Friday, November 09, 2012

دولة الفشل .. مستمرة

أولاد القحبة

لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم
"مظفر النواب"
**
أنا شخص غير مهم ، مثل ملايين النكرات الذين يملئون شوارع هذا البلد، يموتون ، ويقتلون ، وأقصى ما يحدث لهم أن يتناقل الناس أخبار رحيلهم، أو صورهم .. كل ما يريدونه هو أن تتحقق أحلامهم، التي تتبدل كل فترة تماشيا ما تشهده بلادنا الحبيبة من تغيرات.
**
أصبحت لا أطيق تلك الحرب البغيضة بين ضحايا الأسلمة ، و ضحايا العلمانية.. فلتذهبوا جميعا إلى الجحيم، أصبحت أرى يوميا شخصيات مهزوزة، لا تثق في نفسها، ولا في من حولهم. و ينساقون بسذاجة وراء من يغذي انعدام الثقة في النفس، فتنتشر الأخبار الملفقة، والإشاعات، ويحققون بنجاح مخططات ونبوءات جماعات مصالح قديمة تنازع من أجل البقاء.
في مثل هذه النوبات أتذكر يوم 28-1-2011 كحال كثيرين ممن أصابتهم لوثة "جمعة الغضب"، ما حدث في ذلك اليوم، أننا وثقنا في أنفسنا، وفي من حولنا، حتى من لم نرهم من قبل، ولم نقابلهم من بعد. ما يحدث الآن هو محاولات دؤوبة لبث انعدام الثقة في النفوس، حتى نرتمي في أحضان مجموعات بعينها، وجماعات مصالح محددة، وشبكات علاقات تدافع عن نفسها.
**
سألني السائق عن جمعة غدا قائلا: يعني إيه شريعة ؟ يعني هيحصل إيه يعني ؟ الإجابة واضحة وغير واضحة، فالشريعة تعني الشريعة .. لكن الصراع الحالي هو على من يملك الإجابة، من يبحث في التفاصيل قلقا من أن تختلف تفاصيله عن تفاصيل غيره، ولا يبحث عن التواصل مع الآخرين لبناء تصور واحد.
**
قال السائق أنه سمح لي بأن أركب معه هذا المشوار الطويل ، لأنه رأى وجهي سمحا ، لا أثير القلق والتوجس ، لم أتأثر أو أنفعل ، ولم تدمع عيناي لكلماته ، لكني تفهمت أن تعيش دون أن ترى ثقة في من حولك.
كنت أظن أن بعض المهن تفرض على أصحابها هذا الأداء، لكنها أصبحت حالة عامة
**
قبل أن أركب معه بدقائق استنجد بي شاب، بدا عليه الذعر، وظهرت على جسده بعض الكدمات المتفرقة
- معلش فيه ناس بتجري ورايا .. اعمل بس انك تعرفني
قد تكون لعبة، لسرقتي، لكني وثقت به، وبدأت في الدفاع عنه، وبعد عشر دقائق من المناهدة والتنمر، والشد والجذب، و رفع الأيدي ومنعها من أن تنهال على ذلك الشاب، تضامن معي أحد الواقفين في محاولة حل الأزمة.. لم أعرف لماذا دافعت عنه ؟ أو لماذا صدقت قصته ؟ أو لماذا تحملت فض ذلك النزاع وإحاطة جسده حتى لا ينال منه احد؟
تركتهم جميعا وهم يعودون إلى المطعم الذي يعملون فيه لحل الموقف.. لا أدرى ماذا حدث بعدها، ما أصابني بالضيق، هو أن تجد نفسك مضطرا للاستنجاد بشخص عابر في الشارع خوفا من ضرب الآخرين، وعلى بعد أمتار كان حرس إحدى السفارات – عساكر شرطة- يشاهدون من بعيد. رأيت مثل تلك المشاهد كثيرا ، في المدرسة ، في الشارع ، في الاشتباكات المتكررة بين المتظاهرين والأمن ..الخ ، أرانا الآن جميعا نشبههم .. لا نبحث عن جلسة نحل فيها مشاكلنا، نفكر فيما نريده ، ننساق وراء من يحفزنا ضد شيء .. نريد اشتباكا ننتقم فيه من بعضنا البعض.
قال السائق :
- نصيحتي ماتدخلش نفسك في حاجات كده ، لإن اللي زينا احنا هما اللي بيروحوا في الحاجات دي
- معاك حق .. زي أيام محمد محمود ، كان بيموت ويتصاب الناس النضيفة ، واللي مصدقة ، أما اللي بيبقى زاققهم الأمن أو جايين يزيطوا مش بيحصلهم حاجة.
**
ما أعرفه جيدا أن ضحايا الأسلمة ، وضحايا العلمنة ، ينسون الشارع تماما ، يروه شارعهم ، الدستور دستورهم ، المعرفة معرفتهم .. ولا ثقة في أحد غيرهم، ما أعرفه جيدا بحكم الانخراط في الشارع لسنوات، أن العدل هو القضية الأكثر أهمية، قبل الشريعة وبعدها.. فمن يتعرضون للتضييق عليهم يوميا، لا يرون عدلا، ومن يضطرون إلى العيش في بيئة فاسدة، لا يرون عدلا.. ولا يروكم .
**
ماذا ننتظر من الشريعة حين يطبقها مجتمع فاسد !
البعض يريدها كما هي .. بلدا ابن قحبة
تتغير العناوين ، والمسميات ، ويظل البلد كما هو
بشريعة أو بغير شريعة
بإيمان أو بكفر
حتى يعيشون كما هم .. علمانيون، إسلاميون، يشبهون مبارك، ودولة الفشل.. المستمرة.
**
تحديث - 9-11-2012
"إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله ، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات ، فإذا ظهرت إمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان ، فثم شرع الله ودينه "
ابن القيم الجوزية

4 comments:

بنت القمر said...

ينسون الشارع تماما ، يروه شارعهم ، الدستور دستورهم ، المعرفة معرفتهم .. ولا ثقة في أحد غيرهم
..
الشارع شارعي فعلا..الدستور دستوري... ومن حقي تماما اقلق /اخاف/اتوجس/احدد/ اتمني /اتخيل المساحة الخاصة الامنه بي يا عبده
قبل ان ادافع عن الشوارع المساحات الاخري..
ادافع عن غيري ازاي وانا خايفة!

mhsn.m said...

الوضع في مصر ليس معقداً وانما غير مفهوم
ويرجع الفضل في التخبط الذي اصاب العامة والخاصة الى الاعلام
صانع البعابع


Anonymous said...

Makes me think a million time before going back home; egypt. :')

Gid-Do - جدو said...

شئ مؤسف جدا ما وصلنا اليه فى هذا البلد بعد ثورة شهد لها العالم بسلميتها - تحياتى