Sunday, September 25, 2011

شاب بدون رئيس

(1)
عزيزي عمرو .. أكتب إليك في هذه الأيام العظيمة التي لا تتكرر كثيرا، أنا الآن رجل بلا رئيس. أحتفل بعيد ميلادي الرسمي في أول أكتوبر مع مشاعر جديدة.. وغريبة، ولأننا قد ولدنا سويا في عام العظماء 1980، فإنك تدرك جيدا ما أشعر به الآن، قد قضيت 30 عاما مضت في ظل القائد الطيار الجبار محمد حسني مبارك، أنا اليوم بلا مبارك يا عمرو.. أعلم أنهم سيختارون رئيسا، وربما يكون قد تحدد اسمه في لوح محفوظ لا يراه سوى أهل الحل والعقد والراسخون في العلم، أقدر تفاؤلك وعباراتك الرنانة في أن العالم قد تغير، لكن ما زال الواقع حولنا لم يتغير تماما، أنت تعلم سنتي وحكمتي في أن أكتب كل عام في مثل هذا التوقيت عما جرى لي في العام السابق من أفعال الدهر، اليوم أجدني عاجزا عن فهم ما حدث، لقد غيرتني الأحداث، أصبحت أكثر تهورا وحماقة، واشتعلت رومانسيتي في خلق عالم جديد، وأخشى أن أسقط محبطا حين أواجه بحماقة الآخرين التي تسير في الاتجاه المضاد.
**
هل تعلم أنني قد ولدت في الثاني من سبتمبر وسجلوني في شهادة الميلاد في الأول من أكتوبر .. ستجد شريحة من المصريين كذلك، لأننا في مصر نحدد سن التسجيل في المدارس والجامعات والتجنيد بأول أكتوبر. وأوصت جدتي بأن يتم تسجيلي في أول أكتوبر حتى أكون متوائما مع المواعيد الحكومية المقدسة، هذا الفارق البسيط بين أوائل سبتمبر والفاتح من أكتوبر ينقلني لا إراديا من برج العذراء إلى برج الميزان، وكثيرا ما تلاعبت بصديقاتي العظيمات المهووسات بعلم الأبراج حين أتعامل معهن على أني رجل الميزان، ثم أفاجئهن بأني.. عذراء.
فاتك يا عمرو مشهد ذلك البواب النوبي الذي استوقفنا أنا وأصدقائي جوار السفارة الليبية مستهجنا ما يحدث حوله من احتفالات صاخبة، إليك ما حدث.. اتجهنا إلى السفارة الليبية بعد سماع أنباء عن سقوط طرابلس قلعة القذافي العتيد، ورأيت بعيوني كيف احتفل الليبيون المقيمون في مصر في الزمالك بمشاعر أن يكونوا بلا رئيس، هل تعلم ذكرياتي مع هذه السفارة؟ سأروي لك.. لقد كان بحث تخرجي من الجامعة تحت عنوان : العلاقات السياسية بين مصر وليبيا (1951- 1977)، وحين حاولت دخول السفارة آنذاك لعب بي الأمن الليبي أسوأ الألعاب، كلما دخلت من بوابة قالوا لي ممنوع، إذهب إلى البوابة الأخرى، ولفيت السبع لفات، من بوابة لأخرى، حتى سمحوا لي، وفي الداخل لم أجد رسائل دكتوراه تفيدني في بحثي، كانت المعاملة سيئة للمصريين، أو هكذا اعتقدت، لكن بعد أنباء سقوط طرابلس وجدت الليبيين يهتفون: مصري .. ليبي .. إيد واحدة. وفوجئنا بالبواب يتحدث ساخطا عن فكرة أن تكون بلدك بلا رئيس وقال: إحنا في بلد دلوقت من غير رئيس .. يعني احنا في بلد شيوعية، أي حد في امبابة عايز يقتل حد هيقتله" . لم يكن وحده من قال هذا الرأي، سائق التاكسي قال لي نفس الملحوظة، وكلاهما فوق الستين، أي أنهم رأوا رؤساء آخرين غير مبارك.
**
هل تعلم يا عمرو أبعاد المشكلة !؟ نحن نرفض أن يكون لنا قائد، ولا تسألني: من أنتم..؟ فآخر من قالها أنت تعلم مصيره جيدا. لقد حاولت يا عمرو إسقاط رؤساء آخرين في قلاع حصينة، وأعترف أنني فشلت، بكل فخر "أنا علّمت على ناس جامدة". وحتى كتابة هذه الكلمات، سيظلوا في دأبهم "للتعليم عليا".
هل تذكر ما كتبته لك على تويتر أن: مصر تشهد صراعا بين "جيل ما بعد حداثي"، لا يؤمن بالقيم الزائفة التي تم ترويجها في حياته على مدار عقود، في مواجهة عالم آخر ينتمي إلى كل ما هو قديم وتليد، عالم يورث فيه الأب مهنته إلى ابنه، عالم تحول فيه الرئيس إلى الكاهن الأكبر الذي يخرج في كل مناسبة دينية واعظا شعبه المؤمن، كنا في عالم يقوده رئيس هو قائد الشرطة والجيش وكل شيء، عالم من أيام الفراعنة، عالم شبيه بحكم القبائل لأفرادها، بل أسوأ، نحن نصارع من يعتنقون هذه المبادئ، نحن نشهد صراع العصر القديم، ضد العصر ما بعد الحديث. هل تعلم إلى ماذا سنصل؟ إلى الدولة الحديثة، هذا هو الطموح الأكبر، إلى مؤسسات تسيطر على أبنائها، أتوقع يا سيدي أننا سنعيش في ظل دولة المؤسسات التي لم نعشها من قبل، لكن.. لم يكن هذا هو طموحي أو طموحك، ولأقل لك -وعن تجربة- إن أصعب الحروب تلك التي تخوضها ضد المؤسسات.
**
إلى متى سأظل تحت إبهار يوم 28 يناير؟ هل أنت أيضا تحركك مشاهد ذلك اليوم؟ أعلم أنك كنت أكثر نشاطا في يومي 26، و27 يناير.. وكلما تحدثت مع أحدهم أكد لي أهمية هذين اليومين، فالحقيقة لا أشعر بأهميتهما، وليست (نفسنة) والله ! كل ما هنالك أن ظروف 28 يناير أو جمعة الغضب هي التي أدت إلى كل ما حدث. أتذكر أنني قد مررت في 25 يناير من أمام دار القضاء العالي، وكما تعلم فأنا أكره المظاهرات والهتافات، لأقل لك سرا.. أنا لم أهتف أبدا في أي مظاهرة، وقبل أحداث الثورة – إن كانت ثورة- لم أقف متظاهرا، أنت تعلم كراهيتي لعالم النشطاء الشبيه بالجيتو – حارة اليهود- وتعلم كم الانتهازيين الذين يتكسبون من التواجد في دوائر هذا العالم. في 25 يناير رأيت بعض هؤلاء، لكن الأغلبية لم أرها من قبل، وكانت المفاجأة عند دار القضاء العالي قرب السادسة مساء حين وجدتهم قد أغلقوا شارع رمسيس، والشرطة تشاهد ما يحدث ببرود، تركت الهتيفة والمتظاهرين وتجولت بين صفوف الأمن، واخترت احد ضباط أمن الدولة ودرت حوله دورة كاملة وقد تجاهلني تماما، شعرت بإحساس غريب لم افهمه، أنها لحظتي، أو لأقل بتواضع هي لحظة أمثالي الذين ضاقت بهم الأرض، وان موعدهم قريب في قيادة الأحداث، وأنه قد حان موعد انسحاب كتيبة النشطاء وإفساح المجال لمن لا يثورون إلا مرة واحدة. اتجهت إلى الجريدة حيث كنا زملاء في يوم من الأيام، وقررت أن أعود وأمر على أصدقاء لي في جريدة الأهرام، وفوجئت بأن الدنيا انقلبت قرب دار القضاء حرفيا، إذ وقعت صدامات قوية رأيت بقاياها في شوارع احتوت طوب متكسر وحواجز حديدية ملوية. سرنا وطفنا لساعات وبمجرد نزولي مترو الأنفاق قرب الثانية عشر كان فض مظاهرة ميدان التحرير العظيمة قد وقع، ثم تابعتك على تويتر.
**
أنت تعلم مزاجي يا عمرو.. أنا ابن هذه الأحداث، لا أقدر القيم الكبيرة الزائفة، بما فيها قيمة الثورة، لكنك تعلم مدى مثاليتي وأفكاري الرومانسية عن كل شيء، وبين أداء ومظهر عدمي، وجوهر أخلاقي مثالي، أعيش حياتي. هل تذكر ليلة جمعة الغضب كيف قضيناها؟ كنت أتابع تصريحات السيد صفوت الشريف وأناضل ضد ما كانوا يفعلونه في الفيسبوك، وأقاوم رداءة الانترنت، كان موعد الشيفت في الجريدة، ونزلنا، والتقيتك في سينما نايل سيتي ليلا، وكنا على موعد مع الفيلم العظيم 365 يوم سعادة.. أنت تعانق كيس الفشار، وأنا أعانق بعيوني الفنانة العظيمة لامينا فرنجية التي تذكرني بزميلتي اللبنانية السابقة. لقد أدركنا في ذلك اليوم أن معنا على هذا الكوكب من لا يدرك معنى الثورة أو الاحتجاج، كانت السينما ممتلئة على آخرها، وإلى جوارنا امرأة عراقية تحدث زوجها في الهاتف وتزعجنا، وبعد أن خرجنا وقفنا أمام النايل سيتي أمام النيل العظيم وسألتك: هتعمل إيه بكرة..؟ لم أكن أعرف ماذا فعلت قبلها بعد يوم 25 يناير، وذكرت لي أنك ستصلي في مسجد خالد بن الوليد في الكيت كات، أما أنا فلم أعرف بماذا أجيب.. لم يكن لدي ادني استعداد للفشل، أو أن أسير في ركاب نشطاء يطمحون إلى أخذ مكان مبارك وصفوت الشريف و....
**
أعتقد يا عمرو أن انقطاع الانترنت، وانقطاع الاتصالات الهاتفية في هذا اليوم قد كانا كلمة السر التي رأيتها في اليوم التالي، أنت لا تعلم تفاصيل الرواية التي كنت أنوي كتابتها قبل سنوات، في يوم 28 يناير أو جمعة الغضب رأيت المشهد الأخير في هذه الرواية التي لم أكتبها، كنت أتمنى لو أعرف البكاء كي أبك تأثرا من مشاهد جمعة الغضب، لكن الذهول كان أقوى. لم يكن معي أي وجه من وجوه وسط البلد العظيمة، سأحدثك عن هذا اليوم لاحقا. ووقتها لم أفكر أبدا في أنني سأعيش بدون رئيس في ختام عامي الثلاثين، سأحدثك متى اتخذت هذا القرار، أن أكون بلا رئيس. إممم.. هل تعلم ؟ لقد عشت أغلب حياتي وأنا رئيس نفسي، في العمل.. وفي المنزل، وبين أصدقائي.. أما على المستوى السياسي فلم يكن مبارك يمثل لي أي شيء. كان رئيس المصريين، ولم يكن رئيسي . هناك الكثير من الأشياء التي أريد أن أحدثك عنها، عن حياتي المهنية عن أصدقائي، وعن محاولاتي الارتباط. وعن أشياء كثيرة، كلها كانت في مرحلة الثورة. ودعني أؤكد لك في ختام هذه الرسالة الخالدة، أنني لم أتغير كثيرا، أو لأقل لك بصراحة أنني ما زلت أقاوم التغيير، وأحرص على السذاجة والمثالية والعدمية بثورة أو دون ثورة، برئيس أو بدون رئيس

2 comments:

zyyzn said...

بالفعل 1980 عام العظماء أمثالنا.................

حقاً، أهنئك على هذه الصراحة، والصدق في المشاعر، بعيداًَ عن إدعاءت الآخرين بالتلحف بالمثالية الثورية....
أهنئك أنك مثالي في الصميم، بغض النظر عن مواقفك ووجهات نظرك.

layal said...

وبين أداء ومظهر عدمي، وجوهر أخلاقي مثالي، أعيش حياتي

تكفي هذه الجمله
لتختصر كل ما قيل