Friday, May 02, 2014

النزاهة كنز قد يفنى ،،


لم أنجح في نسيان ذلك المشهد من فيلم "الرجل الذي فقد ظله"، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب فتحي غانم، كان المشهد كالتالي: يدخل كمال الشناوي إلى مكتب رئيس التحرير، ويخبره عن حريق أصاب دار الأوبرا، فيسمع منه رئيس التحرير حتى النهاية، ويخبره أن معظم التفاصيل التي قالها، لم تحدث، ثم يبتسم قائلا: "هي الصحافة كده، نصها حقيقة، والنص التاني فبركة".
يلخص هذا المشهد إحدى نقاط ضعف الصحافة، فأحيانا ما تعلو قيمة السرعة على حساب الدقة، والإثارة على حساب المصداقية، وفي النهاية يفصل بين كل هذا حقيقة هامة، وهي حجم المبيعات، خاصة بعد ما حدث في السنوات الأخيرة من فقدان الصحافة الورقية قوتها أمام الانترنت والفضائيات، وما يعانيه سوق الاعلانات من تعثر.
**
ما الذي يدفع صحفي إلى فبركة خبر أو تأليف قصة إنسانية ؟ نحن هنا نتحدث عن تدمير أهم خدمات الصحافة، ألا وهي تقديم المعلومات، لذا فإن غياب النزاهة والمصداقية، هو أمر يقضي على سبب وجود الصحافة من الأساس، فلا أحد يحتاج إلى معلومة خاطئة.
هل تعلم ما الذي يدفع إلى استبعاد النزاهة والمصداقية من العمل ؟ الضغط والإجبار والاحساس بالضعف.. 
**
يبرز عامل الضغط في الجانب المالي، الذي يقود إلى ضرورة تطعيم المادة بالإثارة، بل والاختلاق أحيانا، والتركيز على معلومات قد لا تفيد القارئ بقدر ما تخاطب غرائزه، غالبا ما يأتي القرار هنا بعد اجتماعات فوقية، من أصحاب رأس المال، لإيجاد حلول لدى إدارة التحرير، كي يزيدوا من المبيعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
أما الإجبار فيبرز في العامل السياسي، الذي لم يعد دوره خفيا في التأثير على توجهات الصحف، وهنا، إن لم ينصاع المحرر للخطط الجديدة، فعليه أن يتقبل التهميش، أو تطويع أخباره لترضي الموجة السياسية الحاكمة.
أما العامل الأخير، فيبرز في أشكال تافهة من تصفية الحسابات بين أصحاب المصالح من الصحفيين، فليس غريبا أن يتعرض محرر ناشيء لتوجيه من مديره، كي يطعن في المهرجان الفلاني، أو في الشركة العلانية، والسبب أن صحفيا منافسا، قد اغتنم منصب المستشار الاعلامي الذي كان يطمح إليه، وهنا يتحول الصحفي الناشيء إلى أداة في يد رئيسه.
**

أذكر أني قد تحدثت مع زميلة حول هذا الموضوع قبل الكتابة، وكانت إجابتها عملية جدا .. هل تستطيع إثبات تلك التفاصيل بالدليل ؟ أما أنا فأرى أن الدليل على الفبركة وغياب النزاهة، هو كم الأخبار والقصص الملفقة التي تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية يوميا، لكن الدليل على أسباب الفبركة، لن تسمعه سوى في كواليس الصحافة، من شباب يريدون زيادة كشف انتاجهم، ومديرين تحركهم ضغوط مالية، أو حسابات شخصية .. لكن ما زال في هذا المسرح دورا صغيرا لأحدهم، يحاول أن يبتعد عن تلك الحسابات الفاسدة، سواء كان رئيس تحرير، أو مديرا، أو محررا عاديا.

1 comment:

Foxology said...

كنت أعرف نص هذه التدوينة ولم أكن على دراية بالنصف الباقي حيث لا يعلمه إلا من هو في الكواليس -مثلك- فتقبل تحيتي على هذه التدوينة الرائعة.