Sunday, December 23, 2012

13-13-2013


حاولوا إقناعي بأن نهاية العالم ستكون في هذا الشهر المجيد ، ديسمبر 2012، لم أقتنع ، مرّ الزمان و لم ينته ، لكني نجحت في إقناعهم بأن نهاية العالم ستكون في 13-13-2013 .. واقتنعوا. و في هذا المقام الكريم، لا أخفي هواجسي تجاه المستقبل، لقد تصورت عالمي (أنا) بعد عامين من الآن ، أين سأكون ؟ مع من ؟
 (1)
رأيت نفسي أكثر التزاما ، أكثر حزنا و وقارا ، في حياة مهنية أقل استقرارا ، أعاني نفس الأزمات الوجودية ، أتيح وقتا أكبر لنفسي ، خسرت الكثير من الرفاق، أو ربما أصبحنا أقل تواصلا .. متزوج أو لا !؟ لا أعرف !
 (أو 2)
"أنا مصمم ، بجد يعني ! " أراني هناك بعد عامين في الرابعة والثلاثين ، أكثر هوسا و ارتباكا ، أقل إنسانية ، أبحث عن وهم لا يتحقق .. بيدي كتابي الذي انتظرته كثيرا ، أصبحت أكثر انغماسا في الحياة و ترفها و وهجها المقلق .. أقل التزاما ، تصيبني نوبات اكتئاب حادة تضيع بالعمل، و العمل، و العمل ، ..الخ.
(أو 3)
بعيدا عن مصر .. أتابع بقلق الانهيار الكامل للدولة ، لا أطيق أن أتحدث مع أحدهم أونلاين ويتركني دون إجابات عن أسئلتي، عن بلدي، عن كل الأشياء التي شاركت فيها وتركتها .. أنا هناك خارج حدود الوطن، لست مهما إلى هذه الدرجة، مجرد رقم في كشوفات الأجانب المقيمين في هذه الدولة .. أعمل ، أدرس ، لا أعلم .. أواجه الغربة ، أطارد الوهم
(أو 4)
أنا غير موجود .. لقد انتهى العالم في 13-13-2013 . أو .. انتهى عالمي أنا ، أصبحت لي صفحة على الفيسبوك يديرها بعض الأصدقاء الأوفياء، سرعان ما تلاشت وسط زحام الصفحات، أنا في مملكة السماء (الشهيد عبدالرحمن مصطفى) حسبما قالوا .

Saturday, December 15, 2012

في الحارة المزنوقة .. كانت لنا أيام

لا تسألني لماذا أشعر بالتعاسة ! .. ليست لدي الإجابة
لا أعرف ماذا ربحت وماذا خسرت .. ولا أعرف من ربحت ، ومن خسرت . هل ضاع منك المرتب في يوم من الأيام ، و لم تشعر بالغضب أو الحزن ؟ ببساطة سحبت من رصيدك وانت تعلم أنها جناية كبرى ، و مر اليوم بعدها بسلام !؟ هذا ما يحدث ، عاجز يتحرك ، كسلان ينشط مضطرا ، هناك من ضغط زر Pause ، و رحل ..
**
اتجهت مع مسيرة من شارع الهرم إلى التحرير، لا أحد يهتف ، و لا أحد يتكلم ، نتحرك سويا خلف سيارة نقل تحولت خلفيتها إلى مسرح يقف عليه الفنان سعد الصغير ، رقص مع فرقته بحماس، و لم يتأثر أو ينفعل أهل المسيرة .. قبل أن نصل التحرير ، بدأ الجميع في الهتاف بصوت واحد : العنب .. العنب .. العنب . يطفئ الدي جيه صوت المايك ويتيح فرصة للتفاعل . أحمر ، فترد المسيرة : أحمر .. أصفر ، فترد المسيرة : أصفر. وهكذا.
"اللي يحب ربنا يرفع إيده فوووووووق" يهتف سعد الصغير بحماس ونشاط ، ويبدأ في تحية الشيخ حازم صلاح الذي بدأ في صعود المنصة المتجولة بصعوبة . تحول الهتاف فجأة إلى "على القدس رايحين ، شهداء بالملايين". اختفى سعد الصغير وفرقته حتى حين. التقيته بعدها بساعتين في كافيه كوستا قرب قصر الاتحادية وسط مجموعة من النشطاء السياسيين ، يشرب الاسبرسو ، و بدأ في الحديث عن سبب انضمامه إلى المسيرة : أنا قولت لأ في الاستفتاء ده ، و في الاستفتاء اللي قبله قولت نعم .. لازم الواحد يغير كل شوية عشان الناس بتزهق
**
وصلتني رسالة مع الحمام الزاجل ، فتحت الرسالة وقرأتها : أطلق هذا الطائر إلى السماء، فإن عاد إليك فهو ملكك ، و إن لم يعد فهو لم يكن ملكك من الاصل ! . ذبحت الطائر المسكين ، وأطعمته للثوار قرب قصر الاتحادية ، وأرسلت إليها SMS تقول: إن وصلتلك هذه الرسالة فاعلمي أني ذبحت الطائر ، وإن لم تصل ، فقد خسرت 20 قرشا في حديث تافه.
مر صبي صغير ، أعطاني ورقة بها رقم ٥٦٧٤٣، وتوقيع بالأسفل : الحارة المزنوقة
**
شعر سعد الصغير أنني أخفي إحساسا بالوحشة والتعاسة ، فتقمص دور الأخ الأكبر بحرفية شديدة:
-          هي إسمها إيه ؟ قوللي وأنا أروح اخطبهالك من النجمة !
-          لا يا عم سعد الموضوع معقد شوية، القصة مش كده خالص
-          أمال إيه القصة يا عم !!
تركته و رحلت ، سمعته يقول : "الواد ده اتجنن باين عليه !؟". اتجهت إلى منصة أبو اسماعيل ، وجلست.
**
فوق المنصة ، قال الشاب الضخم : دلوقت هنبدأ السحب ، الرقم الفائز معانا : ٥٦٧٤٣. مزقت الورقة ، وانطلقت عائدا إلى التحرير .. في الطريق قرب المتحف المصري ، طافت حمامة فوق رأسي ، فككت الرسالة من جناحها، و قرأت : انت الخسران على فكرة !
أرسلت رسالة إليها مرة أخرى : عارف .. خلينا نتقابل في يوم ، في أول مكان اتقابلنا فيه .. في الحارة المزنوقة

Wednesday, December 05, 2012

حمادة بالقشطة !

يزدحم الميدان بالباعة ، الموتسيكلات تتمايل ، شباب وفتيات يتبادلن الأحضان والقبلات، وشيوخ ترقص على نغمات الشيخ يس التهامي . وقف المنشد العظيم فوق منصة الدكتور ممدوح حمزة ، الأغنية واضحة المعنى والمغزى .. أه يا مرشد يا ابن الحرام ، بعت دم شفيق بكام ؟ ينتبه ميدان التحرير فجأة للأنشودة ، ويهتف الجميع .. اشتراكيون ، إخوان ، سلفيون ، ليبراليون ، .. الخ . "إنزل .. إنزل". في الناحية الأخرى عند منصة الدكتور صلاح عناني ، وقف الفنان الشاب رامي عصام ، يهتف : يسقط يسقط حكم المرشد . و أخذ يربك الشيخ يس التهامي بقلم ليزر ، حتى رحل الشيخ في هدوء
**
في خيمة حزب الدستور ، رأيت البرادعي يأكل سميط و جبنة نستو وبعض الطماطم ، ينادونه : يا ريس ، يناوله أحد الواقفين زجاجة مولوتوف، يشعل سيجارته بقماشة مبللة بالبنزين في أعلى الزجاجة ، يخرج خارج الخيمة ويلقي المولوتوف بقوة ناحية مجمع التحرير فتشعل مساحة من الأرض أمام البوابة الرئيسية ، فيصفق الجميع.
  • بيقولك بتوع شفيق جايين من عند كوبري قصر النيل !
  • يا بوب ماتقلقش
  • أنا مش قلقان ، بس ايه اللي جاب البني آدمين دول دلوقت
صمت قليلا ، ثم ركب على المكنة الصيني ، وناداني : تعالي !! .. و لبّيت !
**
أمام بوابة قصر الاتحادية ، وقفت مع بعض الإخوة الملتحين.. هتفوا : يا مبارك نام و اتهنى ، و استنانا على باب الجنة . كان "البوب" في هذه الأثناء يطوف من بعيد بالمكنة الصيني، رافعا صوت مهرجان أنا في اللابوريا . نزلنا سويا ، ومشينا حتى باب القصر، سأله رجل الأمن الوقور : رايح فين يا أستاذ؟ رد البوب بثقة : حمادة بالقشطة .. !
تجولنا ثلاث ساعات داخل القصر دون أن يهتم بنا أحد ، كأننا لا شيء .. من بعيد اقترب توك توك يقوده الريس مرسي، على خلفيته : كله بالحب ! و ارتدي تي شيرت مطبوع بعبارة : سنحيا كراما ..
**
"الحوار يا ريس "، " الحوار يا بوب" أكثر عبارتين سمعتهما في اللقاء، تركتهما يتحدثان واتجهت إلى شرفة مكتب الريس مرسي، و جدت في الجوار خرطوما لإطفاء الحريق  ، قفزت من الشرفة ، وفتحت صنبور المياه ، و بدأت في الرش ، تحولت المياه إلى نار ، أحرقت الأخضر واليابس ، احترق التوك توك ، و احترقت المكنة الصيني ، و سمعت هتافات من بعيد .. يا رئيس نام وارتاح .. واحنا نكمل الكفاح

Friday, November 16, 2012

العسل هو البصل ، و البصل هو العسل

**
إنه أحد تلك الأيام التي تستيقظ فيها دون مبرر واضح
و بعد ليلة من الأرق .. تتحرك في سريرك، لتتذكر ما يعكر مزاجك
رأيتك و أنت تحاول النوم في الخامسة صباحا، كان أولى بك أن تستيقظ في عالم آخر !
**
وسط هذه اللحظات العصيبة ، تتذكر دون داع ما غناه عادل إمام في فيلم حنفي الأبهة ، حين اقتحم الكباريه ، ليصفع الراقصة المعتزلة هندية ، ثم يبدأ في الغناء :
يا عسل يا عسل يا عساااااااااال
يا بصل يا بصل يا بصاااااااال
العسل هو البصل ، و البصل هو العسل
**
النغمات .. أعتقد أنها من مقام الحجاز
أما الكلمات فهي في الغالب مرتجلة 
هذه الثوانى من ذلك المشهد الغرائبي، تنقل مزاجك من الغم إلى السرور، و من القلق إلى السكون، لذا ، ستكرر المشاهدة والانصات مرات عديدة
فوراء المعنى .. معنى
**
"العسل هو البصل ، و البصل هو العسل"
جملة تدمر معنى القيمة .. و قيمة المعنى
تجعل الأشياء سواء
وتحطم أوهامك عن الأيام الحلوة ، والأيام المرة
كلها أيام ربنا
فالعسل هو البصل 
 والبصل هو العسل

Friday, November 09, 2012

دولة الفشل .. مستمرة

أولاد القحبة

لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم
"مظفر النواب"
**
أنا شخص غير مهم ، مثل ملايين النكرات الذين يملئون شوارع هذا البلد، يموتون ، ويقتلون ، وأقصى ما يحدث لهم أن يتناقل الناس أخبار رحيلهم، أو صورهم .. كل ما يريدونه هو أن تتحقق أحلامهم، التي تتبدل كل فترة تماشيا ما تشهده بلادنا الحبيبة من تغيرات.
**
أصبحت لا أطيق تلك الحرب البغيضة بين ضحايا الأسلمة ، و ضحايا العلمانية.. فلتذهبوا جميعا إلى الجحيم، أصبحت أرى يوميا شخصيات مهزوزة، لا تثق في نفسها، ولا في من حولهم. و ينساقون بسذاجة وراء من يغذي انعدام الثقة في النفس، فتنتشر الأخبار الملفقة، والإشاعات، ويحققون بنجاح مخططات ونبوءات جماعات مصالح قديمة تنازع من أجل البقاء.
في مثل هذه النوبات أتذكر يوم 28-1-2011 كحال كثيرين ممن أصابتهم لوثة "جمعة الغضب"، ما حدث في ذلك اليوم، أننا وثقنا في أنفسنا، وفي من حولنا، حتى من لم نرهم من قبل، ولم نقابلهم من بعد. ما يحدث الآن هو محاولات دؤوبة لبث انعدام الثقة في النفوس، حتى نرتمي في أحضان مجموعات بعينها، وجماعات مصالح محددة، وشبكات علاقات تدافع عن نفسها.
**
سألني السائق عن جمعة غدا قائلا: يعني إيه شريعة ؟ يعني هيحصل إيه يعني ؟ الإجابة واضحة وغير واضحة، فالشريعة تعني الشريعة .. لكن الصراع الحالي هو على من يملك الإجابة، من يبحث في التفاصيل قلقا من أن تختلف تفاصيله عن تفاصيل غيره، ولا يبحث عن التواصل مع الآخرين لبناء تصور واحد.
**
قال السائق أنه سمح لي بأن أركب معه هذا المشوار الطويل ، لأنه رأى وجهي سمحا ، لا أثير القلق والتوجس ، لم أتأثر أو أنفعل ، ولم تدمع عيناي لكلماته ، لكني تفهمت أن تعيش دون أن ترى ثقة في من حولك.
كنت أظن أن بعض المهن تفرض على أصحابها هذا الأداء، لكنها أصبحت حالة عامة
**
قبل أن أركب معه بدقائق استنجد بي شاب، بدا عليه الذعر، وظهرت على جسده بعض الكدمات المتفرقة
- معلش فيه ناس بتجري ورايا .. اعمل بس انك تعرفني
قد تكون لعبة، لسرقتي، لكني وثقت به، وبدأت في الدفاع عنه، وبعد عشر دقائق من المناهدة والتنمر، والشد والجذب، و رفع الأيدي ومنعها من أن تنهال على ذلك الشاب، تضامن معي أحد الواقفين في محاولة حل الأزمة.. لم أعرف لماذا دافعت عنه ؟ أو لماذا صدقت قصته ؟ أو لماذا تحملت فض ذلك النزاع وإحاطة جسده حتى لا ينال منه احد؟
تركتهم جميعا وهم يعودون إلى المطعم الذي يعملون فيه لحل الموقف.. لا أدرى ماذا حدث بعدها، ما أصابني بالضيق، هو أن تجد نفسك مضطرا للاستنجاد بشخص عابر في الشارع خوفا من ضرب الآخرين، وعلى بعد أمتار كان حرس إحدى السفارات – عساكر شرطة- يشاهدون من بعيد. رأيت مثل تلك المشاهد كثيرا ، في المدرسة ، في الشارع ، في الاشتباكات المتكررة بين المتظاهرين والأمن ..الخ ، أرانا الآن جميعا نشبههم .. لا نبحث عن جلسة نحل فيها مشاكلنا، نفكر فيما نريده ، ننساق وراء من يحفزنا ضد شيء .. نريد اشتباكا ننتقم فيه من بعضنا البعض.
قال السائق :
- نصيحتي ماتدخلش نفسك في حاجات كده ، لإن اللي زينا احنا هما اللي بيروحوا في الحاجات دي
- معاك حق .. زي أيام محمد محمود ، كان بيموت ويتصاب الناس النضيفة ، واللي مصدقة ، أما اللي بيبقى زاققهم الأمن أو جايين يزيطوا مش بيحصلهم حاجة.
**
ما أعرفه جيدا أن ضحايا الأسلمة ، وضحايا العلمنة ، ينسون الشارع تماما ، يروه شارعهم ، الدستور دستورهم ، المعرفة معرفتهم .. ولا ثقة في أحد غيرهم، ما أعرفه جيدا بحكم الانخراط في الشارع لسنوات، أن العدل هو القضية الأكثر أهمية، قبل الشريعة وبعدها.. فمن يتعرضون للتضييق عليهم يوميا، لا يرون عدلا، ومن يضطرون إلى العيش في بيئة فاسدة، لا يرون عدلا.. ولا يروكم .
**
ماذا ننتظر من الشريعة حين يطبقها مجتمع فاسد !
البعض يريدها كما هي .. بلدا ابن قحبة
تتغير العناوين ، والمسميات ، ويظل البلد كما هو
بشريعة أو بغير شريعة
بإيمان أو بكفر
حتى يعيشون كما هم .. علمانيون، إسلاميون، يشبهون مبارك، ودولة الفشل.. المستمرة.
**
تحديث - 9-11-2012
"إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله ، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات ، فإذا ظهرت إمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان ، فثم شرع الله ودينه "
ابن القيم الجوزية

Wednesday, October 31, 2012

زمن الأسئلة الوجودية .. عن أم ترتر أتحدث

من هي أم ترتر ؟ وهل تعلم أم ترتر أنها أم ترتر ؟ لماذا اكتسبت هذا الاسم ؟ ربما كانت ترتدي ملابس زاهية الألوان ، مزركشة ، لامعة ، فجاء  أصل التسمية واللقب من هنا.
البعض يستخدم تعبيرا بديلا عن "أم ترتر" في حديثه، فبدلا من أن يقول : عند أم ترتر ، يقول عبارة أعنف هي : عند أمك !
هل أم ترتر هي الأم والمرأة في ثقافاتنا الذكورية البغيضة ؟ هل هي رمز ليس له أصل؟
و إن كانت شخصية حقيقية ، فهل عانت من أزمة هوية بسبب تنميطها في دور "أم ترتر" وأنها لم تلعب أدوارا أخرى ؟
**
خطابة: كل الأدوار وهم ، و كل المسميات وهم ، حتى نحن .. مجرد أوهام وضلالات وهلاوس في روؤس الآخرين
**
أما بعد ..

لقد طاف السؤال حولي ، ثم استقر فوق دماغي ، وبدأ يأكل من رأسي ، وقيل أن ذلك فأل سيء حسب تأويل يوسف الصديق
السؤال : إحنا بنصحى عشان ننام ، و لا بنام عشان نصحى ؟
ينفض الناس من حولي حين أسألهم في الأسواق والطرقات ودور العبادة عن إجابة السؤال ، لم يدرك المعنى سوى شاب سلفي رائع ، قال لي بالحرف الواحد :
- شوف أنا اكتر ناس ببغضهم في الله هما الصوفيين ، بس انت عشان شكلك بني آدم كويس ، وأحسبك على صلاح ، هدلك على شيخ صوفي يفهمك المسألة دي..
- دلني عليه 
- الشيخ قاعد في دبي ، روح و دور بنفسك
فوق كراسي البار، طويلة السيقان ، جلس معي يشرب الخمر ، يرتدى جلبابا أبيضا ، وعمامة بيضاء ، يحيطها شال أخضر .. السبحة في يده اليسرى ، والكأس في يده اليمنى، قال :
- اسمعني كويس .. ده اختيارك إنت ، السؤال سؤالك ، والإجابة إجابتك
- يعني إيه يا مولانا !؟
- إيه !؟
- باقول يعني إيه يا مولانا ؟
- يعني يا إما تختار الحياة وبعدها الموت .. أو تختار الموت ، وبعده الحياة
- يعني يا اصحى عشان أنام ، أو أنام عشان أصحى !؟
- اسم الله عليك .. جاوبت على سؤالك بنفسك
** 
تركت الشيخ في البار، وقرب الباب سألته مرة أخرى :  
- أنا جاوبت على سؤالي يا مولانا ، بس إنت إجابتك إيه ؟
- مفيش حاجة في المتسابة
- نعم ؟
- مفيش حاجة في المتسابة
- عند أم ترتر يا مولانا
** 
تركت مولانا الشفيق ، وعدت إلى حيث أتيت ، شتتني الإجابة ، وأفزعتني الأسئلة ، وقررت ألا أسأل الفترة القادمة حتى أستوعب الإجابات أولا .

Monday, October 29, 2012

إنك لا تنزل إلى نفس النهر مرتين.. ابق مكانك

في مرة كنت أجلس إلى أحد أقطاب الشيوعية في مصر، وقال لي عبارة كنت قد سمعتها من قبل، تقول: لاشيء ساكن، كل شيء يتحرك !
لم أتذكر وقتها من القائل؟ استحيت أن أسأله .
بعد وقت طويل تذكرت أنها لفيلسوف يوناني، و تذكرت عبارة أخرى له أمتع، تقول: إنك لا تنزل إلى نفس النهر مرتين. و يقصد بذلك أن مياه النهر تتجدد وتتغير، حتى أنك إذا نزلت إلي نهر كنت قد نزلته من قبل، فالواقع يقول أنك تسبح في مياه جديدة تماما، كأنه نهر آخر الذي يحتوي جسدك.

آه .. الرجل الإغريقي صاحب هذه العبارات اسمه هيراقليطس
**
كنت قد اعتدت في كل عيد أن أتخذ رحلة صوفية بلا هدف، و لا بوصلة، أمارس هوايتي القديمة في التسكع النقي الطاهر، الذي لا يحمل غاية سوى السير والتأمل.

في ثاني أيام العيد ، كنت (مضطرا) أن أتم هذه الرحلة، لذا لم أكن مخلصا، سرت في الشوارع الخلفية للمهندسين والدقي، أتخيل كيف كانت هذه المنطقة مقسمة إلى أراض زراعية يزرعها فلاحون، وتدور فيها السواقي دول ملل . هي نفسها الدروب التي سرت فيها مرات كثيرة من قبل، وفي كل مرة أتذكر القصة التي لم تكتمل، أتذكر ما كان سيتم، و لم يتم. وقتها كنت أرى الدرب ولا أرى الطريق ، ولم يؤنسني سوى رفيق الدرب .
**
في ثاني أيام عيد الأضحى اخترت شكلا جديدا للرحلة ، وهو أن أسير كرجل ثمانيني عاش في هذه الأراضي منذ أن كانت غيطانا زراعية، أتتبع بقايا الريف الزائل في عزبة أولاد علام، وبقايا الدقي القديمة. وأصطنع الدهشة حين أرى المحلات الفاخرة، والعمارات الفاجرة. أنا الآن أدرك جيدا أنني لن أستطيع نزول نفس النهر مرتين، فاخترت ألا أستعيد ذكريات الماضي الشخصي وأنا أمر من هذه الشوارع ، و اخترت ذكرى لم أعشها ، هي ذكرى ميلاد هذه الشوارع وتحولها من زروع وجنات إلى بنايات وفيلات، كرجل ثمانيني يفتقد عالمه القديم .
**
استيقظت في رابع أيام العيد على صوت اللاصوت !

طائرات تخترق حاجز الصوت وتمر فوق رأسي، وبعد ساعة، نمت، ورأيت حلما غريبا.. أغرب ما فيه هو ذلك المشهد. حيث الدكتور أحمد فتحي سرور يحمل صفوت الشريف، وكلاهما منهك تماما، وأمام مدرج طلابي بإحدى الجامعات يلقي فتحي سرور بجسد صفوت الشريف على الأرض، ويرحل، اقتربت من صفوت الشريف ونظرت بعمق في عينيه، كان في حالة إعياء، أقرب إلى الاحتضار، لم أجد فرصة أن أطلب منه كتابة مذكراته، وشهادته على العصور المتتالية، لم يعد صفوت الشريف هو نفسه صفوت الشريف.
**
ربما تتغير مياه النهر ، ويتبدل النهر كله .. لكن تبقى أشياء ثابتة، أنت أيضا تتغير، لكن تبقى أنت هو أنت.. هناك شيء داخلك هو أصلك و فصلك، مهما تغيرت، يظل كامنا، ينتظر الظهور في مواقف ولحظات قد لا تختارها أنت.
**
نفس هذا الرجل الإغريقي قال عبارة أكثر طرافة حين قال: الطريق الصاعد و الطريق الهابط، هما نفس الطريق !

الطريق هو نفس الطريق، لكنك أنت من يصعد أو يهبط.. وفي أسوأ الأحوال تظن أنك صاعد، وأنت في حقيقة الأمر في هبوط !
أحاول أن أبق مكاني، في نفس النهر، في نفس الطريق، لأكون الثابت الوحيد.. في هذا النهر، و ذاك الطريق .. سأحاول.

Tuesday, October 23, 2012

هي دي قصة حياتي يا عم الحاج !

لو فيه أغنية بتلخص الحكاية كلها في جملتين
هيبقوا جملتين من أغنية لشيرين
بتقول:
الحياة عندك مراحل
 اللي جاي زي اللي راحل
**
كل فترة بتحصل تصفيات
بمزاجي ، أو مضطر
بعدها مرحلة انتقالية
و بعدين مرحلة جديدة
**
الكلام سهل
والفعل بياخد سنين

Thursday, October 11, 2012

قوم يشبهون الثورة ، والثورة تشبههم

هل تعلم ما معنى أن تتشابه أحداث حياتك مع حدث ممتد ؟ هذا ما يحدث مع الثورة ، كل تطور فيها يشبه تطور حياتي في الفترة الماضية ، كلما علت، صعدت معها ، وكلما انهارت، سقطت معها .
**
أحترم جدا الفتيات الاتي يعملن في بيئة عمل رجالية، يكافحن بشدة ، يحملن تميز خاص ، ويصنعن مسافة تجبر الجميع على التراجع والخشية من معاملتهن كإناث تابعات . تذكرت هذا وأنا أكتب الآن من مقر أحد الكافيهات العريقة ، وتتحرك النادلة التي لا تخفي انوثتها مع قدرة على صنع تلك المسافة التي تمنعك كزبون من التجاوز، وتجبر زملائها على الحذر. ورغم انها تحمل ملامح بورن ستار تقليدية ، أو راقصة في فرح شعبي، لكنها قادرة على التحكم في الأحداث.
في نهاية اليوم ترتدي الحجاب، وترحل ، لا تشبه الثورة ، ولا الثورة تشبهها.
**
يشدو حسن الأسمر بكآبة وحزن : عمري بينسرق. قلبي بينحرق . وفي التاكسي ينبهني السائق إلى أهمية الزواج .. مشيدا بأن ابنته في الصف الأولى الثانوي مخطوبة ، و (ستدخل) في العام المقبل، لم يكن لديه قدرة على فهم العبث واللعب الذي أمارسه يوميا، لم يفهمني سوى سائق آخر تزوج بعد الأربعين، كان يلعب ويعبث هو الآخر .. كلهم لا يشبهون الثورة ، ولا الثورة تشبههم.
**
أخشى أن يكون الله غاضب عليّ ، و لا ادرى إن كان غاضب على الثورة أم لا !؟ لكن ما أدركه تماما أن هناك مرحلة مقبلة ، تستقر فيها الأوضاع .. على خراب ، أو على (دهوَلة) . نعم نحن شعب مدهول ، والثورة ثورة مدهولة
**
حدثني رفاق عن مسيرة ذكرى ماسبيرو، كان بها كثيرون يبكون ، التقيت بعضهم .. كانوا يشبهونني ، و أنا أشبه الثورة ، و الثورة تشبهنا . الفارق بيني وبينهم أنني لم/لن أبك . أستمر حتى النهاية التي لا أعلمها ، بحثا عن الرضا، ورحلة جديدة لا يعلمها أحد.
**
في هذه الأيام أتحاشى الاخوة المستقرون ، المتفزلكون ، لأنهم لا يفهمون مساحات اللعب والعبث ، أن تراهن على حياتك ، أن تقفز إلى السماء قدر استطاعتك لالتقاط الرصاص، مثلما يفعل لاعبو البيسبول ، أن تراهن بحياتك على دور ما، فرضته عليك قناعاتك ، أن تكون قرينا للثورة ، وبديلا عنها ، وأن يقال لك عدة مرات .. إن فشلت مهمتك، ارحل عن هذا البلد، واعلم انك أنجزت دورا ما ، وان نجحت فلن تعلم ، لأنك في دورك ، تكمل مهمتك التي لا تعلم نهايتها، وتقييمك لن تعرفه أبدا
**
-          هو أنا إمتى هخلص القصة دي ؟
-          مش دلوقت .. هيتقالك
-          بس كده الدنيا بتفلت ، و واضح انه الموضوع مش جايب همه
-          مش دلوقت ، وبعدها فيه مهمة تانية ، وما تخافش ، في وقت محدد هتلاقينا معاك

هم أيضا يشبهون الثورة ، والثورة تشبههم

Saturday, September 29, 2012

احساس دائم بالرحيل !

اعتدت حتى سن 15 أن أعيش في مقر مؤقت، حتى حين ، هذا البلد بأكمله كان مجرد رمز .. أنا مصري في النهاية . وانتظرت الرحيل مرة أخرى ، وفي سن 25 – 28 سنة شعرت أني مكثت كثيرا في مكاني ، وبعدها اكتشفت أنني أصبحت أسيرا هنا ، لمن !؟ لا أعرف.
بعد سن 28 سنة علمت من يأسرني الآن، وكانت خطوة جيدة ، وحين حاولت الفكاك من هذا الأسر ، قامت الثورة المجيدة ، وأصبحت أسيرا للأمل ، و للوهم .. لا أعرف !!
**
"تزود من الدنيا فانك راحل"

لماذا عاد الاحساس بالرحيل الآن ؟ أعتقد و الله أعلم أنها أعراض التشبع ، والاكتفاء .. أعلم أنني لم أكتف بعد من تجربة الأسر ، لكنه الرحيل يناديني ..
**
جلست معها ، و بحثنا سويا عني ، تحت الطاولة ، داخل حقيبتها الجلدية ، في درج المقعد الأمامي للسيارة ، لم أجدني ..
قالت : كل ما أنا متأكدة منه ، أنك موجود ، أعلم هذا ، أشعر بك في كل مكان ، لكني لا أراك.
**
ما يعزز الاحساس بالرحيل ، هو الوقوع في دائرة الانسحاب ، و الاكتفاء ، و البحث في الماضي .. والتفكير في أن مسار الحياة واحد .. أن تقضي 15 سنة كالبدو الرحل ، ثم تستقر بعدها 15 سنة أخرى، فتواجه بهذا السؤال: لماذا أنت هنا الآن ؟ ألا تريد الرحيل ؟

Wednesday, September 26, 2012

رأيت كل شيء ، وتعبت على الحقيقة !

أشكر صديقي الذي سخّر مساحة من وقته ليصدمني بمجموعة من الحقائق ، لم يكن حديثا على مقهى ، أو نصيحة تقليدية ، كان الأمر أعقد من هذا بكثير
**
بعد تلك الجلسة ، تذكرت يوم القيامة ، تخيلت المشهد حين تتم محاسبتي على ما عملت .. كله مكتوب ، و لا فرار من الحقيقة. وتذكرت تلك الجملة من أغنية : حدوتة مصرية . إذ يقول الكينج : رأيت كل شيء ، وتعبت على الحقيقة . هذا ما حدث بشكل سريع ، كأنها ومضة حارقة لفحت وجهي لثوان معدودات.
**
ماذا فعل الصديق ؟ قدم لي أرقاما عني .. اكتشفت أنني أفنيت أوقاتي من أجل أشياء ، هكذا أصفها بأنها أشياء ، ولا أعرف إن كانت تستحق أم لا !؟ في الحقيقة ، هي تستحق ، وقد جنيت مكاسب أنا سعيد بها الآن ، و حصدت الكثير من الخسائر ..
كانت الجلسة أشبه بكشف لدى طبيب ، يرفع فيها صورة الأشعة إلى السقف موضحا ما أصاب جسدك من ألم
**
ثوان ، دقائق ، ساعات .. في مقابل : سمعة ، أموال ، سعادة
الآن أنا أسأل : هل هي معادلة تحقق الرضا ؟ نعم .. و لا

Tuesday, September 18, 2012

و انطلقت سفينة الحمقى ..

يتجلى تأثير مضادات الحساسية هذه الأيام بشكل عنيف ، سكون ، وجوم ، خمول، كآبة ، عصبية ... حساسية . الجميل في الأمر ان هذا التأثير قد ثبـّط و شتت حالة التوتر والقلق التي أعيشها مؤخرا . ربما وصف الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي ذلك في قوله : لقد صار قلبي قابلاً كُلَّ صورةٍ . لم أعد قلقا كما كنت ، ففي الجنة تلعن الجحيم ، و في الجحيم ترجو الجنة ، أما في الأعراف ، فأنت فاقد لكل اهتمام ، مع بعض البؤس والحيرة . الأمر ليس كما وصفه ابن عربي تماما، فأغلب الوقت تنتابني أحاسيس النفور ، بل والازدراء لأناس ليس لهم ذنب، سوى أنهم جاءوا في التوقيت الخاطئ.
**
في مرة كتبت هنا عن شيء ، وفي سكرتي هذه ، تيقنت أن الاعجاب ليس حبا ، فالحب مآله إلى الزواج ، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف . هذه اليقينيات تظهر وسط خسارة أعيشها في هذه الفترة ، و اعباء لم أعد أحتمل فوقها أعباء ، ما حدث أن كان "صوتي من دماغي" مثلما زعم المزاجنجي ، أما الآن فلا صوت سوى الصمت.
تخيل !!
وسط هذا ، عادت الفراشات تحلق من حولي ، وتداعب شعري الكث ، و لحيتي الخفيفة ، ثم تطير ، منتظرة أن أركض وراءها كطفل صغير.. لست أنا الطفل ، لسن هن الفراشات .
**
قبل أيام كتبت : القرارات اللي بتبقى متردد فيها لأيام أو شهور أو سنين ، بتحصل أحداث مكثفة في ساعات وتحسمها .
نعم ... لكن ماذا عن القرارات التي لم تكن مترددا بشأنها ؟ حين حسمت الأمر واتخذت أنت قرارا - من نفسك هكذا - أن تدفن سيرتها، قرار بألا تتخذ قرارا، فعالجتها بالنسيان والتجاهل. الآن ، تتسارع الأحداث مع بعض الخسارة ، و ستأتي الأحداث المكثفة طالبة منك الحسم ، وقتها .. ستجد نوعان من القرارات ، الأول هو ما أنت متردد بشأنه ، والثاني هو ما أغفلته تماما ولا تريد تذكره
ما الحل ؟
**
جلسنا في جزيرة وسط المحيط الأطلنطي ، و ألقى الرفاق نقودهم ، 100$ لكل فرد ، وتراهنوا على أن نقلة ستحدث في حياتي قريبا ، سألت : ماهي !؟ قالوا : وما أدراك ما هي ؟ ساهموا و كتب كل منهم كلمة في ورقة تلخص تلك النقلة ، قال كبيرهم : المرض ، ثم استمروا واحدا تلو الآخر ، الحب ، البطالة ، السفر ، الخ . متى ؟ لا يعلمون ، كل واحد ينتظر مبلغ الرهان ، وسينفقونه على حالتي الجديدة : علاج ، إعانة ، هدية ، الخ
**
ركبت سفينة الحمقى و اتخذت سبيلي في البحر سربا ، أمواج عالية عاتية ألقت بي على شاطئ الحق
- قال ابن عربي : كلُّ شيءٍ بقضاءٍ وقَدَر ** هكذا المعلومْ
- قلت : وبعد القضاء والقدر!؟
اختفت الاجابة في قاع البحر

Monday, September 03, 2012

في الثانية والثلاثين .. أنت طفل شارع كبير و مواطن عشوائي

الثاني من سبتمبر 2012 .. يوم غريب ، أسابيع مكثفة من التعامل مع الهامش، تكشف لي أنني أيضا ما زلت ضمن هذا الهامش .. في مرة التقيت أحد أبناء الشوارع و قد بلغ الثلاثين، لم تختلف حياته كثيرا عن حياتي ، تجولت في مناطق آيلة للسقوط ، و دست في شوارع تملؤها المجاري، و في النهاية لم أكن غريبا عنهم ، حالتي الاقتصادية تحسنت ظاهريا و ساءت على أرض الواقع ، حتى أظل قادرا على البقاء مع الهامش
**
في الثاني من سبتمبر 2012 ، وقفت أمام لجنة نقابة الصحفيين ، تذكرني الحالة بكشوفات الخدمة العسكرية ، شعرت بالعبث قبلها بساعات أثناء الإعداد لأرشيف الموضوعات التي كتبتها على مدار سنوات ، ما أهميتها !؟ من المؤكد أنها لم تكن من أجل الثاني من سبتمبر 2012 ، و لم تكن من أجل الكتابة ، بل كانت من أجلي أنا ، كممثل يتوحد مع كل شخصية يؤديها ، كان الأرشيف بالنسبة لي هو الخبرات ، وليس الأوراق .. كلام مؤثر .. دموع !!
**
في العام الثاني والثلاثين ، أرى حياتي منتهكة تماما .. مثل ابن الشارع الذي التقيته ، و العشوائي الذي تدركه الأبصار في عقر داره، أنا مرئي للجميع ، لا وقت لاعتكاف أو زهد .. أعمل ساعات اضافية لا يراها أحد ، ولا يثمنها أحد ، و تتجلى فقط في مجموعة من الأوراق .. أرشيف ، و حياة منتهكة
**
الغريب، أن أسعد ما في العام الثاني والثلاثين هو الجانب الايجابي من كوني مرئي ، إذ يدركك الكثيرون بأبصارهم ، و ينتظرون فرحك وانكسارك .. بشغف

Friday, August 17, 2012

بعد البيرة ، تأتي القهوة



استيقظت على صوت الامام وهو يتلو : وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
لسنا في مسجد ، لسنا في ساحة ، صلاة في مقهى بلدي ، أنهوا صلاتهم و تفرقوا بين الكراسي ، اشتعلت النظرات المصوّبة نحو شاشة قناة التت الفضائية ، اتجهت ناحية الامام : مولانا .. من أنا ؟ ، قال : أنا أنت .. وأنت أنا !! ، ينفخ في وجهي دخان شيشة البلوميست العظيمة .. ويذكر ابن الخطيب في كتابه حجر الأحجار أن الحجر الواحد من البلوميست يساوي 25 جنيها
**
رأيت الرئيس الامام يخطب وسط الصحراء في مؤتمر القبائل العربية، دون منصة دون مايكروفون، جلس على كرسي عظيم و إلى جواره شيشة البلوميست

إن الحمد لله .. نحمده ونستعينه ونستهديه.. أما بعد
إما ان تكونوا خاضعين، أو أن تكونوا قبائل مشردة في الصحاري ، من يرفع سلاحا هو عدو ، من يأوى مسلحا هو عدو . إخواني من الفيوم و المنيا و اسيوط و سوهاج وقنا وسيناء ومطروح و ..... أُشهد عليكم بقية مصر ، ان لم تستسلموا ، سآتي بآراذل البشر من كل فج عميق حتى يحطوا عليكم جميعا ، يوم لا ينفعكم سلاحكم و لا أموالكم
**
في نفس الغرفة التي التقينا فيها قبل أسابيع ، جلسنا على الأرض ، "مولانا .. من أنا ؟" ، قال : أنا أنت .. وأنت أنا !! .. لا يرتدي سوى الفانلة و اللباس فخورا بأنهما من قطونيل ، يصب القهوة العربية في كؤوس صغيرة ، وامامه صحن من التمر لكسر مرارة القهوة .. "هل تعلم أن القهوة العربية من المنشطات الجنسية ؟" ، أجبت : هل جربت البيريل ؟
**
فتحت الدولاب القابع في أقصى يسار الحجرة الفسيحة ، أخرجت قلادة ذهبية كتب عليها : قلادة النيل ، للناس الجميلة، أعدتها إلى مكانها سريعا . "ما تخافش .. الجرأة حلوة ، وطول ما انت جريء هتوصل " قالها و صب كأسا آخر من القهوة العربية
سألت : هل شرب من قبلنا هذه القهوة ؟ وهل افادتهم أم ظلوا خاملين ؟
قال : شربوا .. و لم يدركوا تأثيرها



Saturday, August 04, 2012

اجري و انت باصص فوق

أثناء المطاردات بين المتظاهرين و العسكر كان هناك أداء واحد أتمسك به دون تغيير، أن أنظر إلى أعلى و أجري.. سواء كنت محاطا بالغاز المسيل للدموع، أو محاصرا بصيحات من حولي، هل تتخيل تلك الحالة ؟ أن تطلق قدميك في سعيها، و تنظر إلى أعلى منتظرا طلقة رصاص غادرة، أو بلي متناثر من طلقة خرطوش، أو حجر طائش يصيبك بالخطأ، في تلك اللحظة الفارقة، كنت أنظر إلى أعلى، إلى السماء، أنادي الله بصمت، متوقعا انطلاق روحي أمامي، مبتسما راضيا بقضاء الله.
**
نعم .. توقفت المظاهرات إلى أجل قريب، لكن هل توقفت المطاردات ؟
لا أعتقد، أنا الآن أعيش تلك الحالة العظيمة، أنظر إلى السماء بخشية ، ربما لا أتوقع تلك الطلقة الخائنة ، أو الاصابة المفاجئة، لكني أصبحت أكثر وعيا بالروح.
**
في أثناء المطاردات، لم أشغل بالي بفكرة رحيل الروح عن الجسد مثلما تشغلني الآن، بإمكاني اليوم أن أتفلسف و أن أجلس بسكينة و وقار، و أقول : من رحلوا في تلك المواجهات لم تحتمل أرواحهم ما حولهم من عبث، و دنس، هربت أرواحهم من أجسادهم بعد صدمة الخيانة .. طلقة غادرة، بلي متناثر من طلقة خرطوش، حجر طائش يصيبك بالخطأ
**
أما بعد .. عدت أركض، و أجري، ناظرا إلى السماء، أتوقع هروب الروح .. من دنس الجسد، لكن لم تهرب الروح ، و لم يتطهر الجسد .
**
للوهلة الأولى، كان ظني أن سبب النظر إلى السماء هو مصداقا لقول الشاعر:
الدنيا زي المرجيحة
من تحت لفوق
فلما طال النظر إلى السماء، و استمر الجري، عدت إلى ذكريات المظاهرات
**
مؤخرا جربت الامتناع عن الجري، حاولت التركيز، كنت أسمع و أرى، ثم خطفت السماء بصري للحظات
وقلت: أنـا لا أرَاكَ حـِينَ أراكْ ، بلْ أرَى كـُلَّ ما رأيتُ قـبْلَ أنْ أرَاك