Wednesday, May 08, 2013

الأراجوز العدمي و حكمة الموالد القاهرية


كنا نغني أنا وصديقي في شوارع القاهرة كلمات أوبريت الليلة الكبيرة ، وتحديدا ، الجزء الخاص بالأراجوز والعمدة .. نسينا بعض المقاطع ، و استكملناها بمقاطع أخرى ، استهزأنا بالكلمات ، نفس الاستهزاء الذي مارسه الأراجوز مع العمدة.
تتجلى أهمية ذلك المقطع من الليلة الكبيرة في أنه يجسد اللقاء العظيم بين أراجوز قاهري من القاهرة الفاطمية ، و عمدة ريفي ما زال يتحسس الطريق إلى بوابة المتولي ناحية الدرب الأحمر. لقاء المدينة الحرة مع التقليدية والمحافظة ، لقاء يبرز صراع الجد و الهزل ، الأبوية و اللاسلطوية.
قلت لصديقي : أنا لو قلت الكلام ده لحد ، هيتعمل عليا حفلة يا معلم.
لكني لا أعبأ .. و سأفعل ، وهاأنا أفعل ، مستعيرا عدمية الأراجوز وقسوة استهزائه.
**
العمدة: ياحضرة الاراجوز قل لي
الاراجوز: نعم ياعمدة عاوز ايه !؟
العمدة: منين يروحوا لمتولي ؟
الاراجوز: امدح نبينا وصلي عليه
العمدة: طب اللهم صلي عليه
الاراجوز: تمشي كده على طول ، على طول.. لحد ماتلاقي عمارة
العمدة: لحد ما ألاقي عمارة
الاراجوز: تدخل يمين تلقى بتاع فول.. دكانته على ناصيه حارة
المجموعة:دكانته على ناصيه حارة
الاراجوز: تدخل يمينك في شمالك.. شارعين وفي التالت تكسر..
..
لاحظ هنا وقار السيد العمدة وهو ينادي الأراجوز قائلا: ياحضرة الأراجوز .. ، وكان الفخ الذي نصبه الأراجوز هو أنه تماشي مع الحس الجاد للعمدة ، رمز الأبوية والسلطوية في الريف المصري ، لكن الحقيقة الخالصة هي أن هذا العمدة نفسه مجرد عابر سبيل ، وببساطة سيتحول إلى مادة للسخرية، وهذا ما سيحدث في الجزء الثاني من الديالوج.
**
الاراجوز: على اليمين واخد بالك... وتمشي على طول تتمخطر
العمدة:وامشي على طول و اتمخطر!
الاراجوز: تفضل كدا تمشي وتدب..
وتخش من مطرح ما طلعت
العمدة: و أخش من مطرح ما طلعت
الاراجوز: ولما تلقى مقلة لب
العمدة:ولما القى مقلة لب
الاراجوز: تعرف بانك تهت و ضعت !
هنا يتجلى الحس العدمي لدى السيد الأراجوز، إذ لا يبدي أي توقير للعمدة رغم مكانته في قريته، مستخدما جملا وعبارات تعبر عن موقفه من الحياة .. وتدريجيا تظهر ألفاظ مثل "تتمخطر"، وبعدها جملتان عظيمتان : " تفضل كدا تمشي وتدب.. وتخش من مطرح ما طلعت" ، والثانية " ولما تلقى مقلة لب،  تعرف بانك تهت وضعت  ".
الأولى هي العدمية نفسها .. أي أنك مهما رحت وجئت و صلت وجلت ، ستظل ثابتا في مكانك ، في النهاية "هتخش من مطرح ما طلعت"، أي ستعود إلى نفس النقطة ، الميلاد هو الممات ، و الفشل هو النجاح  . و بحس ساخر يستعير ذكرى أحد مقرات بيع التسالي في شرحه : "مقلة لب". ويختمها "تعرف بإنك تهت وضعت".
الحياة بالنسبة إلى الأراجوز مجرد متاهة لا نهائية ، عليك أن تواجهها بالتسلية.
**
أكملنا مسيرتنا أنا وصديقي ، بين شوارع القاهرة ، حيث الهزل و التسلية ، و لا شيء يهم.

No comments: