Monday, October 10, 2011

الإدارة بالتخلف.. ما رأيت في فتنة التاسع من أكتوبر

قضيت أربعة أيام في ورشة تدريبية بين مسيحيين أرثوذكس وكاثوليك ومسلمين إخوان ومستقلين إلى جانب ناشطين سياسيين، في البداية كنت أقاوم احساسي بالأمان والألفة بسبب القلق الذي يخترقني قادما من المهنة العكرة التي أمتهنها. واستسلمت للسكينة والسلام في آخر يومين، لم أعلم أني بعد انتهاء الورشة بيوم واحد فقط سأعيش حالة طائفية كريهة في شوارع القاهرة، لكني رغم هذا لم أصدم مما رأيت.. الغريب أن حالة الصدمة الأولى في ذلك اليوم كانت حين وقفت أمام مبنى المؤسسة التي أعمل بها ولم تكن لدي رغبة في الصعود إلى الطابق الرابع حيث أعمل، في عالم التوتر والقلق والأسئلة الوجودية العظيمة المختلط بأحاديث التفاهة والتشتت
**
في ذلك اليوم هنأت والدي بعيد ميلاده الرابع والستين، لكنه لم يبد أي اهتمام بهذا الحدث، لدينا قلق آخر على حالته الصحية، في صباح ذلك اليوم استقليت عدة مواصلات مارا من أمام ماسبيرو وقرأت عبارة أسفل كوبري 15 مايو تقول: نحن نحرص على الموت مثلما تحرصون أنتم على الحياة. ربما كتبها أحد الثوار، وكانت تجاورها عبارة تؤيد مبارك !! .. بعد انتكاسة العودة إلى الشارع و العمل حيث البيئة غير الآمنة، بدأت في متابعة الأخبار السيئة من ماسبيرو، أحبطت من المشاهد على الفضائيات، وشعرت أني محاصر تماما، جاءتني مكالمات هاتفية تحذرني من المشاركة لأن الوضع كان سيئا فيما يبدو، أحد زملائنا المصورين نقل لنا مشاهد دهس المتظاهرين المسيحيين بمدرعات الجيش، وبدأت في الاتصال بمن أتوقع أن يكونوا هناك، بعضهم أجاب الاتصال، وآخرون كانوا عالقين داخل الأحداث
**
في التاسعة كنت قد تركت الجريدة مع زميل قرر مشاركتي بدافع القلق عليّ لأنه يعلم مدى تهوري في معايشة الأحداث الغريبة، وأني أفعل هذا بدافع شخصي لا مهني
رفضت التاكسيات المرور ببولاق أبو العلا، وحين قبل أحدهم دار بيننا حديث حتى نزلنا الزمالك أسفل كوبري 15 مايو، وبدأت في تلقين زميلي اجراءات الأمان، إذا سألنا أحدهم سنقول كذا، فوجئت أمام الخارجية ببدايات المشهد.. سيارات محترقة، شباب يحاولون تفكيك أجزاء سليمة منها لبيعها، إذ أن سوق السبتية المجاور سيوفر لهم فرصا جيدة لترويج ما سرقوه، وفجأة.. أكثر من خمسين شابا يحيطون بثلاث فتيات وظللت أسير معهم متوقعا حادث تحرش أو اغتصاب.. أحدهم قال لهم: احنا هنطلع دين أبوكو انهاردة، والفتيات مذعورات. ربما هن مسيحيات أو مسلمات لم أعرف، لكن من المؤكد أن الشباب كانوا مترددين في اتخاذ اجراء عنيف ضدهن
فوجئت أيضا بشاب ملتحي يجادل امرأة شلق تدافع عن العنف، وهو يقف ضد ما حدث من تخريب وعنف ضد المسيحيين الذين حاولوا الاعتصام، قال أن الجيش فرم الناس، لكن من حوله رفضوا تلك الحجة مرددين بأن الناس قتلوا عساكر من الجيش
بدأت أبحث عن الملتحين المتواجدين، أغلبهم كان متواجدا في عدد قليل و بشكل سلبي من الأحداث يراقب ويتابع. رأيت أحدهم في تلك اللحظة يجادل آخرين في أن المسيحيين مخطئين.. أغلب المتواجدين شباب تبدو عليهم مظاهر الفقر والجهل، أحدهم وقف على سيارة محترقة رافعا علم مصر مرددا: ×× أمك يا مسيحي، على طريقة هتافات مدرجات ستاد القاهرة، ومراهق آخر يتحدث برعونة عن بطولات زملائه المراهقين الذين تصدوا للمسيحيين وكيف قذفوهم بالحجارة دفاعا عن الجيش.. كنت قبلها قد رأيت على شاشة التلفزيون المصري تغطية تحريضية و طائفية، أحد المراهقين وقف أمام سيارة محترقة ثم قال مرددا: شوفت .. التلفزيون مش بيكدب
فجأة يظهر رجل يرتدي بدلة أنيقة التف حوله مجموعة كبيرة من الشباب قائلين أنه مسيحي، وتم الدفع به ثم تسليمه إلى الجيش، وظهر آخر معه ورقة تابعة لاتحاد شباب ماسبيرو زاعما أنه اختطفها من الرجل الأنيق المسيحي.. وأخذ يقرأ منها فقرات عن : التصعيد ضد المجلس العسكري. وتبادل الجميع عبارات الادانة ضد من يريدون تخريب البلد من أقباط المهجر
في الطريق كنت أسمع شتائم للمسيحين من أغلب الشباب والمراهقين، مع بعض المحاولات الهزيلة لشباب ورجال أكبر سنا للدفاع عن المسيحيين ودحض تلك الروح الطائفية ، ظل الأمر كذلك في تلك البقعة المدنسة ناحية ماسبيرو ثم رأيت مسيرة تهتف : اسلامية إسلامية.. لم يكن بها أي سلفي، سوى رجل ملتحي يقودهم، سرت معهم، وكان أغلبهم من المراهقين والشباب رث المظهر ومن تبدو عليهم مظهر البلطجة
في ذلك اليوم ظهرا كنت قد مررت على المظلات، ورأيت على أحد الأسوار عبارة عظيمة تقول: النظافة من الإيمان، ممنوع التبول. وبعدها بمسافة بسيطة عبارة أخرى: النظافة من الإيمان.. ممنوع التبول يا خـول
تذكرت هذه المفارقة حين تقترن عبارة مثل: النظافة من الإيمان تنتمي إلى الموروث الاسلامي بسباب
هذه العقلية هي التي كانت تحرك من رأيتهم في ذلك اليوم، أن يهتف ضريب ترامادول وبانجو.. إسلامية إسلامية وكل هدفه هو الشجار والعراك، تماما مثلما كان الحال في حرب مباراة مصر والجزائر
تابعت السير ناحية التحرير، في الطريق كانت هناك بقايا رائحة غاز مسيل للدموع، وإلى جوارنا مجموعة من عساكر الجيش يهرعون إلى التحرير جريا، وفجأة استدار الجنود وهجموا علينا ثم جرينا ناحية شارع جانبي لنكتشف أننا محاصرون، أحد من كانوا إلى جواري أصابه الهلع، فقلت له أن الجيش يريدهم أن يفروا فقط، وأننا لسنا محاصرون، ظللت أتقدم ناحية الجنود وهم يحذروننا من التقدم لأنهم مشغولون بقتال آخرين ناحية ميدان طلعت حرب، رأيت طبيبا شابا في حالة ذعر من صياح بعض أصحاب محلات وسط البلد الذين أغلقوا محلاتهم اضطرارا، سمعت عبارات: دول اخواتنا المجندين.. هو ده جيش صهاينة !! .. حاولنا تهدئتهم كي لا يفتكوا بالطبيب الشاب الملتحي الذي أراد تطبيب أي مصاب، حتى أنه قال لضابط جاء من ميدان طلعت حرب : هل معكم مصابين؟ لإظهار حسن نيته. وأجاب الضابط: المفروض لو حد جه من الناس دي تاني ترجعوهم!! استوقفتني العبارة، لكن قطعها تصفيق بعض الواقفين هناك للجنود العائدين من ميدان طلعت حرب بعد نجاحهم في تفريق متظاهرين وإطلاق النيران. الكل كان على وجهه علامات الذعر.
في ميدان طلعت حرب رأيت أصدقاء أعرفهم، منهم مينا الذي كان معي في الورشة التي تحدثت عنها في البداية، وصديق آخر هو هيرماس الذي شاركني كثير من المصائب والعمليات الخطرة خاصة في اعتصام 8إبريل.. رأينا مجموعات متتالية لشباب أعتقد أنهم نفس الشباب الذين كانوا يرددون العبارات الطائفية عند ماسبيرو، ويهتفون أيضا: إسلامية إسلامية.. ليس معهم سلفيين، يقودهم شباب تبدو عليهم مظاهر العنف، وبعض الشباب مروا جوارنا رافعين الأحزمة، وبعضهم مر لاعنا المسيحيين وكانت نصف المجموعة التي أقف معها من المسيحيين، أحد الشباب قرأ لافتة لمحل مصوغات مكتوب عليها اسم صاحبه: جورج، وبدأ في محاولة ضرب الباب بقدميه، وحين أخفق، رحل مع المسيرة غريبة الشكل
كنا نتحدث أنا ومينا عن تلك المفارقة بين حالة السلام التي عشناها في الورشة التدريبية وما يحدث حولنا الآن، وحين سمعنا عن تجهيزات سلفية للهجوم على أهالي الفجالة والمستشفى القبطي الذي يحيط به أهالي القتلي من المسيحيين، قررنا الذهاب إلى هناك، وشجعنا على ذلك مرور مسيرة قادمة من التحرير تهتف ضد المجلس العسكري مع هتافات تحض على الوحدة الوطنية، وسرنا معهم، كنا ثلاثة، وعدد المسيرة لا يتجاوز الستين فردا، وكان إلى جواري امرأة منقبة تهتف مسلم ومسيحي إيد واحدة، وأغلب المسيرة كانت من الشباب وأربع فتيات إحداهن محجبة. وطوال الطريق رأينا نظرات الدهشة تطل علينا من شوارع وسط البلد حتى الوصول إلى رمسيس، كان الجميع يتوقع مذبحة عند المستشفى القبطي بين الشباب الأرعن الذي يتستر خلف هتاف الله أكبر ويلعن المسيحيين ضد الشباب القادم من التحرير. وفي الطريق كانت تأتيني مكالمات من أصدقاء يدعونني إلى المبيت لديهم إذا ضاقت بي السبل، وفي ميدان رمسيس، كانت بوادر مشهد جديد، شباب متهور من الذين رأيتهم ناحية ماسبيرو، ربما ينتمون إلى بولاق أو السبتية يرفعون أجهزة الصاعق ذات الصوت المميز، وأحدهم معه كزلك يتباهى به وسط الميدان، وتم تهديد مسيرة التحرير التي انسحبت عائدة إلى وسط البلد بعد منعهم من العبور وبعد أن قيل لهم: لو لقينا حد مسيحي هنطلع ميتين أمه. قالها مراهق لا يتجاوز الخامسة عشر، واستوقفنا شاب يرفع بطاقته، ويخشى العبور خائفا من أن يتم تهديده، أو أن يعتبره البعض مسيحيا، وكنا قد علمنا عن أن هناك حظرا للتجوال سيتم تطبيقه في منطقة التحرير ووسط البلد من الثانية صباحا
**
فوجئت بأننا جئنا للمرة الثانية بعد انتهاء المعركة، إذ كانت المسيرات السابقة التي رأيناها في طلعت حرب قد قامت بواجبها وحطمت أكثر من سبع سيارات وأحرقتها، ورأيت للمرة الثانية من يحاول سرقة محتويات إحدى السيارات. كان أهالي تلك الناحية في حالة غضب واشمئزاز من الموقف، ورأيت محاولات للتهدئة، لكن في تلك المواقف أنت لا تعرف من معك ومن ضدك، رأيت مدرعات للجيش تحمي المستشفى القبطي، ومجند فوق إحداها يجادل بعض الشباب المتعصب قائلا أن أقرب أصدقاؤه مسيحي، وفيما يبدو أنها قد جاءت متأخرة ، إذ كانت بقايا الطوب المتكسر والزجاج تملأ شارع رمسيس
في 28يناير كنت في نفس المكان.. وقتها شعرت بدهشة كبيرة، والآن تلك هي المرة الثانية التي أكون فيها في نفس تلك البقعة، أتجول بحرية بعيدا عن زحام السيارات المعهود، لكن مع أشخاص مختلفين، أتذكر في جمعة الغضب حين تم أسر أحد حراس الكنيسة بسبب جهاز اللاسلكي الذي كان بيده، وتم التحفظ عليه في المسجد المجاور حماية له، أما في التاسع من أكتوبر فأنا هنا في موقعة أخرى لم أتوقعها.. أحد شباب الفجالة قال لنا أن بعض من جاؤوا قيل لهم أن المساجد تحترق جوار المستشفى القبطي، لكني لا أصدق أن هذا السبب قد جاء بهؤلاء الشباب، إنما هي مبرراتهم، فقد كانوا يبحثون عن خناقة.. هكذا الأمر ببساطة، ووجدوا هدفهم في شجار أقرب لمعارك الفتوات في القاهرة القديمة بين الأحياء المختلفة
العجيب أني رأيت الرجل السلفي الذي كان يحرض الناس أمام هيلتون رمسيس ويقود مظاهرة من الشباب الأرعن، رأيته مطرودا من أمام المستشفى القبطي، واتجهت نحوه قائلا:
ـ يا شيخ أنا شوفتك عند هيلتون رمسيس، وكنت جاي معاك ، فاكر كنت بتهتف بتقول إيه؟
ـ كنت بقول إسلامية إسلامية.. دول قتلوا الجيش، وعايزين يحرقوا الجوامع، دول حرقوا المصاحف، وقطعوا هدوم اخواتنا المنقبات...الخ
ـ طب إنت إيه اللي جابك هنا يا شيخ، اشمعنى هنا؟
دار حواره على هذا المنوال الغريب، وظن أن صديقي هيرماس مسلما، وجذبه من لحيته قائلا: دول لو سكتلهم مش هتعرف تسيب دقنك دي!!ـ
كنت قد بدأت في الانهيار من التعب، لكن ما حدث أني فوجئت بأن أصدقاءنا الذين تركناهم في طلعت حرب ورحلنا مع المسيرة، قد جاؤوا خلفنا إلى المستشفى القبطي، واتصل بنا أحدهم، ليعرفنا بشاب نوبي اسمه أيمن معه بعض تحليلات عن قصة كنيسة الماريناب، وملخصها أن العادات هناك ترفض وجود الغرباء أيا كانوا، وأن التقاليد القبلية بشكل عام لديها حساسية من التعايش مع الاختلاف
**
أكثر ما ضايقني أننا نعود إلى دولة الفشل التي كان يديرها مبارك، كانت أكثر اللحظات كآبة تلك التي رأيتها في ماسبيرو بعد انتهاء المعارك، إذ رأيت السلطات والاعلام يعتمدان على تكريس روح الجهالة، مثلما حدث تماما في حرب الجزائر الكروية، هناك من يريدون إدارة مصر بالتخلف، هذا أكثر ما صدمني، أن الشارع كان يتحرك على أساس الجهالة والرعونة، على عكس ما كنت أرى أيام الاعتصام التحرير الأول حين كان ينصاع الجميع لروح التقدم إلى الأمام
كان ذلك ما رأيت، وكان عليّ أن أكتب

**

3 comments:

Gid-Do - جدو said...

عبد الورد - تحية عاطرة - من زمان لم اكتب اى تعليق عنك او عند غيرك - ارجو ان تكون بخير - اللى بيحصل فى مصر الان عمرى ما شفته منذ طفولتى وحتى هجرتى من مصر - اعتقد ان السبب الرئيسى فى الازمة تراخى الحكومات المصرية فى علاج اسباب التوتر منذ البداية ومحبات الفكر الوهابى الذى وفد علينا من السعودية واهم شئ عدم تطبيق القانون على كل المصريين بصرف النظر عن الديانة - الموضوع كان كلام خالى من اى معنى عن المواطنة وحل كل خناقة بالبوس والاحضان بين القيادات المسلمة والمسيحية وتظل النار مشتعلة تحت الرماد - لك تحياتى وتمنياتى لك بالتوفيق

نهى جمال said...

جميل ومؤلم

في وسط إن ماحدش فاهم حاجه ولا هنفهم طول ما النظام متحاكمش والعسكر قاعد

Foxology said...

كنت هناك أيضا

أصابنى الاكتئاب

مفيش فايدة بجد فى شعب قضى 30 سنة من عمره فى جهل