Wednesday, June 22, 2011

فصل: في أصل مقولة الجيش والشعب إيد واحدة

مررت من سرداب أسفل وكالة بازرعة في اتجاه غرفة ذات أقفال نحاسية ضخمة، يقف أمام الباب عبد خصي عظيم البطن بيده رمح يفوق طوله بكثير. التقط مني الكارت الممغنط وأدخله في فتحة أسفل جسده، ولم استطع استعادة الكارت الذي اختفي إلى الأبد.. ثم أطلق العبد غريب الطلة نفيرا عاليا من نفس تلك الفتحة المشئومة، فانفتح الباب فجأة، ودخلت.
رأيت رجلا معلقا من قدميه تتدلى رأسه ناحية الأرض، سألته:
ـ من أنت؟
ـ أنا الجاسوس.. أنا الجاسوس بلا إثم ولا حرج
حدثني في البداية بلهجة شامية، ثم بعدها بلهجة مغربية، ثم بلهجة حجازية، في نهاية حديثنا قدمت إليه كوبا من النبيذ فقال: اللهم إني صائم. فاستغفرت ربي وقمنا سويا نصلي

انتقلت من وكالة بازرعة إلى وكالة الغوري.. رأيت التجار مجتمعين ويهتفون : يعيش مولانا السلطان الغوري، تركتهم وانطلقت مغمضا عيناي في طرقات ودروب أحفظها تماما، وقرب حارة كتامة، رأيت أحد أبناء الروم وقد اجتمع حوله رجال من شرار البشر، سمعته يقول:ـ الفلوس دي عشان تخربوا البلد، ولو حد سألكم هتقولوا إنكم من الثوار .. وأوعوا حد أهبل يقول إنه من الفلول، لأن ده المفروض سر، وكمان محدش يقول أبدا إني جاسوس.. قشطة !؟ أجابت تلك الزمرة المتوحشة في وقت واحد : قشطة
بعدما تفرقوا سرت خلف هذا الرومي الجاسوس، دخل الجامع الأزهر فرحت وراءه أسير على خطواته دون أن يدرك أني أراقبه، وانتهى إلى عمود في رواق المغاربة، وبدأ في إلقاء درسه على من حوله
**
قابلت أبو إلياس وهو تاجر من نصاري الشام، قال لي:
ـ انتظر حتى أمر على الكنيسة ثم نعود سويا
ذهبت معه وأدخلني إلى بهو فسيح به صورة المسيح عيسى بن مريم، جلست في نهاية البهو منتظرا في مكاني، حتى اقتحم علينا الكنيسة رجل أعور ذو عمامة حمراء، وهتف صارخا: قتلوا المسيح .. المسلمون قتلوا المسيح. لقد رأيتهم يفتكون به في سوق السلاح.
فزع البطرك وأخبره أن المسلمون ظهروا بعد المسيح بمئات السنين، ظل الرجل يهتف: أنقذوا مسيحكم. ثم بدأ في تلاوة أيات أعجمية لم يفهمها أحد، وخرجت من الكنيسة خلفه، ولأني لم أفهم تعويذته السحرية التي قالها بالآرامية في الأغلب، فكنت على وعي بما يحدث حتى بدأت الفتنة في حارة الروم. وهرب الرجل الأعور في سيارة "هامر".. ورأيت في السيارة معه نفس الرجل الذي كنت قد تركته في الجامع الأزهر عند رواق المغاربة. فطاردتهما على حمار شديد البنية حتى بوابة المتولي


**
أمام البوابة هتف المصريون قائلين: مسلم مسيحي، إيد واحد .... الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة.
أثناء هتافهم كانت المشنقة تتدلى أمامي، والجميع ينتظرون سقوطي أمامهم من أعلى البوابة، فأنا في نظرهم الجاسوس. وقبل أن أفارق الحياة ظهر العبد الخصي بين العوام وأخرج الكارت الممغنط من نفس الفتحة التي أدخله فيها أول مرة، وقال: أشهد أن هذا الرجل بريء، وأنه من حرس السلطان، ثم ظهر من خلفه الرجل الرومي الجاسوس وقال : أشهد أن هذا الرجل قد رآني وتأكد أني أنا الجاسوس
ورغم كل هذه الاعترافات إلا أن الناس استمروا في هتافاتهم : مسلم مسيحي، إيد واحد .... الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة. ثم ظهر الرجل الأعور الذي تسبب في فتنة حارة الروم، وقال: هذا الرجل لم يكن سببا في الفتنة، أنا الجاسوس الحقيقي. وهكذا أصبح لدينا جاسوسان إلا أن أحدا لم يهتم. حتى ظهر السلطان بنفسه إلى جواري فوق البوابة قائلا: إني أنا السلطان.. أشهد أن هذا الرجل من شهداء 25 يناير، وأنه مات في أحداث يناير، رحل وفارق الحياة. لكن الهتافات استمرت كما هي


ظللنا على هذا الحال، واعتصم الناس في ميدان الرميلة وأمام بوابات القاهرة احتجاجا على التأخر في إعدامي، ما علمته فيما بعد أن العبد الخصي يسكن في درب الأتراك جوار الجامع الأزهر، وأنه رأى يوم الفتنة الرجل الأعور وهو يحاور الجاسوس الرومي فدب الشك في نفسه وقبض عليهما، وظل يكويهما بالنار حتى اعترفا بأنهما جاسوسان، والآن ليس أمامي سوى معجزة تنقذني من الإعدام شنقا
**
بحكم عملي بصاصا في حرس السلطان فإن لي في كل حارة مصدرا، وفي كل شارع خطوة، وبعد مرور اثنتا عشر ليلة، ظهر وسط المعتصمين رجالا ونساء يرتدون السواد أطلقوا على أنفسهم ائتلاف شباب المصدر، كانوا يمرون بين الناس كي يبرؤونني ويروون فضائلي، لكن كلما تحدث أحد منهم فتكوا به، ومثلوا بجثته حتى أفنوا شباب الائتلاف، في الليلة الرابعة عشر ضربت القاهرة أعاصير ورياح عاتية فضت الاعتصام، فعلم الناس أي منقلب ينقلبون، وما ربك بظلام للعبيد
تحررت في تلك الليلة وسرت بين الناس وأنا ملثم قائلا معهم: الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة.. وظل الهتاف رائجا حتى سقط السلطان على أيدي أعدائه، أما أنا فاختبأت في مقابر الشهداء منتظرا العودة في آخر الزمان مع ثورة جديدة. هاتفا الجيش والشعب إيد واحدة، ويوم ما سيعود السلطان من منفاه في آخر الأرض ونهتف جميعا: الجيش والشعب والسلطان إيد واحدة

3 comments:

Foxology said...

تسلم ايدك

تصفيق حااااااد

تحياتى

Bella said...

هايلة ياعبد الرحمن

تحت الكوبري said...

ههه... أنا قعدت أقرى النوت لحد ما حسيت اني في منطقة الأزهر وشامة ريحة العطارين وبياعين الخضار اللي على مدخل درب الأتراك :-))