Wednesday, January 19, 2011

البحث عن النصر- قصة احتراق مواطن

لن يمنع أحدهم نفسه من أن يبتسم حين يقرأ هذا العنوان في صحيفة الأهرام اليومية : زيادة حصة سوهاج من بنزين‏80‏ لحل الأزمة. العبارة التي قيلت بعدها كانت: عايزين الناس تولع نفسها في سوهاج !! . على الأقل هناك ستة مواطنين حاولوا وتوفي أحدهم، في هذا الزحام تخرج صيحات ومناشدات مثل التي ذكرها أدمن مجموعة كلنا خالد سعيد: لا للانتحار.. نعم للمطالبة بالحقوق، أو دعوة الشيخ القرضاوي حين قال: حافظوا على حياتكم فالذي يجب أن يحرق هم الطغاة
**
لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحرق فيها مواطن مصري نفسه احتجاجا على الظلم، لكن تكرار الحوادث في مدى زمني قصير هو المثير للجدل الدائر الآن، ويكاد يتفق الجميع على أن المحرض الأول على هذه الحوادث هو محمد البوعزيزي رمز الثورة التونسية، هذه الفرضية تدفع إلى البحث في ذهن هؤلاء الضحايا/المواطنين، لابد أن المحترق الأول قد فرض قواعد جديدة، فرسالته إلى السلطة كانت التذكير بالانتفاضة التونسية، وهي الرسالة التي فهمها من جاؤوا بعده على أنها إحدى وسائل الضغط السريع، حتى أن العدوى امتدت إلى شرائح أخرى أفضل حالا مثل الفنانين على حد ما نقله موقع صحيفة الدستور
**
الأهم في هذا الشأن أن صورة محمد البوعزيزي – أيقونة الثورة التونسية – وهو محترق قد أصابت – فيما يبدو – القيادة السياسية في مصر بالقلق، ظهر هذا في تصريحات وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، وفي بعض المانشيتات الصحافية مثل جريدة الأخبار التي نالت بعض السخرية على المانشيت المرتعد في صدر الصفحة
**
تحول محمد البوعزيزي إلى رمز احتجاج وأصبح الاشتعال أداة تغيير ينقلنا لا إراديا إلى فكرة رومانسية عن الاحتراق من أجل هدف نبيل، أو الاستشهاد في سبيل بقاء الآخرين، من المؤكد أن من فجـّر نفسه في كنيسة القديسين كان يعتنق – مثل من سبقوه – فكرة أنه ينتصر من أجل هدف سامي، أيا كان الهدف سواء إشعال الموقف الطائفي على أمل التغيير، أو الانتقام للاسلام، وهو ما حوّل الممارسة إلى تيمة
**
في مقطوعة موسيقية لعمر خيرت أنشد على لسان الكورال هذه الكلمات : بسم الله . الله أكبر . بسم الله. لم يكن ذلك اعتباطا بقدر ما هو استعارة لتعبير الله أكبر الذي ردد بعض قادة حرب أكتوبر أنه كان كلمة السر في معركة العبور.. وليس من المستغرب أن تكون الله أكبر فيما بعد هي كلمة السر في فوز مصر في كثير من مباريات كرة القدم الحاسمة، لتتكرر قصة العبور مرة أخرى، فيتحول العبور العسكري إلى عبور رياضي يضاهي ما صنعه الآباء من قبل
**
من المؤكد أن بؤس الحالة المصرية في العقود الأخيرة سببه الاعتماد على استعارة تيمات النصر، مثل محاكاة فكرة الاستشهاد الإسلامية، أو ترديد عبارة ترمز لانتصار في حرب قديمة، ليست هذه دعوة إلى إنتاج تيمات جديدة، لكن البؤس الحقيقي هوغياب النصر نفسه، حتى إن كان مجرد نصر زائف، فعند مقارنة تأثير خطاب جمال عبدالناصر وتحوله لدى البعض إلى تيمة عربية يقلدها أي سياسي، نجد الآن أنه حتى تلك الانتصارات الخطابية لم يعد لها وجود
**
حتى هذه اللحظة لم يحرق ناشط سياسي نفسه احتجاجا على ما يحدث، ما زال لديهم أمل في 25 يناير القادم على امل إنتاج تيمة جديدة، أما المهمشون الذين ليس لديهم أي قدرة على مناطحة الحقيقة، فيستمرون في استعارة تيمات النصر، سواء في تكرار الله أكبر، أو في عملية استشهادية، أو حتى في إشعال الذات

Tuesday, January 18, 2011

رحلة الحذر والمطر

السير بين هطولين للأمطار أقرب إلى مغامرة.. صباحا سرت تحت غمام شحيح، يلقي قطرات المطر ببطء، النظر إلى أعلى في هذه الأجواء يزيد القلق خشية أن تغضب السماء وتطاردك بامطارها. سقطت قطرات على النظارة، أحتفظت بها حتى رحلت بنفسها تاركة خلفها أثارا شتتت بصري، مداعبة المطر تحولت مع الوقت إلى تحرش وسيطرة على مساري، وزاد القلق
في منتصف الطريق قد تفاجئك السماء بانقلاب وثورة، وفي طريق الهروب قد تسقط في الأوحال، و... بالتأكيد ستتشبه بإسفنجة تمتص هذا الفيض. حتى إن لم يحدث هذا ستظل في قلق من أن يحدث، حياتك في هذه الدقائق ليست لها ملامح، هل أنت مع سقوط الأمطار بكثافة أم ضده ؟ هل لديك إمكانية التأخر أم مضطر إلى مواجهة هذه الأجواء الصعبة للوصول؟
حين تتحول حياتك كلها إلى رحلة شخص حذر من هطول قد وقع وهطول آخر متوقع، لن تشعر بقطرات المطر الخفيفة الهاربة من غيماتها. ستتعامل معها كشيء مثير للقلق، وفي أوقات أخرى ستراها أداة تحمد بها السماء على أنك لم تتعرض للسيل بعد
رحلة القلق قد تحتاج إلى مستهتر، ليس لديه خشية أو خوف من أن يسقط وينحدر في الأوحال، أو إلى مؤمن يثق في السماء لأنها لن تغرقه، أو إلى متفائل يتوقع وجود بساط الريح في آخر الطريق يوصله إلى حيث يشاء.. في أثناء الرحلة هناك من سيتهكم على قلقك ويغني: يا مطرة رخي رخي، وهناك من سيبحث معك عن شاعرية المشهد دون أن يهتم بتوترك وقلقك وعجزك عن الوصول، كل ما هو مؤكد، أنك ستخطو وحدك، يرافقك القلق والمطر والأوهام

Friday, January 14, 2011

السقوط في بئر التفاهة

جميل العنوان...! يصلح عنوانا لفيلم ثمانيناتي من أفلام نجمة الجماهير نادية الجندي. منذ فترة طويلة وأنا أحاول أن أكتب متنا لعنوان، كل ما كتبته كان للاستهلاك المحلي، في لحظة واحدة بدأت أعي ما كنت أنكره من واقع، وتعزز الاكتشاف باكتشاف آخر أكثر إثارة، أنك ستظل هكذا في كل أرض تحل بها في هذا الوطن السعيد.. هذا البلد قد اختار الفشل والتفاهة، والعمل بأقل جودة، وأقل كفاءة، وأقل سعر
الفيلم الثمانيناتي المزعوم يحكي عن بطلة اختارت الاختلاف، وظلت تتعمق وتتواصل مع ما حولها، حتى اكتشفت في النهاية أنها أسفل بئر وسط مجموعة من الفاشلين الغرقى، كلما حاولت الهرب جذبوها بقوة إلى الداخل، هنا تتكرس قواعد الفشل، وأهم قاعدة أنه لا مكان لمميز أو ذي مهارة أو مجتهد وسط الفاشلين.. تلك هي ديمقراطية الفشل
هنا تتلخص حبكة الفيلم، لكنها مثل كافة الحبكات المصرية ليس لها حل.. أما إن اقترحت أنت الحل فليس أمامك سوى الهروب، وهنا سنصبح أمام فيلم آخر، ليس ثمانيناتيا ولا من بطولة نادية الجندي، سنكون أمام قصة أخرى، تحكي عن الهاربين من التفاهة
**
أستمع الآن إلى ثلاثية قاتلة لأغنية واحدة.. في دايرة الرحلة، بدأتها بمغنيها الأصلي أحمد منيب، ثم مع محمد منير، وفي الختام مع مي كساب، حتى الآن قضيت ثلاث ساعات في الاستماع إلى الأغاني المتتالية مقررا عدم فعل أي شيء سوى الدوران في دايرة الرحلة مع أصوات المغنين الثلاثة
مع الوقت بدأ اللحن يثير نوستالجيا أو حنين إلى شيء ما لا أعرفه له علاقة بالطفولة، ربما له علاقة بموسيقى الشعوب التي عشت بينها قديما. وكلما زادت النوستالجيا كلما زاد المزاج الانتحاري
كان في نيتي التسكع بلا هدف لكن منعني المطر، وبعد المطر هلّ البرد الشديد، و ما زلت أريد النزول والتسكع دون هدف في بلد خاوي من سكانه، وأثناء الاستماع إلى الثلاثية بدأ المزاج في التحول إلى الكآبة والعدوانية.. فكرت في أن أقتدي برمز الثورة التونسية، وأولع في نفسي، لكن ماذا إن أمطرت مرة أخرى!؟ سأمشي مع حروقي مبلولا بعد أن تنطفئ، وماذا إن فعلتها في يوم مشمس!؟ لن يحدث شيء، سأتحول إلى خبر صغير مهمش ليس له معنى، ولن أحدث هذه التغييرات
**
المنتصر الذي يصنع القواعد في هذا الوطن العظيم شخص تافه.. لذا لن ينتظرك أحد كي تحرق نفسك من أجل موقف أو فكرة أو احتجاج. أنت تحرق نفسك كل يوم ولا شيء يتغير، وغيرك يحترقون في أماكن أخرى دون أن يشتعل ما حولهم
**
هل هو الجو المتقلب، أم الأحداث التونسية، أم الأغنية؟ حين قرأت العبارات السابقة وجدتها مليئة باليأس، واليأس غير مقبول، لأن كل شيء قد يتحول في ثوان. من كان يعرف أنها ستمطر، أو أنها ستشتعل بالثورة.. حتى إن بقى عنوان الفيلم كما هو .. السقوط في بئر التفاهة