Thursday, April 25, 2013

فنون تطليع الدين كالشعرة من العجين

أثناء مروري من شارع ترعة الاسماعيلية ، رأيت على جدار "المستعمرة" عبارات مكتوبة بالاسبراي .. وكانت أقواهم : كيف تسجد لله و انت تكره شريعته ؟ هي تنويع جديد على العبارة الأشهر : ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته ؟
**
**
لم يدرك من كتب هذه العبارة التأثير الذي ستتركه في وعي من يمر عليها ليل نهار ، في البداية فقد وجه كاتبها رسالته إلى المؤمنين الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، إذ كتب "كيف تسجد لله"، وبعدها افترض في هذا المؤمن الساجد العابد أنه كاره للشريعة .. كيف ستؤثر تلك العبارة في وعي هذا المؤمن سوى بالنفور والاحساس بتأنيب الضمير على ذنب لم يقترفه ؟
هناك شريحة أخرى لم يفكر فيها صاحب العبارة العظيمة ، تلك الفئة التي أهملت السجود لله ، ومقصرة في عباداتها دون أن تفقد إيمانها ، كيف سترى نفسها إذا ما اندمجت فعلا في قراءة هذه العبارة وتدبرت معانيها ؟ فإذا كان المصلي نفسه كارها للشريعة ، فمن أنا ؟ العبارة ببساطة تشجع على "الطلوع" من الدين ، وتدعو للتيئيس.
**
هناك مشكلة حقيقية لدى الداعين إلى تطبيق الشريعة ، وينكشف ذلك حين يحاولون عرض فكرتهم في عبارات مختصرة أو جرافيتي ، مثل حركة أحرار حين استعارت مزاج الألتراس واتخذت شعار : الشريعة أسلوب حياة . ما مشكلتك ؟ ومن أنت يا من تعيش الشريعة كأسلوب حياة ؟ وهل أنا أو من هم أفضل مني ومنك لا يعيشونها كأسلوب حياة ؟ وهل هناك شخص في العالم بالفعل يجسد الشريعة كأسلوب حياة ؟ أما السؤال الأهم من كل ذلك .. ما هي الشريعة التي تتحدث عنها ؟ هؤلاء عليهم أولا أن يحيطوا بكل الاجتهادات والأفكار حول الفقه والشريعة والقانون ، وبعدها تتضح الرؤية في عبارات جامعة.
**
حاجة تقرف ، و مالحقتش أصور الجملة العظيمة ، فاكتفيت بالعبارة الأشهر التي أسست منهج تطليع البشر من الدين.

Sunday, April 21, 2013

الشك في اليقين ، كالشورت في البيسين

القلوق لا يفزع ، فهو في توتر دائم يغنيه عن الفزع ، لديه بديل آخر حين يصاب بنوبات أقسى من التوتر والقلق ، هي لحظات الشك في اليقين ، حين يبلغ القلق ذروته ، وتنهار كافة القيم والغايات في لحظة ، وتنقطع أواصر المحبة والصداقة والزمالة في ثوان معدودات .. في مثل تلك النوبات أستعير ثقة العظيم محمود درويش وهو يردد مقاطع لا أفهمها حتى الآن:
أَنا من وهنا .وهنا أَنا . دَوَّى أَبي : أَنا من هنا
وأَنا هنا .وأَنا أَنا . وهنا هنا . إِني أَنا . وأَنا هنا . وهنا
أَنا . وأَنا أَنا .وهنا أَنا . وأَنا هنا . إِني هنا . وأَنا أَنا
**
كلنا يعلم ما قاله بوحه الصباح في حواره الشهير ، حين ساوى بين الشك في اليقين ، وقطع الشورت في البيسين . الاختلاف ليس شديدا بين الحالتين ، فالشك في اليقين ، يغمرك بشعور من تمزّق "شورته"، أو "لباسه" أثناء وقوفه متألقا داخل البيسين .. ولا يختلف أداء بوحه حين قال الجملتين " الشك في اليقين"، "الشورت في البيسين" ، عن أداء درويش وهو يردد المقاطع السابقة: وأَنا هنا . وأَنا أَنا .وهنا هنا ، وطبق طبقكو يطبق في طبق طبقنا، ...الخ
**
دعني أصف لك تلك النوبة العظيمة .. في لحظات تعتنق مبدأ هاما : الحدود تراب . أي أن الفواصل بين المراحل والأماكن منعدمة ، كأنك مفيش ، وكأنك لم ولن تكن شيئا مذكورا.. مهما أنجزت ، ومهما ستنجز ، فلا شيء يهم ، و تتوحد مرة أخرى مع محمود درويش في مقولته العظيمة : لا شيء يعجبني. هو نفس المضمون الذي أنشده الإمام الغزالي لأحد السائلين قائلا : أنـت لا تـعـرف إيّـاك و لا تدر من أنت و لا كيف الوصول.
كل العلاقات متساوية ، كل الانجازات متشابهة ، و ... لا شيء يعجبني.

تمر النوبة بسلام .. كالعادة ، لكن يظل في داخل عقلك و قلبك أسماء شخصيات مصونة من أي شك ، ويظل هناك أخطاء لا يمحوها الندم .. عدا ذلك فلا أحد سواك ، و سواه ، يراك في قلقك ، و يرحمك . 

Thursday, April 18, 2013

حوار فاشل عن ناس فاشلة

- هل ممكن مكان فاشل ينتج حاجة ناجحة ؟
- يعني حسب .. ممكن مرة الدنيا تظبط مع الفاشلين بالحظ.
-  لأ طبعا مستحيل .. لما تبقى القيادة فاشلة ، و السياسة فاشلة ، و الناس اللي بتتنافس فاشلة ، ولما يبقى الزباين نفسهم فاشلين ..  دي تبقى بيئة لا يمكن تنتج حاجة ناجحة !
- النجاح يا أستاذي الفاضل حاجة نسبية ، يعني كل الفاشلين اللي انت بتحكي عنهم دول عندهم معايير تانية للنجاح .. من الآخر النجاح هو انك تحقق الرضا لجميع الأطراف ، و طبعا اللي يرضي الفشلة يبقى انسان ناجح ، حتى لو حسب معاييرهم.
- بس اللي انت بتقوله ده مش منطقي ، خلينا نبتدي من الأول .. احنا لما نوصف حد انه فاشل ، فاحنا من الأساس بنقول انه شخص مش متوائم مع فكرة إدارة الأمور بشكل طبيعي ، يعني الفاشل بيخرج عن الشكل الطبيعي للتصرفات ، يعني الوضع الطبيعي إن الفاشل ده يبقى غريب الأطوار ، أو منبوذ .. مثلا : الطبيعي انك بتنقل فتيس العربية من الأول للتاني وبعدين التالت ، يقوم يجيلك الشخص الفاشل ينقل الفتيس من الأول على التالت على طول .. وده لا يمكن يستمر لإنه بتصرفه الفاشل ده ، هيتسبب في تدمير العربية بعد فترة .. طب لو فرض ان كل الناس عملت زيه ، وقرر الفاشلين إنهم يفرضوا قواعدهم ، هيحصل إيه ؟
- هيحصل إيه ؟
- اللي هيحصل إن مدربين السواقة ، هيبتدو يدربوا الناس على إنهم ينقلوا الفتيس من الأول على التالت على طول .. ويبقى المتدربين بيسألوا ، طب هو ليه مش بننقل على التاني وبعدين التالت؟ فيتقالهم : لأ التاني ده مالوش لازمة أصلا ، احنا كده بننجز، ويقنعوهم إن ده الصح .. بعد فترة العربيات في البلد الفاشلة دي هتخرب ، ويروحوا للميكانيكية ، ويبتدي الميكانيكية يعملوا فلوس من الفشل ده ، ولإن الميكانيكية بيستفادوا فهيسكتوا ، ويستمر الفشل !
- بس في الحالة هيفضل كل واحد في البلد دي فاكر انه بيحقق نجاح؟
- لكن في النهاية الوضع ده مش هيستمر مهما حصل ، هيحاول الفشلة إنهم يقربوا ولو على مضض من الوضع الطبيعي.
- طب في وسط العك ده كله ، إيه موقف الناس اللي كانت ماشية طبيعي طول الوقت ؟ هيبقوا عايشين ازاي ؟
- يا إما هيسيبوا الناس الفاشلة دي بدري ويروحوا مكان طبيعي ، يا إما هيصبروا ، لحد ما يثوروا عشان يفرضوا قواعد جديدة ، و ترجع الدنيا لوضعها الطبيعي ، وإذا ماقدروش يثوروا ، فأكيد هييجي وقت على الفشلة إنهم يحسوا انهم محتاجين يرجعوا للوضع الطبيعي عشان الدنيا بتنهار ، ساعتها هيدوروا على الناس الطبيعيين ، واللي فضلوا محافظين على نفسهم ، وماحاولوش يقلدوا الفاشلين. 
- بس خد بالك من حاجة ، إن اللي ما اختاروش يبقوا زي الناس الفاشلين دول أكيد هيكونوا اتشوهوا ، ونسيوا الوضع الطبيعي بيبقى ازاي ، لأنهم في نظام فاشل وغريب ؟
- كله عارف الصح والغلط .. حتى الفاشل ساعات بيبقى عارف اسباب فشله بس مش عايز يعترف ، في يوم من الأيام اللي متمردين على الوضع الفاشل ده بيوصلوا ، ويخوضوا حربهم ، عشان يحطوا التعريفات السليمة للفشل ، والنجاح .

Monday, April 15, 2013

جوا البيت هنزرع نخلة

حين تزرع فسيلة نخل ، لا تنتظر الحصاد في العام المقبل ، انتظر عدة سنوات حتى تحصد الثمار .. حياة كثيرين تشبه زارعة النخل ، لا يأكلون التمر حتى يثمر النخيل .. هذا إن أثمر .
قبل سنوات عديدة كنت مهتما بالقراءة عن الفلاسفة و المصلحين ، و أكاد لا أتذكر حرفا مما قرأته في تلك الفترة العظيمة . كان أغلب ما وجدته في حياتهم هو الغربة ، و أحيانا ما تنته حياتهم بالتشتت أو القتل ، و لا يبقى للناس من بعدهم سوى كتبهم و أعمالهم ، وأعمال من عملوا على أعمالهم.
**
كانت الصورة أشد قسوة في سير الأنبياء ، خاصة حين طالعتها في نص القرآن .. حيث يتجاوز الأمر تجربة الاغتراب .
فأقل ما قد يحدث لأحدنا حين يخوض معركة "سلمية" من أجل نشر فكرة هو أن يصاب بالإحباط ، فما بالك بمن يأتيه أمر بان يترك قومه بعد سنوات من الدعوة كي ينجو من أمر الله بإهلاكهم ؟
**
لا يوجد رهان حقيقي على ما تفعل الآن ، أحيانا ما تبادر ، وتفكر ، وتعتقد ، وتعتنق ، وتنظر ، و... ، ثم يكون مصيرك التنكيل والتشهير والعزل . لا تفكر وقتها في أن المستقبل سيكون مبهرا حين ترحل ، وأن أفكارك ومبادراتك ستغزو العالم بعد مماتك ، لا تستحضر سير الأنبياء والمفكرين والمصلحين ، فقد لا يكون تأثيرك سوي في تغيير حياة فرد !
الأمل هنا أنك لا تدري من سيكون هذا الفرد ، ربما يكون أكثر تأثيرا منك .
**
ما الهدف من هذا الهري ؟ هل البكاء ؟ هل استفزاز الدموع تأثرا بانتصار الحق في النهاية ؟ هل هو نقل محتوى درس في أحد مساجد مدينة السادس من أكتوبر ؟ هل هو تفريغ حلقة من سلسلة للتنمية البشرية ؟
لا أعتقد ، هكذا يكتب المثاليون ..  وهم أنفسهم من يكتبون في لحظات الإحباط عناوين أخرى على شاكلة : نحن لا نزرع النخيل .. نحن قوم نأكل حتى نشبع.
**
"جوا البيت هنزرع نخلة ، تطرح خير ، وتعمل ضلة "
حتى لو أصاب النخلة وباء قضى عليها قبل موسم الإثمار .. لقد قمت بواجبك.

Wednesday, April 03, 2013

يوم ييجي عقلي في راسي ، ويوم بيتوه

أجلس على نفس المكتب ، أمام شاشة الكمبيوتر ، لمدة أربع ساعات ، لا أستطيع فعل شيء ، أعلم أني تحدثت كثيرا عن الحساسية التي تصيبني وعن أعراضها القذرة ، و..الخ . ليس هدفي تكرار الكلام ، بل محاولة تشغيل عقلي المعطل.
على مدار الساعات الأربع ، توصلت إلى أرقام الهواتف المطلوبة، أخرجت هاتفي كل نصف ساعة ، لكني لا أحدث أحدا .
 إنت مضايق ليه ؟
-  مش مضايق ، بس تعبان
يا الله ، ماذا أفعل !؟
**
أبحث عن نقطة ضوء أسعى خلفها ، حتى أعود إلى حيث كنت . لن أكرر حديثي عن محاولاتي البائسة بعد الثورة لتحميس سائقي التاكسي كي ينشؤوا رابطات مهنية تخصهم، كبديل عن نقابتهم الفاشلة ، حاولت ، وأخفقت، حتى أتاني اليقين.
قبل يومان تلقى سائق التاكسي مكالمة هاتفية من زميله ينصحه ألا يذهب ناحية كوبري أكتوبر من ناحية مدينة نصر ، فقد قرروا قطع الطريق
-  ماتعرفشي مين اللي منظم الاضراب ده ؟
-  كذا رابطة للسواقين اتجمعوا ، وقرروا قطع اكتوبر عشان مافيش حل تاني
لم أستطع النطق ، لم أسأله من شجعهم ، ومن نظمهم .. لكن الحلم تحقق جزئيا ، على يد آخرين ، ولم يكن لي أي دور في هذا سوى الدعوة والتبشير ، و لم أعلم من سينفذ.
"فَمُ الصِّدِّيقِ يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَلِسَانُهُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ."
**
الكلام من حولي يتحول إلى رنات تدق أعصابي ، لن يضيع اليوم..
كنت الأسبوع الماضي في ما وراء العقل، لم استطع أن أفكر في أي شيء ، و بعد أن عدت إلى المكان والزمان والانسان ، أحاول ألا تطردني الحساسية إلى خارج دائرة التفكير
**
الآن .. أنا أستدعي طاقات آلهة الحدة والصياعة .. أعيد إحياء سخط عبدالله بدر ، وعدوانية وجدي غنيم ، واستفزاز خالد عبدالله ، أنا في انتظار المدد ، ربما كلمة منهم تعيدني إلى الحياة، مثلما عاد سائقو التاكسي الى احتجاجاتهم.
**
العنوان من موال شهير لأحمد عدوية