Wednesday, December 14, 2011

تجارب بلا نتائج

:)

ابتسامة الكترونية

**

في البدء كانت جملة: المثالية تدفع صاحبها ألا يقبل كل ما هو غير مكتمل.. مرحلة، علاقة، فكرة..الخ
**
الحقيقة وكل الحقيقة – لاحظ البداية- أني تحت تأثير مرحلة، أعيد التفكير فيها فيما أفعل، وما مررت به، والأهم أني أفكر فيمن يشبهوني. فأنا من قلت عن نفسي – لاحظ التواضع- أني بين أداء ومظهر عدمي، وجوهر أخلاقي مثالي، أعيش حياتي. أما اليوم فأعيد التفكير.. لأن هذه المبادئ تجعلك في صدام مع الواقع
**
استحضرت سيرة المتنبي العظيم في أبياته الرائعة، إذ يقول المتنبي دون خشية أو حرج
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ** فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
ويقول: رِضاكَ رِضايَ الّذي أُوثِرُ ** وَسِرُّكَ سِرّي فَما أُظْهِرُ

كان الشعراء يلتصقون بالحكام بغية المال والشهرة، تلك كانت القواعد المعمول بها في ذلك الزمان، أن تمدح بشعرك كي تعيش ضمن الصفوة حتى إن كان باطنك عكس قولك، قال أحدهم
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ** فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
و كأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ ** وكأنّما أنصاركَ الانصارُ
لكن المتنبى رغم مديحه ونفاقه كان لديه إحساس بذاته، يدرك موهبته، وأزعم وأرجح أنه كان يدرك ذلك الزيف، فكان يجمع في شعره بعض أبيات تحمل تضخما في الذات، إذ يقول
الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني ** والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ
ووقع في صراع بين أن يكون مزيفا كاملا، وبين أن يكون مستقلا بذاته، فوقع في التطرف هنا وهناك، ولم ينجح في أن يستقل استقلالا كاملا مثاليا، ولا أن يكون مزيفا كاملا كغيره، أعود إلى جملة البداية: المثالية تدفع صاحبها ألا يقبل كل ما هو غير مكتمل.. مرحلة، علاقة، فكرة..الخ
لذا عاش في أزمة مع تلك الأجواء التي ارتضاها لنفسه، لماذا؟ لأنه إذا كانت القواعد تحتم عليك أن تكون مزيفا، فعليك أن تعلم أن تلك هي القواعد، أن تقتنع بهذه الحقيقة، ولا تحاول أن تلتف عليها
**
في الماضي، كنت أحاول الكفر بكثير من القيم الإنسانية، ولا جدواها، مؤخرا سمعت مهرجانا شعبيا يعبر عن هذه الأفكار هنا: http://abderrahmann.tumblr.com/post/14165799322، لكن ظلت المثالية تنادي، ولم تختف، وظهرت في مواقف الضغط، وعلى ما يبدو أن هناك صراعا بين الاندماج في الواقع المزيف وبين العيش في الحلم الكبير
**
مؤخرا التقيت من هم مثلي، يكرهون الزيف، يريدون حياة يصنعونها بأنفسهم، حرب ضد الواقع، وكنت أتحدث وفي بالي تجربة المتنبي الذي تحولت محاولته من كسر الزيف إلى نرجسية وتقديس للذات المناضلة ضد الواقع.. كنت أنصح وأقول أن الحياة قد تضيع في هذه الصراعات الكارثية التراجيدية.. ما الفائدة من كل هذا؟ وخطرت ببالي فكرة أخرى أننا على الأرض هنا نتقلب بين البحث عن الجنة والنار، بين الفساد الكامل، والمثالية الكاملة، ونجمع كل هذا داخلنا، لكن قليلين هم من يتطرف وفي أذهانهم أنهم قد يتحولون إلى رموز أو تجارب خالدة
**
أعلم أني لم ولن أصل إلى نتائج، وستنضم هذه المحاولة إلى تجربة أخرى غير كاملة، فلا أحد يدرك الحقيقة، نحن أصغر من هذا، لكن لنبق قريبين من المثالية دون أن يقلقنا انتصار الزيف. أما ما يقلقني أنا شخصيا أني أعود إلى الوراء قليلا، إلى سنوات الاعتزال، أعلم أنها في الغالب لن تتكرر، لذا فلنتقدم إلى الأمام.. دون البحث عن نتائج، ودون ندم
فمثلما كان هناك شعراء متصالحون مع الزيف دون قلق أو مراجعة لمواقفهم، و هناك من اعتزلوا ضد الزيف مثل المعري، وهناك من عاشوا الزيف ثم اعتزلوا مثل أبو نواس، وهناك من ظلوا بين هذا وذاك حتى قتلهم هذا الصراع مثل المتنبي، وفي كل هذه الحالات، فهذه هي ضريبة أن يكون لك موقف، أو تحرك في اتجاه ما
**
سنظل نسخر من المثالية الساذجة حين يهزمها الزيف، وسنسخر من الزيف حين يضعف أمام القيم الكبرى، دون أن نعتزل أو نعتكف، لأننا لن نعيش الجنة أو النار على الأرض. والنتائج لن نعرفها الآن. ورغم كل هذا سأظل قريبا من المثالية والجنة المفقودة، عن أن أقبل التزييف ونار الانتصار المؤقت

No comments: