Monday, October 29, 2012

إنك لا تنزل إلى نفس النهر مرتين.. ابق مكانك

في مرة كنت أجلس إلى أحد أقطاب الشيوعية في مصر، وقال لي عبارة كنت قد سمعتها من قبل، تقول: لاشيء ساكن، كل شيء يتحرك !
لم أتذكر وقتها من القائل؟ استحيت أن أسأله .
بعد وقت طويل تذكرت أنها لفيلسوف يوناني، و تذكرت عبارة أخرى له أمتع، تقول: إنك لا تنزل إلى نفس النهر مرتين. و يقصد بذلك أن مياه النهر تتجدد وتتغير، حتى أنك إذا نزلت إلي نهر كنت قد نزلته من قبل، فالواقع يقول أنك تسبح في مياه جديدة تماما، كأنه نهر آخر الذي يحتوي جسدك.

آه .. الرجل الإغريقي صاحب هذه العبارات اسمه هيراقليطس
**
كنت قد اعتدت في كل عيد أن أتخذ رحلة صوفية بلا هدف، و لا بوصلة، أمارس هوايتي القديمة في التسكع النقي الطاهر، الذي لا يحمل غاية سوى السير والتأمل.

في ثاني أيام العيد ، كنت (مضطرا) أن أتم هذه الرحلة، لذا لم أكن مخلصا، سرت في الشوارع الخلفية للمهندسين والدقي، أتخيل كيف كانت هذه المنطقة مقسمة إلى أراض زراعية يزرعها فلاحون، وتدور فيها السواقي دول ملل . هي نفسها الدروب التي سرت فيها مرات كثيرة من قبل، وفي كل مرة أتذكر القصة التي لم تكتمل، أتذكر ما كان سيتم، و لم يتم. وقتها كنت أرى الدرب ولا أرى الطريق ، ولم يؤنسني سوى رفيق الدرب .
**
في ثاني أيام عيد الأضحى اخترت شكلا جديدا للرحلة ، وهو أن أسير كرجل ثمانيني عاش في هذه الأراضي منذ أن كانت غيطانا زراعية، أتتبع بقايا الريف الزائل في عزبة أولاد علام، وبقايا الدقي القديمة. وأصطنع الدهشة حين أرى المحلات الفاخرة، والعمارات الفاجرة. أنا الآن أدرك جيدا أنني لن أستطيع نزول نفس النهر مرتين، فاخترت ألا أستعيد ذكريات الماضي الشخصي وأنا أمر من هذه الشوارع ، و اخترت ذكرى لم أعشها ، هي ذكرى ميلاد هذه الشوارع وتحولها من زروع وجنات إلى بنايات وفيلات، كرجل ثمانيني يفتقد عالمه القديم .
**
استيقظت في رابع أيام العيد على صوت اللاصوت !

طائرات تخترق حاجز الصوت وتمر فوق رأسي، وبعد ساعة، نمت، ورأيت حلما غريبا.. أغرب ما فيه هو ذلك المشهد. حيث الدكتور أحمد فتحي سرور يحمل صفوت الشريف، وكلاهما منهك تماما، وأمام مدرج طلابي بإحدى الجامعات يلقي فتحي سرور بجسد صفوت الشريف على الأرض، ويرحل، اقتربت من صفوت الشريف ونظرت بعمق في عينيه، كان في حالة إعياء، أقرب إلى الاحتضار، لم أجد فرصة أن أطلب منه كتابة مذكراته، وشهادته على العصور المتتالية، لم يعد صفوت الشريف هو نفسه صفوت الشريف.
**
ربما تتغير مياه النهر ، ويتبدل النهر كله .. لكن تبقى أشياء ثابتة، أنت أيضا تتغير، لكن تبقى أنت هو أنت.. هناك شيء داخلك هو أصلك و فصلك، مهما تغيرت، يظل كامنا، ينتظر الظهور في مواقف ولحظات قد لا تختارها أنت.
**
نفس هذا الرجل الإغريقي قال عبارة أكثر طرافة حين قال: الطريق الصاعد و الطريق الهابط، هما نفس الطريق !

الطريق هو نفس الطريق، لكنك أنت من يصعد أو يهبط.. وفي أسوأ الأحوال تظن أنك صاعد، وأنت في حقيقة الأمر في هبوط !
أحاول أن أبق مكاني، في نفس النهر، في نفس الطريق، لأكون الثابت الوحيد.. في هذا النهر، و ذاك الطريق .. سأحاول.

No comments: