ليلة جمعة الغضب كيف قضيناها؟ كنت أتابع تصريحات السيد صفوت الشريف وأناضل ضد ما كانوا يفعلونه في الفيسبوك، وأقاوم رداءة الانترنت، كان موعد الشيفت في الجريدة، ونزلنا، والتقيتك في سينما نايل سيتي ليلا، وكنا على موعد مع الفيلم العظيم 365 يوم سعادة.. أنت تعانق كيس الفشار، وأنا أعانق بعيوني الفنانة العظيمة لامينا فرنجية التي تذكرني بزميلتي اللبنانية السابقة. لقد أدركنا في ذلك اليوم أن معنا على هذا الكوكب من لا يدرك معنى الثورة أو الاحتجاج، كانت السينما ممتلئة على آخرها، وإلى جوارنا امرأة عراقية تحدث زوجها في الهاتف وتزعجنا، وبعد أن خرجنا وقفنا أمام النايل سيتي أمام النيل العظيم وسألتك: هتعمل إيه بكرة..؟ لم أكن أعرف ماذا فعلت قبلها بعد يوم 25 يناير، وذكرت لي أنك ستصلي في مسجد خالد بن الوليد في الكيت كات، أما أنا فلم أعرف بماذا أجيب.. لم يكن لدي ادني استعداد للفشل، أو أن أسير في ركاب نشطاء يطمحون إلى أخذ مكان مبارك وصفوت الشريف و....
**
أعتقد يا عمرو أن انقطاع الانترنت، وانقطاع الاتصالات الهاتفية في هذا اليوم قد كانا كلمة السر التي رأيتها في اليوم التالي، أنت لا تعلم تفاصيل الرواية التي كنت أنوي كتابتها قبل سنوات، في يوم 28 يناير أو جمعة الغضب رأيت المشهد الأخير في هذه الرواية التي لم أكتبها، كنت أتمنى لو أعرف البكاء كي أبك تأثرا من مشاهد جمعة الغضب، لكن الذهول كان أقوى. لم يكن معي أي وجه من وجوه وسط البلد العظيمة، سأحدثك عن هذا اليوم لاحقا. ووقتها لم أفكر أبدا في أنني سأعيش بدون رئيس في ختام عامي الثلاثين، سأحدثك متى اتخذت هذا القرار، أن أكون بلا رئيس. إممم.. هل تعلم ؟ لقد عشت أغلب حياتي وأنا رئيس نفسي، في العمل.. وفي المنزل، وبين أصدقائي.. أما على المستوى السياسي فلم يكن مبارك يمثل لي أي شيء. كان رئيس المصريين، ولم يكن رئيسي . هناك الكثير من الأشياء التي أريد أن أحدثك عنها، عن حياتي المهنية عن أصدقائي، وعن محاولاتي الارتباط. وعن أشياء كثيرة، كلها كانت في مرحلة الثورة. ودعني أؤكد لك في ختام هذه الرسالة الخالدة، أنني لم أتغير كثيرا، أو لأقل لك بصراحة أنني ما زلت أقاوم التغيير، وأحرص على السذاجة والمثالية والعدمية بثورة أو دون ثورة، برئيس أو بدون رئيس

Tuesday, September 13, 2011

لأن الوقت يمر >>31

لدي رغبة في الكتابة.. كان في رأسي موضوعان، الأول عن مصير الثورة – لاحظ التعبير- والثاني عن إتمامي العام الحادي والثلاثين. لكن .. لن أكتب عن هذا أو ذاك، والآن أنا في مود الحساسية العظيم. وعليّ أن أكتب أشياء أخرى –غصبا- بعيدا عن هذه المساحة. وفي هذه المرحلة الجميلة، أقترب من مزاج قديم لا يراعي القيم الكبرى أو يقدسها إلا سرا، ولا أعلن عن هذه الأسرار سوى في نوبات حادة وسط جلسات حماسية، أدرك الآن جيدا أن الحياة مشوار طويل وعليك ألا تقلق من حجم مكاسبك و خسائرك، وأن تتأكد من أن المكاسب والخسائر هي ظلال العمل والحركة. حسن... أنا أريد الآن أن أكتب عن العام 31. في الثاني من سبتمبر أو عيد ميلادي غير الرسمي، عدت من الإسكندرية، ولا أتذكر كيف قضيت بقية اليوم، جلست قبل الرحيل أمام البحر وحاولت أن أنفذ وصية صديقة طالبتني بأن أحاور البحر وأناقشه، قلت لها مازحا أن هذا شرك بالله، وتذكرت بيت أبو نواس: إن كان لا يدعوك إلاّ محسن ** فمن الذي يرجو ويدعو المجرم . رحلت عن المدينة عائدا إلى القاهرة، وطوال هذه الفترة شعرت أن نوبات الضيق والقلق ليس سببها الإجهاد من العمل أو َنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، لكنها ناتجة عن صراع بين الانكباب على متعة زائلة، و واقع بأن الحياة لن تسمح لنا بأي متعة، لقد خلق الإنسان في كبد
**
أعلم الآن أني أسكن في جيرة الخسران المبين، فرغم ضرورة الابتعاد عن القلق من الخسائر والمكاسب، إلا أن هناك أشياء إذا ما ضاعت منك، لم تعد أنت، وقد تفسد عليك مشوارك، واعترف أني أفقد الآن بعض هذه الأشياء
**
في العام 31 واجهتني بالحقيقة.. وسألتني على طريقة القذافي: من أنتم؟ وأضافت: من تريد؟ هل ستعود؟ أم أنك مع المتعة حتى النهاية؟ لم أرد، وانسحبت، وأتوقع ضربة قوية تردني إلى صوابي، أو مغامرة متهورة تنقلني إلى عالمي. ليس هناك جديد الآن. قريبا سيكون هناك تجديدات لا أعرفها، وشتان بين الجديد والتجديد. كتبت اليوم على الفيسبوك الرائع هذه الجملة العبثية: حين تفقد بوصلتك، اشتري واحدة جديدة. أعلم أنها عبارة لا تعبر عن إجراء ممكن، لكني كتبتها.. هكذا ببساطة، بالأمس قرب الفجر، كنت أجلس مع صديق على المقهى وأخذ يحلل شخصيتي ومدى أهمية ألا أنزعج من أي مقولة أو عبارة يلقيها أحدهم. سواء كانت قد ألقيت عمدا أو دون قصد. في هذا العام حدث تحول خطير، حين فوجئت بأن البعض يراني كتجربة يتابعها، ولا يقبل أن تنته، وأن هناك من يريد أن يربط تجربته بتجربتك.. هل هذه هي شروط المتعة المؤلمة أن تجد الآخرين في هذا الموقف؟
**
في العيد الماضي جربت ألا أتحدث إلا لدقائق معدودة لأغراض أساسية، محاولا محاكاة تأملات الرهبان والمتصوفة على الجبال، لم استفد كثيرا، لأني لم أكن أبحث عن شيء على عكس السفريات السابقة، حتى أنني لم أدعي البحث عن ذاتي أو أي شيء من هذا القبيل، أشعر بأن لي رأي هام فيما يحدث، ولدي رغبة في أن تصل كلماتي إلى أبعد مدى، والوقت يمر.. وقد اكتفيت بالحد المسموح
**
في العام 31.. أعلن أني منهك إلى حد كبير، فاقد للرغبة في المغامرة، عدت إلى حالة ما قبل الخامسة والعشرين حين كنت أعلم أني أكبر من هذا السن، متأكد اني عما قريب سأبحث عن روتين جديد.. لأن الوقت يمر

Monday, August 01, 2011

ما حدث في اعتصام التحرير

لغز اللواء حسن والثوار المستقلين
شباب التحرير يبحثون عن إجابات لأسئلة الميدان



على مدار الأسابيع الماضية تكررت أسئلة حول اعتصام التحرير واختلافه عن الاعتصامات والمليونيات السابقة، إذ تدور أسئلة حول المبادرات التي تخرج من الميدان أحيانا لإغلاق مجمع التحرير في مرة، وطرد الباعة الجائلين في مرة أخرى، أو خروج مسيرة في غير موعدها و إرهاب المعتصمين أنفسهم بسبب الأداء العنيف لبعض المتحكمين في الميدان. على صفحته في شبكة فيسوك الاجتماعية كتب أحمد نادي فنان الكوميكس "القصص المصورة" في 10 يوليو الماضي ملاحظة على وجود جبهة داخل ميدان التحرير هي المسيطرة على الموقف. وذلك بعد محاولات حرق خيام المعتصمين قبلها بأيام، إذ كتب قائلا: "حذرت من كيان يدّعي انه ثوري يطلق على نفسه اسم (الثوار المستقلين) لأنني تتبعت الكثيرين من مثيري الشغب في الأيام التي سبقت حادثة حرق الخيام عرفت أشكال بعضهم من الاعتصام الذي كان في نهاية فبراير و أول مارس أيام المطالبة بإقالة حكومة شفيق، و قد كانوا يؤدون نفس الدور و لكن بشكل محدود .. وجدتهم مرتبطين بخيمة تعلق اسم هذا الكيان و كانت هذه الخيمة قد بنيت على أعمدة من يافطات المرور مما أثار استهجاني من هذا التخريب". لم يكتف نادي بما ذكره من معلومات وأكد أن خيمة الثوار المستقلين كانت تستقبل باعة جائلين رغم الصدامات المتكررة معهم، كما لاحظ أن بعض الشباب المنتسبين لهذه المجموعة يفتعلون الشجارات دون مبرر، وأن هناك اختراق للاعتصام رصده في عبور مجند من قوات الأمن المركزي يرتدي ملابس مدنية إلى الميدان بسبب سيطرتهم على أمن الميدان.
وقد اعتبر بعض المراقبين إجراءات مثل تعطيل مجمع التحرير أو محاولة محاصرة مجلس الوزراء بمثابة مبادرات طائشة لا تلاءم سمعة ميدان التحرير الشهيرة، إلا أن تكرار حوادث التوتر داخل الميدان دفعت المعتصمين أنفسهم إلى طرح أسئلة عن "الثوار المستقلين" وعن شخصية اشتهرت مؤخرا في الميدان هي "اللواء حسن" الذي له دور هام في التنسيق بين لجان الأمن في اعتصام التحرير الأخير منذ بدايته. وحسب أحد المنتسبين لأحد التيارات السياسية في التحرير فإن "اللوا حسن" الذي يشاع عن أنه ضابط متقاعد بالقوات المسلحة على صلة بكثير من الشباب المتسببين في التوتر في الميدان. إلا أنه أضاف: "لن يتحدث أغلب نشطاء القوى السياسية عن شخصيات مثل اللواء حسن أو الثوار المستقلين أو دور بعض شباب لجان الأمن، خوفا من الصدامات الداخلية و خشية تشويه صورة الاعتصام الذي ضحى الكثيرون بأوقاتهم من أجل إتمامه.. لن نسمح لهؤلاء بإفساد عملنا". وفي مساحة أخرى على موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة أثيرت نفس الأسئلة ، إذ كتب عمرو عبدالله معلقا على خروج مسيرة في يوم 22 يوليو الماضي قبل المسيرة الشهيرة المتفق عليها في 23 يوليو قائلا: "الثوار المستقلين هما اللي عملوا المسيرة دي، و كده بنتجر لحاجه معينه". وكانت مسيرة قد خرجت بشكل مرتجل إلى ميدان العباسية قبل المسيرة التي دعت إليها قوى سياسية بيوم واحد ولم يعرف أغلب المعتصمين من الذي حركها، وفي نفس تلك الليلة اتهمت حركة 6 إبريل مبكرا بأنها هي من حركت المسيرة الأولى رغم نفي الحركة لاحقا لهذا الاتهام. وفي تعليقه على هذه الاتهامات رفض عبدالفضيل – حسبما اشتهر في الاعتصام- المتحدث الإعلامي للثوار المستقلين تلك الاتهامات قائلا: "بالفعل .. هناك بعض المنتسبين للثوار المستقلين يتسمون بالأداء العنيف، لكننا نستبعدهم فورا". أما عن علاقة الثوار المستقلين باللواء حسن صاحب الحضور الغامض في الميدان فنفي المتحدث الإعلامي تلك الصلة لكنه أضاف: "البعض يريد أن يساعد من منطلق وطني.. هذا كل ما في الأمر". وعلى صفحتها على تويتر نقلت الإعلامية والسياسية بثينة كامل عن أحد النشطاء الآتي: " عبده تبع اللوا حسن افتعل خناقة وكسر خيمة بدعوي إن أصحابها شيعة وكل ما الناس تهدي وتهتف أيد واحدة يشعللها"، بينما ذكر معلق آخر على تويتر: " أنا مش عارف ازاي إحنا سامحين لأتباع اللوا حسن ده إنهم يتحركوا في الميدان واحنا عارفين إنهم ثورة مضادة؟؟". تلك الصورة الضبابية تزيد من حدة الإشاعات والاتهامات المتبادلة دون حسم أو دليل على ما يروجه البعض من وجود جبهات جديدة في الاعتصام تريد إفساده. خاصة بعد تحييد الكثير من القوى السياسية التي اكتفت بحضور شكلي داخل ميدان التحرير.

**
الفيتشر السابق أرسلته، ولم ينشر.. و لم أسأل عن السبب، لكني حمدت الله لأنني لم أكن راضيا عن كتابته منذ البداية، ببساطة لأني لا أملك دليلا أو معلومة حقيقية سوى شهادات جمعتها أو سمعتها مصادفة من الميدان، إلى جانب ملاحظات ميدانية رأيتها بعيني، لكن السبب الأهم هو أنني كنت أعتقد في تلك الفترة -قبل أسبوع- أن نشر مثل هذا الموضوع قد يكون مسيئا للاعتصام
**

كانت كلمات السر دائما: ائتلاف الثوار المستقلين، ولجان أمن الميدان، واللوا حسن ( 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ). وشاركني في جمع هذه الألغاز العديد من الأصدقاء أذكر منهم تحديدا: أحمد زكي عثمان. وتبدأ القصة حين بدأت في المواظبة على الاعتصام ليلا بعد الواحدة. كانت الروح السائدة هي روح (تطفيش) من الميدان، أذكر أني كنت قد كتبت عن هذا من قبل، لكن تلك الروح أخذت في التنامي، مثل ان تجد شبابا غريبي الأطوار في الميدان يدخلون في صراعات ليس لها معنى مع (البياعين). ولفت نظري ما كتبه أحمد نادي في فترة مبكرة من اعتصام 8 يوليو، لكن الحديث بعدها مع الأصدقاء لفت نظري إلى مواقف لم أفهمها مثل: وجود دعوات دائمة تزايد على أي مبادرة في الميدان، لاحظتها في يوم مثل 27 مايو والدعوة للاعتصام على غير اتفاق من أهل الميدان. وقبلها في المشكلة المفتعلة في يوم احتفال عيد العمال ضد علي الحجار وبسمة (1 ، 2)، لكن في الاعتصام الأخير ظهرت المزايدات في موقف شهير مثل إغلاق مجمع التحرير، إذ تم التصويت على هذا القرار بين القوي الموجودة في الميدان وانفرد الثوار المستقلون بالقرار، أحد الأصدقاء أخبرني عن أن بعض هؤلاء الشباب كانوا يثيرون الشغب في مواقف عديد مثل المسيرة التي طافت باتجاه مجلس الوزراء، لكن كان الأهم بالنسبة لي هو تلك المسيرة التي خرجت يوم الجمعة 22 يوليو واتهم بها الثوار المستقلون أيضا. لأنها تسببت في حملة دعائية ضد 6 إبريل رغم أن الحركة لم تدعو لهذه المسيرة الاستباقية، ولأنني بشكل خاص كنت في العباسية ضمن المسيرة المخطط لها سلفا في 23 يوليو
**
يوم مسيرة العباسية كنت أجلس على الرصيف أكتب رسالة على الموبايل، وبمجرد أن مر زميلي ودخل إلى المظاهرة ناحية مسجد النور اشتد الضرب، فعدت إلى الخلف ناحية امتداد شارع رمسيس. كنت أظن وقتها أني في صف من تبقوا من مسيرة التحرير، ما حدث أني للمرة الأولى شعرت بالغدر، فجأة انقلب من كانوا إلى جواري وأخرج أحدهم مطواة وبدأ في محاولة طعن شاب – من بتوع التحرير- وبعدها بقليل جرى آخر بسنجة وراء شاب ذو مظهر سلفي رفض فكرة استخدام السلاح في المظاهرة. وبدأ إلقاء الطوب والمولوتوف، ناحية حارة جانبية في العباسية، ثم ناحية شباب التحرير. لم أفهم أي شيء.. ما فهمته هو غضب أهالي العباسية من مسيرة الأمس، واتهاماتهم للمسيرة الأكبر بعدها بيوم بأن داخلها مندسين بلطجية، ومنقبات يحملون مولوتوف، وأكد لي أحد النشطاء القادمين مع المسيرة أنه رأى شابا يحمل معه بنزين في قلة، وناوي على الغدر ، إقرأ: 1 ، 2
**
بعد هذا اليوم أصبحت أرى الميدان بصورة أكثر سوداوية، وأصبح حس البارانويا أعلى بكثير، خاصة تجاه ائتلاف الثوار المستقلين وأمن الميدان وازدادات أسئلتي لكل من أقابله، في ليلة بعدها ..رأيتهم يطوفون بأحد الشباب ويتهمونه بأنه جاسوس، وحين اضطروا إلى الصعود به إلى منصة صلاح عناني اكتشفنا أن بطاقته تؤكد أنه من إسنا، لكنهم اتهموه بأنه إسرائيلي، وأنه كان يتحدث العبرية في الهاتف. هذا بعيدا عن كم الشجارات المفتعلة التي لا سبب لها، وتكريس الاحساس بعدم الامان للزوار أمثالي بعد الواحدة، فقد تجد نفسك في لحظة محمولا و وراءك زفة لأي سبب تافه وباتهام سخيف. هذا فضلا عن المضايقات التي تعرض لها بعض الاعلاميين والصحفيين والمصورين في أوقات التوتر
**
حدثتني صديقة عن تجربتها حين اختارت التطوع مع أمن الميدان وكيف اقتحمت إحداهن بكارنيه سخيف عليه عنوان الثوار المستقلين، وقالت لها باستهجان: انتي مشوفتنيش قبل كده في التلفزيون ولا النت !؟، كانت تلك الفتاة من المختطفات في اعتصام 9 مارس، وليست وحدها التي كانت تمارس الرعونة في التعامل، كان الميدان يسيطر عليه كافة هؤلاء الشباب. وحين أردت أن أكتب عن هذا الأمر بشكل صحفي لم أجد معلومة موثقة سوى ما كتبه بعض النشطاء والمعتصمين على الانترنت، وحين تحدثت مع المتحدث الاعلامي للثوار المستقلين تعمدت أن يكون الحديث تليفونيا، وتنصلت من لقائه مباشرة مع الشباب خاصة أنني وجهت إليه اتهامات مباشرة. كان في رأسي أنني إذا أتممت هذا اللقاء سيحدث السيناريو التالي: صخب من حولي، وافتعال شجار، وحملة دعائية في الميدان عن أنهم ضبطوا صحافيا يشوه صورة الثوار، أو حتى دعاية أنهم ضبطوا معي باكتة بانجو، هكذا كان الحال بعد الواحدة
**
سمعت فيما بعد أن الميدان مسيطر عليه من المخابرات العسكرية، وهي ضمن المعلومات التي أسمعها من اليمين وألقيها من الشمال لأنه لا دليل عليها، لكن ما أنا متأكد منه، ان الميدان كانت به مجموعة أعلى صوتا مهمتها حرق أي مبادرة من داخل الميدان، فإذا كان هناك مليونية، يبادروا باعتصاما، واذا حدث اعتصام، فهناك مبادرة لغلق المجمع رغما عن الجميع، واذا صمت الجميع، يجري افتعال خلافات مع الباعة وحملات ترهيب وتشكيك داخلية، والزج بفتيات مريبات كي يثرن المشاكل ليلا
كنت أعلم أن الاعتصام سيتم فضه بعد مسيرة العباسية، فبعد الاستنزاف على مدار أسابيع من قوى غريبة داخل التحرير، ومزايدات تلك القوى العجيبة على أي مبادرة سياسية، جاءت تجربة السلفيين مع الميدان بهدف ازهاق روح الاعتصام الذي انكمشت قواه السياسية وأصبح مرتعا لمجموعة ذات أداء فوضوي لكنه موجه. و لفت نظري زوال بعض الخيام المتصلة بدوائر عليا في السلطة بعد موقعة السلفيين فتأكدت أن النهاية اقتربت. وأكد لي آخرون أن الميدان سيتم فتحه قبل رمضان، واطمئننت حين لم يحدث هذا، حتى جاءت الساعة اليوم
**
أتفهم جدا ما كتبته نوارة نجم اليوم.. لقد كان الميدان تحت السيطرة منذ البداية، كل من اندمج فيه ليلا عرف هذا. لكن الجميع صمت وبدا عاجزا، حتى حدث ما حدث.. وأكتب الآن وانا لا أعرف ماذا سيحدث في المستقبل. لقد كانت حملة (تطفيش) من داخل الميدان، وحملة تشنيع خارجه، والهدف ألا يتكرر الاعتصام مرة أخرى، وإن تكرر فإنه سيستدعي صورة سلبية لفكرة الاعتصام. أتمنى أن يكون هذا درسا بألا نصمت عن هذا الاختراق الذي صمتنا عنه. وألا تنضب الأفكار وتقتصر على ميدان التحرير.. فشوارع مصر ما زالت تعاني من مشاكل لا يلتفت إليها أحد، ولعل أكثر ما أحترمه في السلفيين هو أنهم يتعاملون مع الواقع الشعبي، ومشاكل السلوكيات اليومية في الشارع. الشعب يريد مليونية ضد الرشوة والفساد، والشعب يريد مسيرة لإعادة الأمن إلى الشارع، وإذا لم يحدث هذا سيكون المستقبل لأبناء مبارك، ومعتصمو روكسي. لتكن ضمن مطالبنا في المستقبل أمورا تخص الأفراد الهائمين الذين لا يستهدفهم أحد. بدلا من أن تكون الدفة بيد الأتباع المهمشين

Monday, July 18, 2011

حقائق في أسطورة التحرير – الميدان بعد الواحدة

بعد فترة عصيبة على المستوى الشخصي... مررت على ميدان التحرير، وقضيت حوالي الساعة إلا ربع في محادثة هاتفية، ثم انتقلت إلى لقاء الأصدقاء في باب اللوق، وعدت إلى الميدان بعد الواحدة صباحا
**
لفتت نظري تلك الدوائر البشرية التي تحتوي جدلا وثرثرة حول قضايا خلافية تخص الاعتصام والثورة. على المنصة كان وزير الصحة محاصرا بالأسئلة والأجساد البشرية، ولم أره بوضوح، وحين اختار أن يرحل، صاحبه العشرات، وأحاط به الشباب خشية تهديدات من المعتصمين بضربه دون أي مبرر. في تلك اللحظة بدأت أعيد التفكير في العبارة المستهلكة والرائجة على ألسنة البعض: اللي في التحرير دول مش الشباب اللي شوفناهم أيام الاعتصام الأولاني. في الحقيقة بدأت أتفهم العبارة، بعد كم العصبية والتوتر الذي رأيتهما بالأمس. حيث رأيت شجارا محدودا بين شباب القوى السياسية، وآخرون يصطادون في الماء العكر. أحد هؤلاء الصيادين تعجّب من وجود مراوح كهربائية في بعض الخيام. ما شعرت به في هذه اللحظات أن الفوارق الطبقية قد بدت واضحة في الميدان، وبدأت تعكس مواقف سياسية لكل فئة
**
كان هدفي هو البحث عن ركن هادئ للجلوس، أما الهدف الأبعد فهو التأمل ثم التأمل.. أمامي معاكسات لفتيات ذات مظهر مريب، وقصص مؤكدة عن محاولات إقامة علاقات جنسية داخل إحدى الخيام. في هذه اللحظات كان قضاء الوقت وحيدا فرصة جيدة لمتابعة الموقف. ويبدو أن المشكلة الحقيقية هي أن بعض زوار الليل لا يهدفون إلى الاعتصام بقدر ما يهدفون إلى مشاطرة أهل الليل في السهر، ويتحول أداؤهم ليلا إلى نفس ما يفعلونه في أحيائهم التي قدموا منها.. و وسط كل هذا يبدأ دور اللجان الأمنية التي لم تعد هي الأخرى أسطورة مؤثرة بالنسبة لي
**
قبل أن أسافر إلى السويس وأعود إلى القاهرة لفت نظري شجار افتعله أحد شباب اللجنة الأمنية ناحية محمد محمود. وبالأمس بدأت أتفرس وجوه وسلوكيات شباب أمن البوابات، لأن أداءهم لم يخلو من الرعونة والاستعراض في كثير من المواقف، ومع قلة عدد المعتصمين، يزداد الإحساس بالخطر، والسلطة أيضا
ناحية هواية المترو وسط الميدان ظهر مشروع مشاجرة جديدة. وذلك حوالي الساعة الثانية صباحا، حين طالب شباب الأمن أحد المتواجدين الابتعاد عن هذا المكان.. وبعد شد وجذب واستعراض للقوى، ومهاترات حوت تهكم على الصعايدة وردود من أحد الصعايدة المتطوعين في الأمن. تهدأ الأحوال، ثم تشتعل من جديد، و يتضح في سياق حوارات الأمن أنهم يقومون بدور المخبر السري، للقبض على الذين يتعاطون المخدرات في هذا الركن. وبعد قليل تظهر فتيات صغيرات - من صديقات الأمن – وتبدأ قصة جديدة
**
الفتيات يبدين أداء فتيات الجيشا اليابانيات. ويطفو شجار على السطح، وتخترق عبارة أذناي من أحد فتيان الأمن: يا عم إيه المسخرة دي.. الميدان بقى مليان شراميط. هذه العبارة الصادمة قد تتعاطف معها فعلا، وتدور دائرة حول فتاة مقبوض عليها - تقريبا- وهي بصحبة أحد أقربائها. والحالة العامة هي حالة استنزاف للطاقة.. وحين أعود إلى الميدان أجد استنزافا آخر في حلقات دائرية و استقطاب بين الشباب والمواطنين الزوار، وبين هؤلاء و أولئك فريق مضرب عن الطعام لا يلتفت إليه أحد. وزوار يطوفون لا يشغلهم أي شيء إلى جوارهم. ويتكرر الأداء المتوتر والعنيف بين الباعة فيما بينهم. وأثناء وجودي أفاجأ بزفتين لعرائس جاؤوا خصيصا إلى التحرير للاحتفال، الزفة الأولى رفض أصحاب المنصة الأكبر وجود العروسان عليها. وذلك بعد عنف لفظي من الجمهور. وفي هذا الزحام تطوف مسيرة صاخبة الميدان على رأسها شاب يهتف نفس الهتافات الشهيرة التي نعرفها جميعا. وأطفال مع أسرهم يرددون خلف المتظاهرين
**
قرب الساعة الثالثة.. يأتي صراخ ناحية لجنة الأمن في شارع طلعت حرب، لأكتشف أنها نفس الفتاة التي اقتيدت مع الأمن مع خالها إلى خارج الميدان. وينادي منادي من منصة أخرى أنها مشكلة أسرية، و تأتي سيارة يحاول أهل الفتاة إقحامها إلى داخلها فيما يشبه عملية اختطاف أنثى. ويدور حديث بين شباب الأمن عن أنها فتاة هربت من أهلها قبل ثلاثة أسابيع ووجدت المأوى في الميدان، ثم تختفي السيارة وتدور شجارات جانبية غير مفهومة بسبب عصبية الجميع، ويتجلي الموقف أمامي، بين شباب يتعامل مع التحرير على أنه حارة أو عزبة، وشباب استعراضي يحي ميراث شجارات المدارس الخاصة التي تحتضن أبناء الطبقة الوسطى
**
أعتقد أن الفقرة الأخيرة لا بد أن تكون تبريرية أو اعتذاريه أو أن تحمل تنبيهات أبوية عن الميدان الذي نريده. لكن... لنجعلها فقرة توضيحية، إذ ربما أكون قد نظرت إلى الجزء الفارغ من الكوب، لكن بمزاج عدمي لا يقدر جدوى الأشياء، قد أصبحت أشارك وأعمل دون النظر إلى الأهداف. ما أنا متأكد منه أن الاعتصام لا بد أن يستمر، وأن الحكومة لا بد أن تدرك حقيقة المرحلة ومن فوقها المجلس العسكري. إذ أن المرحلة المقبلة - إذا أحبط الشباب - قد تكون مرحلة التنظيمات السرية المسلحة

Wednesday, June 22, 2011

فصل: في أصل مقولة الجيش والشعب إيد واحدة

مررت من سرداب أسفل وكالة بازرعة في اتجاه غرفة ذات أقفال نحاسية ضخمة، يقف أمام الباب عبد خصي عظيم البطن بيده رمح يفوق طوله بكثير. التقط مني الكارت الممغنط وأدخله في فتحة أسفل جسده، ولم استطع استعادة الكارت الذي اختفي إلى الأبد.. ثم أطلق العبد غريب الطلة نفيرا عاليا من نفس تلك الفتحة المشئومة، فانفتح الباب فجأة، ودخلت.
رأيت رجلا معلقا من قدميه تتدلى رأسه ناحية الأرض، سألته:
ـ من أنت؟
ـ أنا الجاسوس.. أنا الجاسوس بلا إثم ولا حرج
حدثني في البداية بلهجة شامية، ثم بعدها بلهجة مغربية، ثم بلهجة حجازية، في نهاية حديثنا قدمت إليه كوبا من النبيذ فقال: اللهم إني صائم. فاستغفرت ربي وقمنا سويا نصلي

انتقلت من وكالة بازرعة إلى وكالة الغوري.. رأيت التجار مجتمعين ويهتفون : يعيش مولانا السلطان الغوري، تركتهم وانطلقت مغمضا عيناي في طرقات ودروب أحفظها تماما، وقرب حارة كتامة، رأيت أحد أبناء الروم وقد اجتمع حوله رجال من شرار البشر، سمعته يقول:ـ الفلوس دي عشان تخربوا البلد، ولو حد سألكم هتقولوا إنكم من الثوار .. وأوعوا حد أهبل يقول إنه من الفلول، لأن ده المفروض سر، وكمان محدش يقول أبدا إني جاسوس.. قشطة !؟ أجابت تلك الزمرة المتوحشة في وقت واحد : قشطة
بعدما تفرقوا سرت خلف هذا الرومي الجاسوس، دخل الجامع الأزهر فرحت وراءه أسير على خطواته دون أن يدرك أني أراقبه، وانتهى إلى عمود في رواق المغاربة، وبدأ في إلقاء درسه على من حوله
**
قابلت أبو إلياس وهو تاجر من نصاري الشام، قال لي:
ـ انتظر حتى أمر على الكنيسة ثم نعود سويا
ذهبت معه وأدخلني إلى بهو فسيح به صورة المسيح عيسى بن مريم، جلست في نهاية البهو منتظرا في مكاني، حتى اقتحم علينا الكنيسة رجل أعور ذو عمامة حمراء، وهتف صارخا: قتلوا المسيح .. المسلمون قتلوا المسيح. لقد رأيتهم يفتكون به في سوق السلاح.
فزع البطرك وأخبره أن المسلمون ظهروا بعد المسيح بمئات السنين، ظل الرجل يهتف: أنقذوا مسيحكم. ثم بدأ في تلاوة أيات أعجمية لم يفهمها أحد، وخرجت من الكنيسة خلفه، ولأني لم أفهم تعويذته السحرية التي قالها بالآرامية في الأغلب، فكنت على وعي بما يحدث حتى بدأت الفتنة في حارة الروم. وهرب الرجل الأعور في سيارة "هامر".. ورأيت في السيارة معه نفس الرجل الذي كنت قد تركته في الجامع الأزهر عند رواق المغاربة. فطاردتهما على حمار شديد البنية حتى بوابة المتولي


**
أمام البوابة هتف المصريون قائلين: مسلم مسيحي، إيد واحد .... الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة.
أثناء هتافهم كانت المشنقة تتدلى أمامي، والجميع ينتظرون سقوطي أمامهم من أعلى البوابة، فأنا في نظرهم الجاسوس. وقبل أن أفارق الحياة ظهر العبد الخصي بين العوام وأخرج الكارت الممغنط من نفس الفتحة التي أدخله فيها أول مرة، وقال: أشهد أن هذا الرجل بريء، وأنه من حرس السلطان، ثم ظهر من خلفه الرجل الرومي الجاسوس وقال : أشهد أن هذا الرجل قد رآني وتأكد أني أنا الجاسوس
ورغم كل هذه الاعترافات إلا أن الناس استمروا في هتافاتهم : مسلم مسيحي، إيد واحد .... الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة. ثم ظهر الرجل الأعور الذي تسبب في فتنة حارة الروم، وقال: هذا الرجل لم يكن سببا في الفتنة، أنا الجاسوس الحقيقي. وهكذا أصبح لدينا جاسوسان إلا أن أحدا لم يهتم. حتى ظهر السلطان بنفسه إلى جواري فوق البوابة قائلا: إني أنا السلطان.. أشهد أن هذا الرجل من شهداء 25 يناير، وأنه مات في أحداث يناير، رحل وفارق الحياة. لكن الهتافات استمرت كما هي


ظللنا على هذا الحال، واعتصم الناس في ميدان الرميلة وأمام بوابات القاهرة احتجاجا على التأخر في إعدامي، ما علمته فيما بعد أن العبد الخصي يسكن في درب الأتراك جوار الجامع الأزهر، وأنه رأى يوم الفتنة الرجل الأعور وهو يحاور الجاسوس الرومي فدب الشك في نفسه وقبض عليهما، وظل يكويهما بالنار حتى اعترفا بأنهما جاسوسان، والآن ليس أمامي سوى معجزة تنقذني من الإعدام شنقا
**
بحكم عملي بصاصا في حرس السلطان فإن لي في كل حارة مصدرا، وفي كل شارع خطوة، وبعد مرور اثنتا عشر ليلة، ظهر وسط المعتصمين رجالا ونساء يرتدون السواد أطلقوا على أنفسهم ائتلاف شباب المصدر، كانوا يمرون بين الناس كي يبرؤونني ويروون فضائلي، لكن كلما تحدث أحد منهم فتكوا به، ومثلوا بجثته حتى أفنوا شباب الائتلاف، في الليلة الرابعة عشر ضربت القاهرة أعاصير ورياح عاتية فضت الاعتصام، فعلم الناس أي منقلب ينقلبون، وما ربك بظلام للعبيد
تحررت في تلك الليلة وسرت بين الناس وأنا ملثم قائلا معهم: الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة.. وظل الهتاف رائجا حتى سقط السلطان على أيدي أعدائه، أما أنا فاختبأت في مقابر الشهداء منتظرا العودة في آخر الزمان مع ثورة جديدة. هاتفا الجيش والشعب إيد واحدة، ويوم ما سيعود السلطان من منفاه في آخر الأرض ونهتف جميعا: الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة

Saturday, June 18, 2011

الصراخ في عزبة أبو حشيش

أعتقد أنها أحاديث مستهلكة التي تقال عن ابتعاد الضاربين على أزرار الكيبورد عن كثير من شرائح الشعب.. لكن هذا لا يمنعني من الفزع حين أمر بين الحواري والعشش حسبما اعتدت منذ سنوات، ففي آخر مرة زرت فيها عزبة أبوحشيش ناحية غمرة كان لدي رغبة حقيقية في الصراخ وسط الناس وتوجيه أسئلة ساذجة عن الثورة، وكيف يرونها

بعد الاستفتاء الشهير في مارس الماضي كتبت هذه الكلمات البريئة: أتمنى أن يكون هناك زيارات (أو تواصل بشكل ما) على مدد زمنية إلى منازل شهداء الثورة في أحياء ومحافظات القاهرة، حتى يتم تعزيز إحساس أهالي المناطق الشعبية بأنهم كانوا مشاركين في الثورة عن طريق ممثليهم من الشهداء الذين لم ينساهم أحد، على أن يتم ذلك أيضا في المحافظات، أعتقد أنه يمكن مشاركة شباب هذه الأحياء في هذه الفكرة
في ذلك اليوم شعرت للمرة الثانية بكثافة حضور من لم يحضروا من قبل في أي مكان سوى كمواطنين ساخطين يائسين من النظام السابق، أحيانا ما أشعر بالأمان حين اقتحم أحد الأحياء فأجد صورة لشهيد من أبناء الحي، ماذا كان سيحدث في عزبة أبو حشيش لو صرخت وتحدثت إليهم بأن يفكروا ويقترحوا حلولا لأنفسهم؟ كنت سأبدو مختلا، وربما سلموني إلى أقرب دبابة، أو تركوني مكبلا على السكة الحديدية كي تنته القصة إلى الأبد، وأتحول إلى شهيد عزبة أبو حشيش، ولن يتم تعليق صورتي في مدخل العزبة
بعد التنحي بأيام قليلة اقتحم أحد الشباب عربة المترو وبدأ في الحديث بنبرة دعوية موجها خطابه إلى الركاب عن أن من أسقط نظاما فاسدا في ثمانية عشرة يوما بإمكانه الحفاظ على الثورة، ودعا الركاب إلى الالتزام بالأماكن المخصصة للنزول والركوب، ثم تركنا واتجه إلى العربة التالية.. حين نقلت القصة إلى أحد الأصدقاء اهتم بالتركيز على النبرة الدعوية في أداء الشاب وأن هذه الفئة هي من منتجات عمرو خالد وادعى أننا أزحنا أبوية مبارك كي نستبدلها بأبوية أطفال صغار
ماذا لو كانت نفس المبادرة قد اتخذها تيار آخر بعيدا عن التيارات الدينية- هل كان سيتمسك بنفس الرأي؟ وماذا إن كنت قد صرخت في أبناء عزبة أبو حشيش أو أي عزبة أخرى وأوصيتهم بنا وبأنفسهم خيرا .. هل سأمارس بذلك دورا أبويا لا يليق؟ ماذا عن الشاب المتحمس الذي رأيته في المترو؟ لقد اختفى تماما بعدها بأيام هو أصدقاؤه
**
لن انس تلك المبادرة التي ألمحت إليها الدعوة السلفية بالإسكندرية، أعتقد أنها أهم مبادرة -رغم عدم تطبيقها فعليا- ظهرت بعد الثورة، والهدف جمع الأسلحة البيضاء من الشارع.. بعيدا عن هواجس كافة القوى (المدنية)ـ من أن هذه المبادرات لها مآرب أخرى لاستقطاب الشارع والسيطرة عليه، لكن في حقيقة الأمر أن مثل هذا النوع من المبادرات الجريئة تكشف عن قدرة للوصول.. وبعيدا عن عدم تحقق هذه المبادرة تحديدا، إلا أن من سيقوم بها يدرك فعليا حقيقة ما يحدث في المجتمع، ويعي أعراض ما بعد الثورة. ويدرك حقيقة انتشار السلاح في الشارع، وحركة البناء غير المشروعة المتنامية في الريف والمدينة، ورعونة الكثيرين ضد الكثيرين بلا سبب واضح
أعتقد أن الحديث عن الدستور والفلول مع أبناء عزبة أبو حشيش - على سبيل المثال - سيبدو مضحكا، الناس هناك في حاجة إلى من يقف إلى جوارهم في هذا الوقت، كي يقفوا مع الباقين في مواقف أخرى حتى إن كانت متعلقة بالدستور والفلول
**
تكفي قراءة هذه السطور كي أشعر أنا أيضا أني لا أختلف كثيرا عن صديقي اليساري المتحذلق، أو عن غيري من ضاربي الكيبورد، لأني على أرض الواقع لم أصرخ في أبناء عزبة أبو حشيش ولم أتواصل معهم فعلا رغم محاولات سابقة فردية مع فئات أخرى

صرخات أخرى: 1، 2، 3

Thursday, June 16, 2011

في كل شارع لينا خطوة

لا أعرف ماذا حدث؟ لم أكن هكذا قبل عدة أشهر فقط، الآن أنادي في الميادين والأسواق والتاكسيات مبشرا بدين الحب، وأحدث الناس عن ذئاب ترعى الغنم، وصقور تطعم الأرانب... هناك بعض الاكتشافات الحديثة التي تفسر ما حدث
**
علمت مؤخرا أني من النوع الذي يؤمن، لكنه لا يصدق. الإيمان لا يتطلب سوى قلب سليم، أما التصديق فلا بد من التحري والتأكد حتى يطمئن القلب. فإنك قد تؤمن بوجود الملائكة لكنك لن تصدق أحدهم إذا أدعى أنه تناول العشاء مع الملائكة، ولما كان شرط الصدق هو الاختبار، فقد اختبرت أشياء كثيرة مؤخرا
**
28 يناير
كنت أؤمن بهذا اليوم قبل أن يقع بسنوات، في ذلك اليوم كنت في معسكر "غمرة" حيث المظاهرات التي انتصرت على الجميع دون خسائر تذكر مقارنة بما تعرض له الثائرون في القصر العيني والجيزة. كان هذا هو الإيمان. أما التصديق فلم يحدث، واحتجت إلى عدة أشهر حتى أتبين الزيف من الحقيقة، وبالفعل.. وسط أحداث كل ثورة وقعت أو ظهرت في الأشهر الأخيرة كان هناك من يقدم أرشيف خدماته الجليلة حتى يكتب عند الله ثائرا

أكتب الآن من السويس ... ربما ليست أفضل المرات التي أزور فيها المدينة، إذ لم ألق الترحيب المناسب، وأنا بطبعي شديد الحساسية في مثل هذه المواقف، خاصة حين تطاردك غربان المدينة.. بيت بيت.. دار دار .. زنقة زنقة، كنت قبل أكثر من عام أؤمن بان السويس قادمة.. راهنت على أن هذه المدينة ستشتعل قريبا بالثورة، كل شيء كان معدا، الغضب والحنق.. وقد كان... أٌقرأ اليوم على التويتر أن هناك إضرابات بين عمال الميناء والقناة. لكن أثناء جلوسي في شارع 26 يوليو الرئيسي أرى مشاهد أخرى، شاب يحكي عن مكنته - الموتوسيكل- التي استعادها من اللصوص في مقابل 300 جنيه فقط، وضباط شرطة يستوقفون أطفالا على موتوسيكل دون ترخيص، وفتاة تستنجد بضابط الجيش من مضايقات شباب في الميكروباص، وشيوخ يلعنون الأحوال والانفلات، وعساكر جيش يعيشون عصرهم الذهبي في ممارسة السلطة، وسائقون يروون قصص سائقي التاكسي البلطجية
في هذه اللحظات كانت الغربان السوداء غاضبة بشدة، لم أرها هكذا من قبل، لا تريدني أن أرى السويس سوى كما آمنت بها من قبل.. يعلمون أني لا أصدق حتى أختبر، ويخشون الأحكام القاسية على مدينتهم، كانت آخر مرة زرت فيها السويس في الثامن من إبريل
**
في يوم الجمعة 8-4ـ عدت من السويس وزرت التحرير مساء، وبقيت حتى السابعة صباحا من التاسع من إبريل... وحتى الآن يعلم جميع من حولي أن هذا اليوم هو حدث تاريخي في حياتي، سأكتب عنه في يوم من الأيام
**
على خلفية سيارة نصف نقل كتب أحدهم : الشك في اليقين، العبارة تبدو صادمة في بيئة محلية تقليدية، تذكرت هذه الجملة مؤخرا، هل هو الشك في اليقين؟ كنت أؤمن بثورة السويس قبل أن تبدأ، وأؤمن بيوم 28 يناير قبل أن يقع بسنوات، ماذا حدث؟ أعود مرة أخرى إلى ثنائية الإيمان والتصديق. إنك تؤمن بوجود الله لكنك لست مضطرا إلى أن تصدق كل مظاهر التدين، قد تؤمن بالإخلاص في العمل، لكنك لا تصدق فائدة وجدوى العمل في بلادنا، وقد تؤمن بالثورة، لكنك لا تصدق ما جرى قبلها أو بعدها أو في أثنائها


لأسباب عديدة أشعر أن لي خطوة في كل شارع من شوارع هذا البلد، أنا أملك الطرق وأعرف بعض تفاصيلها، كنت أؤمن بهذا في داخلي، لكني كنت أعلن عدم التصديق في لحظات الضجر، حتى جاءت جمعة الغضب، أصبحت أؤمن وأصدق بعدها أن الشوارع ملكي أنا.. وعدت إلى انعدام التصديق في التاسع من إبريل، وكثيرون اهتز إيمانهم بشدة، وصدقوا وكذبوا في دقائق، لأن الواقع يقول: الجيش والشرطة والشعب إيد واحدة... طب وإحنا..؟ أنا لا أتحدث عن الائتلافات والرابطات والتجمعات والندوات، أنا أنظر إلى رجل كنت أراه في ميدان التحرير يجلس وحده، لا يحدث أحدا، ولا ينتظر أحدا، هل أصبح اليوم من أبناء اليد الواحدة؟ أم مع من آمنوا ولم يصدقوا ما يحدث الآن


**
لا أعتقد أن أمثالنا سينتهون حتى إن لم يكونوا في فريق الجيش والشرطة والشعب إيد الواحدة.. فمن اختبر الشك في اليقين، يعرف معنى الإيمان. سيظل هناك أفراد هائمون بين البشر ذوي قناعات ساذجة، وصفاقة من لم يستطع صبرا على الكذب والتصنع، ربما يكون عاملا في مصنع، أو مدرسا في مدرسة، أو مديرا في فندق، أو صحفيا أو طالبا جامعيا أو سائقا، كلهم يشعرون أن لهم في كل شارع خطوة، يظهرون في الثورات ثم يختفون


السويس- 15 يونيو

Monday, May 23, 2011

مثالية و ابتذال

طلبت الشمس مني أن أسهر مع القمر حتى الفجر، انتظرت ظهورها فلم تشرق، سألت النجوم عن سر غيابها، فقيل لي: رسبت في الاختبار !!.. فمن سهر مع القمر لا يحظي بالجلوس مع الشمس
**
احترم حالة الابتذال غير المبررة التي أعيشها الآن، أعلم أنني لن أتمادى، سأظل راضيا بالحدود، أعبث بها، وأمحوها تماما، لأني أحفظ مواقعها جيدا حتى إن لم يرها الآخرون
**
طوال أشهر ماضية تعايشت مع المثالية والرومانسية، وكنت أدرك جيدا أنني سأبدو ساذجا ومبتذلا حتى أمام نفسي، لكن فيما يبدو أنني سأستمر على هذا النهج حتى النهاية. ربما ينتهي الأمر بحادث أليم أو انكسار حاد.. لا داعي للقلق، فأنا أعيش - ظاهريا- بلا حدود، حتى إن لم أطأ تلك الحدود.. ليس خشية منها، لكن حفاظا على مساحة حددتها لنفسي منذ البداية
**
ابحث عني ستجدني في كتب الأولين وأسفارهم، في سيرة نبي قتله قومه، في حكاية قاطع طريق تحول إلى بطل ولا يعرف أحد اسمه الحقيقي، أو في قصة قائد هلك قبل أن يسطر التاريخ اسمه. أنا صورة الجد المعلقة على جدار بيت العائلة، وأنا صاحب المقهى الذي يكتم أسرار الأحياء والشوارع
نعم .. هذا ابتذال، لكن كيف يكتب إنسان لا يعرف حدوده؟ كيف يعيش مريض بالنرجسية في عالم صنعه بنفسه لنفسه؟ اصبر عليّ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا
**
لن أخوض رحلة في البحث عن الذات، أو اختيار شخصية أعيشها، فالحقيقة الوحيدة أنه لن يبقى لي إلا سواي، والله راض في السماء والناس مستسلمون في الأرض. حتى إن اختفت الشمس إلى الأبد، لن أراهن على القمر، فالنجوم تراهن على سقوطي في أخطاء من سبقوني لأتحول إلى ثقب أسود لن يره أحد
**
التدرب على القلق والفزع اليومي قد يجعلك بلا أعصاب، لكن من مر بهذه التجربة يدرك أن غياب التأثر بالقلق اليومي يتراكم في شكل قلق كبير، أو نوبة فزع ، أو رهانات من نوعية أنك قريبا لن ترى الشمس، ولن تسهر مع القمر، وستنفض من حولك النجوم. وقد تقتل مثلما قتل النبي، أو يغيب اسمك مثلما غاب اسم البطل من الحكاية، أو أن تمحى ذكراك مثلما غابت ذكرى القائد العظيم.... كل ذلك سيتحقق، لا أمل سوى أن تغمض عيناك قبل نهايتك وانت تتذكر كل ما فعلت. وأنك سرت على خطى النبي وقاطع الطريق والقائد العظيم.. بمثالية ..وأحيانا بسذاجة

Sunday, March 20, 2011

I vOtEd

لن أنسى المكالمات التي تلقيتها أثناء اقتحام مقر أمن الدولة في مدينة نصر، كنت أجلس على بعد كيلومترات في المهندسين أوزع الملل والاستياء في أكياس على من حولي. بالأمس كاد أن يتكرر نفس الموقف حين اكتشفت أنها الثالثة عصرا وما زلت مشغولا بالكتابة من المنزل، لكن الاختلاف في هذه المرة أنني لن أجد من أوزع عليه الملل والاستياء في أكياس. واتجهت إلى اللجنة المجاورة، كانت المفاجأة في الطريق حين رأيت شباب المنطقة المشغولون دائما بأحدث الكليبات واكسسوارات السيارات قد اتجهوا إلى الاستفتاء. المشكلة أن الطابور طويييييييييل.. وكذلك كان الحال في اللجنة المجاورة على بعد 200 متر تلقيت اتصالات وأجريت اتصالات أخرى أثناء السير بعيدا عن منطقة سكني.. ودارت أفكار سوداء في رأسي حين شعرت أن هناك حدث آخر سيمر ولم أشارك فيه بسبب أسباب سخيفة، وبدأت في رص مجموعة من الأزمات التي ستلاحقني إذا لم أنجح في الادلاء بصوتي في هذا الاستفتاء الجماهيري :
- إذا لم أدلي بصوتي فهذا معناه أن مصر كلها تقريبا ستكون قد أدلت بصوتها، ولن يكون هناك من أنضم إليه أو يواسيني سوى محافظ القاهرة عبدالعظيم وزير الذي أشيع أنه طرد من اللجنة، بل حتى البرادعي الذي تعرض لعنف منعه من الادلاء بصوته لديه أسباب منطقية لتبرير موقفه. أما أنا فأسبابي هي التأخير لأسباب كريهة
- خطورة عدم التصويت تكمن أيضا في أنني بهذه الطريقة قد انضم إلى خانة تامر حسني الذي لم يره أحد في ذلك اليوم، على عكس عمرو دياب الذي شوهد وتم تصويره في طابور الاستفتاء الجميل في الموضوع أنني نجحت في الوصول إلى مدرسة مغمورة تقع في حارة ملاصقة لكوبري.. كانت اللجنة خاوية، تلقفوني بحفاوة
ـ إنت فين يا راجل من زمان؟ إحنا بقى لنا زمان مستنيين حد هنا يعدي علينا.. أهم حاجة تخرج من عندنا مبسوط وتنده زمايلك واصحابك عشان ييجوا هنا كمان، إحنا طيبين والله، ومش عارفين الناس ليه مش عايزة تيجي عندنا وبيروحوا لجان تانية، انت مش حاسس انك مرتاح في المكان هنا أكتر، وزي ما انت شايف الموضوع بسيط جدا
يعني...!!
ربما لم يدور هذا الحوار تماما، لكنني كنت الوحيد في اللجنة، وغمست الخنصر في الحبر الفسفوري وما زال مشعا في يدي حتى الآن
**
أخي الأصغر صوّت بالموافقة، وتفهمت أسبابه، أما أبي فكان أكثر راديكالية وقال لا.. وأنا اخترت عدم الموافقة على التعديلات الدستورية. رأيت في هذا اليوم كبار السن والمرضى وقد جاؤوا في قمة الارهاق لكن أعينهم على صندوق الاستفتاء، حتى والدي .. على مدار أكثر من 63 سنة لم يتعامل مع فكرة الصندوق الانتخابي عدا مرة واحدة في بداية رئاسة مبارك حين اضطر في محل عمله – حيث اللجنة الانتخابية- أن يدلي بصوته وإلا فالبديل أن يمر على أمن الدولة لتوضيح أسبابه شعرت أن هناك نسبة غير هينة لم تصوت، أول على الأقل فقد أوقعني الحظ معهم في بقية اليوم، لفت نظري مشهد خلف نادي هليوليدو في روكسي أمام عمارات عثمان، فتاة راقية المظهر تتناقش مع ثلاثة من سائسي الجراج، تحاول أن توصل إليهم أن الاستفتاء حقهم وان عليهم ألا يتركونه، وأن عدم الموافقة هي الأفضل، لكن علامات البلاهة كانت هي ردهم الوحيد. أعترف أنني شعرت بخجل ما حين خضت هذه التجربة للمرة الأولى، في الطريق التقيت أحد من كنت أراهم في المنطقة قديما.. عرفته في فترة المراهقة، كنا جيلا منشغلا بالاستعراض بأي شيء. موسيقى الميتال، تظبيط السيارات، الملابس، ..الخ. اليوم رأيته وهو خارج من اللجنة باصبع ملون، وهو رآني وانا داخل إلى اللجنة المزدحمة. نسيت تاريخه في فترة الترويش التسعيناتية ونسى تاريخي معه، لكن ذلك لم يمنع شيئا من الخجل.. ربما هو خجل من الماضي، أو السؤال المطروح الآن، أين كنا طوال العقود الماضية؟

Wednesday, January 19, 2011

البحث عن النصر- قصة احتراق مواطن

لن يمنع أحدهم نفسه من أن يبتسم حين يقرأ هذا العنوان في صحيفة الأهرام اليومية : زيادة حصة سوهاج من بنزين‏80‏ لحل الأزمة. العبارة التي قيلت بعدها كانت: عايزين الناس تولع نفسها في سوهاج !! . على الأقل هناك ستة مواطنين حاولوا وتوفي أحدهم، في هذا الزحام تخرج صيحات ومناشدات مثل التي ذكرها أدمن مجموعة كلنا خالد سعيد: لا للانتحار.. نعم للمطالبة بالحقوق، أو دعوة الشيخ القرضاوي حين قال: حافظوا على حياتكم فالذي يجب أن يحرق هم الطغاة
**
لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحرق فيها مواطن مصري نفسه احتجاجا على الظلم، لكن تكرار الحوادث في مدى زمني قصير هو المثير للجدل الدائر الآن، ويكاد يتفق الجميع على أن المحرض الأول على هذه الحوادث هو محمد البوعزيزي رمز الثورة التونسية، هذه الفرضية تدفع إلى البحث في ذهن هؤلاء الضحايا/المواطنين، لابد أن المحترق الأول قد فرض قواعد جديدة، فرسالته إلى السلطة كانت التذكير بالانتفاضة التونسية، وهي الرسالة التي فهمها من جاؤوا بعده على أنها إحدى وسائل الضغط السريع، حتى أن العدوى امتدت إلى شرائح أخرى أفضل حالا مثل الفنانين على حد ما نقله موقع صحيفة الدستور
**
الأهم في هذا الشأن أن صورة محمد البوعزيزي – أيقونة الثورة التونسية – وهو محترق قد أصابت – فيما يبدو – القيادة السياسية في مصر بالقلق، ظهر هذا في تصريحات وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، وفي بعض المانشيتات الصحافية مثل جريدة الأخبار التي نالت بعض السخرية على المانشيت المرتعد في صدر الصفحة
**
تحول محمد البوعزيزي إلى رمز احتجاج وأصبح الاشتعال أداة تغيير ينقلنا لا إراديا إلى فكرة رومانسية عن الاحتراق من أجل هدف نبيل، أو الاستشهاد في سبيل بقاء الآخرين، من المؤكد أن من فجـّر نفسه في كنيسة القديسين كان يعتنق – مثل من سبقوه – فكرة أنه ينتصر من أجل هدف سامي، أيا كان الهدف سواء إشعال الموقف الطائفي على أمل التغيير، أو الانتقام للاسلام، وهو ما حوّل الممارسة إلى تيمة
**
في مقطوعة موسيقية لعمر خيرت أنشد على لسان الكورال هذه الكلمات : بسم الله . الله أكبر . بسم الله. لم يكن ذلك اعتباطا بقدر ما هو استعارة لتعبير الله أكبر الذي ردد بعض قادة حرب أكتوبر أنه كان كلمة السر في معركة العبور.. وليس من المستغرب أن تكون الله أكبر فيما بعد هي كلمة السر في فوز مصر في كثير من مباريات كرة القدم الحاسمة، لتتكرر قصة العبور مرة أخرى، فيتحول العبور العسكري إلى عبور رياضي يضاهي ما صنعه الآباء من قبل
**
من المؤكد أن بؤس الحالة المصرية في العقود الأخيرة سببه الاعتماد على استعارة تيمات النصر، مثل محاكاة فكرة الاستشهاد الإسلامية، أو ترديد عبارة ترمز لانتصار في حرب قديمة، ليست هذه دعوة إلى إنتاج تيمات جديدة، لكن البؤس الحقيقي هوغياب النصر نفسه، حتى إن كان مجرد نصر زائف، فعند مقارنة تأثير خطاب جمال عبدالناصر وتحوله لدى البعض إلى تيمة عربية يقلدها أي سياسي، نجد الآن أنه حتى تلك الانتصارات الخطابية لم يعد لها وجود
**
حتى هذه اللحظة لم يحرق ناشط سياسي نفسه احتجاجا على ما يحدث، ما زال لديهم أمل في 25 يناير القادم على امل إنتاج تيمة جديدة، أما المهمشون الذين ليس لديهم أي قدرة على مناطحة الحقيقة، فيستمرون في استعارة تيمات النصر، سواء في تكرار الله أكبر، أو في عملية استشهادية، أو حتى في إشعال الذات

Tuesday, January 18, 2011

رحلة الحذر والمطر

السير بين هطولين للأمطار أقرب إلى مغامرة.. صباحا سرت تحت غمام شحيح، يلقي قطرات المطر ببطء، النظر إلى أعلى في هذه الأجواء يزيد القلق خشية أن تغضب السماء وتطاردك بامطارها. سقطت قطرات على النظارة، أحتفظت بها حتى رحلت بنفسها تاركة خلفها أثارا شتتت بصري، مداعبة المطر تحولت مع الوقت إلى تحرش وسيطرة على مساري، وزاد القلق
في منتصف الطريق قد تفاجئك السماء بانقلاب وثورة، وفي طريق الهروب قد تسقط في الأوحال، و... بالتأكيد ستتشبه بإسفنجة تمتص هذا الفيض. حتى إن لم يحدث هذا ستظل في قلق من أن يحدث، حياتك في هذه الدقائق ليست لها ملامح، هل أنت مع سقوط الأمطار بكثافة أم ضده ؟ هل لديك إمكانية التأخر أم مضطر إلى مواجهة هذه الأجواء الصعبة للوصول؟
حين تتحول حياتك كلها إلى رحلة شخص حذر من هطول قد وقع وهطول آخر متوقع، لن تشعر بقطرات المطر الخفيفة الهاربة من غيماتها. ستتعامل معها كشيء مثير للقلق، وفي أوقات أخرى ستراها أداة تحمد بها السماء على أنك لم تتعرض للسيل بعد
رحلة القلق قد تحتاج إلى مستهتر، ليس لديه خشية أو خوف من أن يسقط وينحدر في الأوحال، أو إلى مؤمن يثق في السماء لأنها لن تغرقه، أو إلى متفائل يتوقع وجود بساط الريح في آخر الطريق يوصله إلى حيث يشاء.. في أثناء الرحلة هناك من سيتهكم على قلقك ويغني: يا مطرة رخي رخي، وهناك من سيبحث معك عن شاعرية المشهد دون أن يهتم بتوترك وقلقك وعجزك عن الوصول، كل ما هو مؤكد، أنك ستخطو وحدك، يرافقك القلق والمطر والأوهام

Friday, January 14, 2011

السقوط في بئر التفاهة

جميل العنوان...! يصلح عنوانا لفيلم ثمانيناتي من أفلام نجمة الجماهير نادية الجندي. منذ فترة طويلة وأنا أحاول أن أكتب متنا لعنوان، كل ما كتبته كان للاستهلاك المحلي، في لحظة واحدة بدأت أعي ما كنت أنكره من واقع، وتعزز الاكتشاف باكتشاف آخر أكثر إثارة، أنك ستظل هكذا في كل أرض تحل بها في هذا الوطن السعيد.. هذا البلد قد اختار الفشل والتفاهة، والعمل بأقل جودة، وأقل كفاءة، وأقل سعر
الفيلم الثمانيناتي المزعوم يحكي عن بطلة اختارت الاختلاف، وظلت تتعمق وتتواصل مع ما حولها، حتى اكتشفت في النهاية أنها أسفل بئر وسط مجموعة من الفاشلين الغرقى، كلما حاولت الهرب جذبوها بقوة إلى الداخل، هنا تتكرس قواعد الفشل، وأهم قاعدة أنه لا مكان لمميز أو ذي مهارة أو مجتهد وسط الفاشلين.. تلك هي ديمقراطية الفشل
هنا تتلخص حبكة الفيلم، لكنها مثل كافة الحبكات المصرية ليس لها حل.. أما إن اقترحت أنت الحل فليس أمامك سوى الهروب، وهنا سنصبح أمام فيلم آخر، ليس ثمانيناتيا ولا من بطولة نادية الجندي، سنكون أمام قصة أخرى، تحكي عن الهاربين من التفاهة
**
أستمع الآن إلى ثلاثية قاتلة لأغنية واحدة.. في دايرة الرحلة، بدأتها بمغنيها الأصلي أحمد منيب، ثم مع محمد منير، وفي الختام مع مي كساب، حتى الآن قضيت ثلاث ساعات في الاستماع إلى الأغاني المتتالية مقررا عدم فعل أي شيء سوى الدوران في دايرة الرحلة مع أصوات المغنين الثلاثة
مع الوقت بدأ اللحن يثير نوستالجيا أو حنين إلى شيء ما لا أعرفه له علاقة بالطفولة، ربما له علاقة بموسيقى الشعوب التي عشت بينها قديما. وكلما زادت النوستالجيا كلما زاد المزاج الانتحاري
كان في نيتي التسكع بلا هدف لكن منعني المطر، وبعد المطر هلّ البرد الشديد، و ما زلت أريد النزول والتسكع دون هدف في بلد خاوي من سكانه، وأثناء الاستماع إلى الثلاثية بدأ المزاج في التحول إلى الكآبة والعدوانية.. فكرت في أن أقتدي برمز الثورة التونسية، وأولع في نفسي، لكن ماذا إن أمطرت مرة أخرى!؟ سأمشي مع حروقي مبلولا بعد أن تنطفئ، وماذا إن فعلتها في يوم مشمس!؟ لن يحدث شيء، سأتحول إلى خبر صغير مهمش ليس له معنى، ولن أحدث هذه التغييرات
**
المنتصر الذي يصنع القواعد في هذا الوطن العظيم شخص تافه.. لذا لن ينتظرك أحد كي تحرق نفسك من أجل موقف أو فكرة أو احتجاج. أنت تحرق نفسك كل يوم ولا شيء يتغير، وغيرك يحترقون في أماكن أخرى دون أن يشتعل ما حولهم
**
هل هو الجو المتقلب، أم الأحداث التونسية، أم الأغنية؟ حين قرأت العبارات السابقة وجدتها مليئة باليأس، واليأس غير مقبول، لأن كل شيء قد يتحول في ثوان. من كان يعرف أنها ستمطر، أو أنها ستشتعل بالثورة.. حتى إن بقى عنوان الفيلم كما هو .. السقوط في بئر التفاهة