Tuesday, November 29, 2011

أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم

قرر الشاب الأرعن من أمن ميدان التحرير تفتيشنا تفتيشا ذاتيا كاملا، فتعرينا كما ولدتنا أمهاتنا أحرارا، وتسلمنا أكفانا بيضاء، ألقيناها وارتدينا ملابسنا. كانت مسافة طويلة من ميدان الدقي حتى مدخل التحرير ناحية كوبري قصر النيل، بعد التفتيش عبرت مع صلاح جاهين وسيد مكاوي إلى قلب الميدان، اشتريت لهما حمص، وانطلقت إلى صديق قديم.. الشيخ عربي فرحان البلبيسي، ما أن رآني حتى تبدلت ملامحه إلى السعادة وقال منشدا: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. قلت: مين يا شيخ ؟ فقال: سيدنا الحسن والحسين والسيدة والإمام علي أبيهم. في تلك الأثناء كان هناك شعاع ليزر أخضر يمر على وجهي، نظرت إلى أعلى مبتسما، فجاءتني رصاصة رقيقة في منتصف الجبهة تماما.. لم أشعر بها
سرت حتى المستشفى الميداني في بداية شارع باب اللوق، وألقيت نفسي في أحضان طبيبة أشكو إليها تلك الرصاصة في رأسي ، أخرجتها بسهولة ونعومة ثم سألتني: إنت ليك حد هنا؟ فأجبت كما علمني أستاذي ومعلمي: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. انتزعني من بين ذراعيها شاب أخرق يرتدي بالطو أبيض ممزق، ونأي بي في زاوية من المستشفى وقرر إعطائي حقنة فارغة في الوريد، استسلمت، وهنا فزع أهل الميدان بعد إلقاء القنابل على المستشفى، ولم تعد لدي قدرة على الحركة، استنشقت الغاز، وظن العسكر أني قد مت، وحملوني ثم ألقوني في صندوق كبير للزبالة.. نمت
***
صباح اليوم الثاني نادى عمال النظافة، اصحى.. إنت مين اللي رماك هنا؟ لم أرد.. إنت من الثوار؟ قلت: أنا القتيل.. بلا إثم ولا حرج. ودب النشاط في جسدي، ودخلت سوق باب اللوق، بدلت ملابسي بملابس وجدتها ملقاة في إحدى الغرف، وفي طريق عودتي إلى التحرير صادني شعاع الليزر الأخضر مرة أخرى، وانطلقت رصاصة جديدة إلى رأسي، تلقيتها وسقطت فحملني أحدهم فوق موتوسيكل وانطلق إلى المستشفى الميداني، وهناك نزلت خفيفا شاكرا قائد الموتوسيكل على ذوقه، وقفزت الرصاصة من جبهتي رهبة من أثر السجود البادي على وجهي، بحثت عن صلاح جاهين وسيد مكاوي، جلست جوارهما، نستمع إلى عازف العود، بدت ملامحه مألوفة، وتعجبنا من زيه العسكري، اتضح أنه اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية، سألته: إنت ليك حد هنا؟ قال: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم
توقف عن العزف، قام باحثا عن حقيبة بلاستيكية سوداء وأخرج منها بلوفر، وبدلة سوداء، قائلا: ده بلوفر شفيق، ودي بدلة طنطاوي، هتختار أنهي فيهم؟ أجبت بعصبية: ولا أي حاجة !!ـ ظهر شعاع الليزر الأخضر مرة أخرى على وجهي وتلقيت رصاصة بين عيناي للمرة الثالثة، وكان أول من التف حولي هم باعة الميدان، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: هو من الثوار؟ ولا مخبر؟ ده كان قاعد مع بدين من شوية!!؟
قررت نزع الرصاصة من رأسي وانطلقت ناحية الشرق
**
في ميدان العباسية رأيت فتيات وصبيان يتهارشون ورجال ذوي

خلقة عجيبة يهتفون: الجيش والشعب إيد واحدة. ومن بعيد رأيت حمدي بدين وحيدا مع العود يعزف ولا يسمعه احد، سألته: إنت ليك حد هنا؟ فأجاب مشيرا بيده بعيدا بنبرة خاشعة: أنا ليا أربعة في وقت الضيق بناديهم. نظرت إلى حيث أشار بدين، فرأيت ثلاثة حولهم أشعة الليزر الأخضر، كانوا : توفيق عكاشة، أحمد سبايدر، عمرو مصطفى
سألته من الرابع: قال : ثلاثة رابعهم كلبهم
تركت العباسية، وعدت إلى ميدان التحرير، واخترت الاعتكاف جوار سيد العلماء وشيخ المشايخ عمر مكرم، أسبح بحمدالله، وفي أوقات الضيق ألعب بالليزر الأخضر .. هكذا سأعيش


Thursday, November 03, 2011

هل الثورة مستمرة؟


من أجمل الكليشيهات التي يمكنك أن تراها في جرافيتي أو في عنوان تحالف سياسي أو مجموعة الكترونية على الفيسبوك، كليشيه : الثورة مستمرة. بإمكانك أن تكفر تماما بهذه العبارة إذا ما ركبت جوار سائق تاكسي محبط من زحام الطريق، أو حتى من زميل في العمل فقد بعض سطوته بعد الثورة. في هذه المواقف أتذكر يوم 28 يناير، حين شاهدت أصحاب الفيلات والشقق الفاخرة جنبا إلى جنب مع أصحاب الجلاليب المهترئة، كلهم في لوحة واحدة لا تعرف فيها من سيقتل بعد حين، أو من سيسقط بسبب الغاز المسيل للدموع. جمعهم سبب واحد هو الرغبة في التغيير والإحساس بأن هناك خطأ في هذا المجتمع
خذ عندك الكليشيه الأروع: هي الثورة رايحة على فين؟ . بعدها يدور سؤال في رأسك: أين الأعداد التي كانت متحدة في جمعة الغضب؟ دعنا ننظر إلى اللوحة الحالية.. هناك تركيز على الجانب السياسي.. انتخابات، دستور، فلول، محليات..الخ. وأزعم أن القوى السياسية الحالية ما زالت متشبثة بالثورة لأن اتحادها مبني على الثورة، رغم التنافس المتوقع مستقبلا
**
في مرة، اتخذت قرارا رائعا.. كنت أقوم بمحاولة تكوين رابطات بين سائقي التاكسيات كي يخلقوا ممثلين عنهم، خاصة في مواجهة نقابة النقل البري بما فيها من ظلم وتكلس إداري وتسلط، وأخفقت بعد محاولات أخرى مع سائقي موقف عبود، وسبب الإخفاق هو عدم التفرغ، في هذه اللحظات اقتربت من مفهوم "الدعوة" عمليا، وهو ما يتبناه بعض الشباب المسلم في شرائح متعددة من المجتمع حين يحاول إقناع شخصيات لا يعرفها من قبل بفكرة. بعد الإخفاق زاد إحساسي بأن الجماهير التي شاركت في يوم جمعة الغضب لم تكن تريد تغييرا سياسيا فقط، كان الفساد قد ضرب فكرة المؤسسة نفسها في مصر، إذ لم تخلو مؤسسة منه، حتى أصبحنا في مرتبة متقدمة في قوائم انعدام الشفافية دوليا
**
لم أنجح في اللحاق بالمسيرة المتجهة إلى سجن الاستئناف دعما لعلاء سيف، وسألني أحد المارة هذا السؤال: هو كان فيه مظاهرة من شوية؟ ولأني اعتدت بحكم السنوات الأخيرة أن أتبنى صوت المتحدث حتى أحصل على ما أريد – آخده على قد عقله – فأجبت قائلا: فيه حد اتحبس وراحو يعملوا مظاهرة ناحية باب الخلق. بعدها تلقيت رد فعله، إذ أبدى لا مبالاة صارخة. وسرت مع صديق وأنا أفكر فيما يكتب على الانترنت من أن كل هذا التصعيد المتبادل بين المجلس العسكري والقوى الثورية سيؤدي إلى ثورة جديدة.. ومرة أخرى فكرت في هؤلاء الذين كانوا جواري يوم جمعة الغضب وتلاشوا بعد التنحي، هل سينزلوا مرة أخرى؟
**
الطموح الثوري يجعلك مصابا بالنرجسية – احنا الشباب السيس اللي أسقطنا الرئيس- ويدفع البعض إلى أن يتوقع أن التغيير قادم، أو أنه حدث بالفعل، في حين أن كثيرين لا يرون تغييرا في واقعهم اليومي، بل يرون ما هو أسوأ.. وهنا يفاجئني ما أراه من لافتات لشباب دخلوا السياسة من باب الدعوة مثل الإخوان والسلفيين، هؤلاء لديهم القدرة على الوصول بأدوات دعوية تعتمد على الاتصال المباشر، وأشعر بالضيق لأن البعض اقتصرت دعوته على العبارات الدينية دون المبادرات، وأن التغيير لا يشمل الجميع، في حين أن آخرون يعملون في طريق آخر تماما عبر الانترنت أو الورش التدريبية فقط. ربما أشعر بسعادة حين أرى عبارات ثورية على الجدران تحاول الاحتكاك مع من هم خارج الحدث، لكنها في النهاية تفتقد الاتصال المباشر
**
بعيدا عن كليشيه هل الثورة مستمرة؟ هناك سؤال آخر: كيف تستمر الثورة/التغيير؟ هناك أبعاد خدمية وتنموية مفقودة تماما، وأصبح التركيز الآن على كل ما هو سياسي ومتصل بفكرة قيادة الجماهير وتكرار نشوة أيام التحرير.. اللعبة قد لا تتكرر مرة أخرى حين يهتف أحدهم ويقود عشرات الآلاف. ربما لم نجرب لعبة أخرى، أن نورط الآخرين في التغيير.. كنت معجبا بفكرة لجان حماية الثورة في الأحياء والمحافظات.. أطمح أن تتكون مجموعات ضغط شعبية، تستطيع التغيير والضغط على بنية المؤسسات المصرية الفاسدة، وألا يتم التركيز على مؤسسات الشرطة والجيش والبرلمان و..الخ. أطمح أن أرى حملات توعية في الشارع أو أن يظهر قادة رأي داخل الأزقة والحواري، وكذلك داخل النوادي الفخمة، واستغلال الغضب الداخلي في مؤسسات الدولة الآن، من يملك هذا في مصر سوى الإسلاميين لأغراض دعوية؟ كي تستمر الثورة/التغيير، لابد من رومانسيين يتحملون ما سيتعرضون له في الشوارع ومن غربة وسط الناس أثناء توصيل رسالتهم الحالمة، ودائما هناك أمل لأن من نزلوا - أو تضامنوا – في جمعة الغضب ما زالوا ينتظرون