Thursday, June 16, 2011

في كل شارع لينا خطوة

لا أعرف ماذا حدث؟ لم أكن هكذا قبل عدة أشهر فقط، الآن أنادي في الميادين والأسواق والتاكسيات مبشرا بدين الحب، وأحدث الناس عن ذئاب ترعى الغنم، وصقور تطعم الأرانب... هناك بعض الاكتشافات الحديثة التي تفسر ما حدث
**
علمت مؤخرا أني من النوع الذي يؤمن، لكنه لا يصدق. الإيمان لا يتطلب سوى قلب سليم، أما التصديق فلا بد من التحري والتأكد حتى يطمئن القلب. فإنك قد تؤمن بوجود الملائكة لكنك لن تصدق أحدهم إذا أدعى أنه تناول العشاء مع الملائكة، ولما كان شرط الصدق هو الاختبار، فقد اختبرت أشياء كثيرة مؤخرا
**
28 يناير
كنت أؤمن بهذا اليوم قبل أن يقع بسنوات، في ذلك اليوم كنت في معسكر "غمرة" حيث المظاهرات التي انتصرت على الجميع دون خسائر تذكر مقارنة بما تعرض له الثائرون في القصر العيني والجيزة. كان هذا هو الإيمان. أما التصديق فلم يحدث، واحتجت إلى عدة أشهر حتى أتبين الزيف من الحقيقة، وبالفعل.. وسط أحداث كل ثورة وقعت أو ظهرت في الأشهر الأخيرة كان هناك من يقدم أرشيف خدماته الجليلة حتى يكتب عند الله ثائرا

أكتب الآن من السويس ... ربما ليست أفضل المرات التي أزور فيها المدينة، إذ لم ألق الترحيب المناسب، وأنا بطبعي شديد الحساسية في مثل هذه المواقف، خاصة حين تطاردك غربان المدينة.. بيت بيت.. دار دار .. زنقة زنقة، كنت قبل أكثر من عام أؤمن بان السويس قادمة.. راهنت على أن هذه المدينة ستشتعل قريبا بالثورة، كل شيء كان معدا، الغضب والحنق.. وقد كان... أٌقرأ اليوم على التويتر أن هناك إضرابات بين عمال الميناء والقناة. لكن أثناء جلوسي في شارع 26 يوليو الرئيسي أرى مشاهد أخرى، شاب يحكي عن مكنته - الموتوسيكل- التي استعادها من اللصوص في مقابل 300 جنيه فقط، وضباط شرطة يستوقفون أطفالا على موتوسيكل دون ترخيص، وفتاة تستنجد بضابط الجيش من مضايقات شباب في الميكروباص، وشيوخ يلعنون الأحوال والانفلات، وعساكر جيش يعيشون عصرهم الذهبي في ممارسة السلطة، وسائقون يروون قصص سائقي التاكسي البلطجية
في هذه اللحظات كانت الغربان السوداء غاضبة بشدة، لم أرها هكذا من قبل، لا تريدني أن أرى السويس سوى كما آمنت بها من قبل.. يعلمون أني لا أصدق حتى أختبر، ويخشون الأحكام القاسية على مدينتهم، كانت آخر مرة زرت فيها السويس في الثامن من إبريل
**
في يوم الجمعة 8-4ـ عدت من السويس وزرت التحرير مساء، وبقيت حتى السابعة صباحا من التاسع من إبريل... وحتى الآن يعلم جميع من حولي أن هذا اليوم هو حدث تاريخي في حياتي، سأكتب عنه في يوم من الأيام
**
على خلفية سيارة نصف نقل كتب أحدهم : الشك في اليقين، العبارة تبدو صادمة في بيئة محلية تقليدية، تذكرت هذه الجملة مؤخرا، هل هو الشك في اليقين؟ كنت أؤمن بثورة السويس قبل أن تبدأ، وأؤمن بيوم 28 يناير قبل أن يقع بسنوات، ماذا حدث؟ أعود مرة أخرى إلى ثنائية الإيمان والتصديق. إنك تؤمن بوجود الله لكنك لست مضطرا إلى أن تصدق كل مظاهر التدين، قد تؤمن بالإخلاص في العمل، لكنك لا تصدق فائدة وجدوى العمل في بلادنا، وقد تؤمن بالثورة، لكنك لا تصدق ما جرى قبلها أو بعدها أو في أثنائها


لأسباب عديدة أشعر أن لي خطوة في كل شارع من شوارع هذا البلد، أنا أملك الطرق وأعرف بعض تفاصيلها، كنت أؤمن بهذا في داخلي، لكني كنت أعلن عدم التصديق في لحظات الضجر، حتى جاءت جمعة الغضب، أصبحت أؤمن وأصدق بعدها أن الشوارع ملكي أنا.. وعدت إلى انعدام التصديق في التاسع من إبريل، وكثيرون اهتز إيمانهم بشدة، وصدقوا وكذبوا في دقائق، لأن الواقع يقول: الجيش والشرطة والشعب إيد واحدة... طب وإحنا..؟ أنا لا أتحدث عن الائتلافات والرابطات والتجمعات والندوات، أنا أنظر إلى رجل كنت أراه في ميدان التحرير يجلس وحده، لا يحدث أحدا، ولا ينتظر أحدا، هل أصبح اليوم من أبناء اليد الواحدة؟ أم مع من آمنوا ولم يصدقوا ما يحدث الآن


**
لا أعتقد أن أمثالنا سينتهون حتى إن لم يكونوا في فريق الجيش والشرطة والشعب إيد الواحدة.. فمن اختبر الشك في اليقين، يعرف معنى الإيمان. سيظل هناك أفراد هائمون بين البشر ذوي قناعات ساذجة، وصفاقة من لم يستطع صبرا على الكذب والتصنع، ربما يكون عاملا في مصنع، أو مدرسا في مدرسة، أو مديرا في فندق، أو صحفيا أو طالبا جامعيا أو سائقا، كلهم يشعرون أن لهم في كل شارع خطوة، يظهرون في الثورات ثم يختفون


السويس- 15 يونيو

5 comments:

Faissl said...

الآن يا عمر..!
إدراك المعنى شيء.. والتحقق به شيء آخر :)

تحت الكوبري said...

hayel !

Nirvana said...

أحب تلك الكتابات التي تتركني دون تعليق ، ليس لتفاهتها و لكن لعدم قدرة الكلام على احتواء احساسي و فكري بعد قرائتها

Foxology said...

غرزت السكين فى قلب الوطن :)

تحياتى على التدوينة الملخصة لحال طبقة عظيمة وهائلة من الناس العادية

karakib said...

:)))) مش مصدق لحد دلوقتي التغيير ده !!