Tuesday, January 21, 2014

لو الحياة خوف.. يبقى الموت أحسن

قبل نفق إمبابة على طريق الكوريش، حيث تكثر عربات التوكتوك بشكل مفاجيء، رأيت واحدا منهم يزحف بين السيارات، وفي خلفيته عبارة لم أكن قد قرأتها من قبل، إذ تقول : "لو الحياة خوف، يبقى الموت أحسن". أخرجت كاميرا المحمول لالتقاط هذه الصورة، لكنه فر هاربا، تاركا العبارة تدور في رأسي .. أنساها، ثم أتذكرها حين أشعر بالخوف، فأطمئن.
**
قبل ثورة 25 يناير 2011 بأسابيع قليلة، كنت أشعر بالقلق الشديد، وبالندم الأشد لبقائي في مصر في لحظة إنهيارها، لم أكن قد قرأت العبارة السابقة في ذلك الوقت، "لو الحياة خوف يبقى الموت أحسن"، لكنها تحولت إلى عقيدة فيما بعد.
وفي بداية أحداث 25 يناير لم أكن لأتصور أن تنقذ هذه الثورة البلد من الفوضى التي توقعتها، فعلى مدار السنوات الأخيرة من حكم مبارك كنت أؤمن أن هناك عنف وفوضى قادمان، عشت تلك الحالة تحت تأثير فزع أبناء الطبقة الوسطى من "ثورة الجياع"، التي كثر الحديث عنها في آخر فترة حكم مبارك، واعتبرت أن ما أنقذ مصر من الفوضى هو هتاف "سلمية" الذي قاد الجماهير حين غاب القادة، كنت أرى أن "السلمية" توجه غضب المواطنين نحو السلطة، كبديل عن أن يصب الناس غضبهم على بعض، وكما يبدو أن كثيرين قد خرجوا بنفس مبدأ صاحب التوكتوك لمواجهة مخاوفهم، كانت تلك المخاوف في أغلبها تتلخص في الخوف من المرض والبطالة والفقر، ذلك ما ذكرته دراسة لطيفة أجريت في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تحت عنوان "بماذا يحلم المصريون؟"، خرجت نتائجها قبل اشتعال ثورة 25 يناير بأسابيع قليلة، و كان من ضمن نتائجها ما يخص قلق المصريين من الغد وخوفهم من المستقبل، وأظهرت النتائج أن :  51.3 % أظهروا قلقهم من ارتفاع الأسعار، و40.5 % من المرض ، و 27.8% من الفقر، و27.6 % من البطالة، و15.2 % من فقدان الأمن.
رأيت أن هذه النتائج تكشف عن خوف، لابد أن يقود لغضب ، أو حتى دفاع عن النفس في شكل ثورة.
ما أفترضه هنا أن تلك الثورة كانت ثورة الخوف، وأن الثورة المضادة كانت تمثل الخوف المضاد، كانت صراعا بين خوفين: الأول هو خوف من تيقنوا أنهم في بلد تنهار، لا كرامة فيها لإنسان، وأن عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم بغضبة على كل ذلك حتى تعود الدولة إلى صوابها، أو باختصار : " لو الحياة خوف.. يبقى الموت أحسن" . أما الخوف الثاني، فهو ذلك الخوف الذي ظهر بعيدا عن ميدان التحرير، في هيستريا التلفزيون المعادي للثورة، وفي اللجان الشعبية الساهرة في قلق، وأصحاب الكراسي المتمسكين بمناصبهم .. هو الخوف من التغيير .
**
نحن الأن قبل 25 يناير 2014 ومازالت الدولة مستمرة في اللعب على خوف الجماهير من الخونة، من العملاء، من الارهاب، ..الخ، كي تبسط نفوذ أجهزتها الأمنية على الجماهير، أما مخاوف المصريين التقليدية من الغلاء والمرض والفقر والبطالة، الخ، فقد تم تهمشيها لصالح خوف أكبر هو الحفاظ على الأمة من الأخطار. من ينتصر هنا، مخاوف السلطة المتمسكة بحالها وحالتها، أم مخاوف الجماهير اليومية، من نقص الأمن، والفقر، وغياب العدالة؟
**
حاولت كثيرا الخروج من أسر الثورة وأحداثها، لأن متابعة الفشل لا تفيد، لكني وجدت أن ما يحدث في البلد، هو الذي أواجهه في علاقاتي الشخصية والمهنية، ووقعت أنا أيضا في فخ الصراعين اللذين يقودان الأحداث، صراع الخوف من الفشل ومقاومته، وصراع الخوف من التغيير والاستقرار في الفشل.. لكني سأستعير حكمة التوكتوك العظيمة : لو الحياة خوف.. يبقى الموت أحسن !
لا شيء يستحق الخوف .

Monday, January 13, 2014

درس في التنمية البشرية: الجري نص الجدعنه

أثناء جولتي الرياضية حول قصر القبة، بعد فترة انقطاع، حاولت الجري، حتى تسارعت ضربات قلبي فأنتقلت إلى السرعة الأبطأ، حتى إذا ما تحسنت الحالة فأعود إلى الجري، وهكذا .. وأثناء الطواف حول القصر الجمهوري، قد تفاجئك صرخة :"عاش يا بطل"، أو صقفة تحمسك على استكمال الجري.
**
على ما يبدو أني تسببت في إحراج الشاب الممتليء حين ركضت إلى جواره بسرعة، وعلى مايبدو أيضا أن ذلك قد انتقص من كرامته السمينة، إذ أنني حين هدأت من سرعتي، حاول الركض ليتجاوزني، وقد فعل .. بدا منهكا، وثقيلا وهو يحاول ألا يبطيء سرعته، خاصة أني كدت أن ألحقه وأنا مكتفي بالمشي السريع خلفه. في اللحظة الحاسمة، اتخذت قراري بتجاوزه، والركض جواره، وكأني أخرج لساني له.. ومع تسارع ضربات القلب، هدأت من سرعتي مرة أخرى، حتى تجاوزته بمسافة، ونظرت خلفي، فوجدته قد استند إلى سور القصر من التعب، وبعدها مباشرة قرر التحامل على نفسه، والمرور بمحاذاتي مباشرة، ثم قال: - إيه يا باشا انت هديت ليه، يلا إجري !! ثم انطلق سريعا
**
بدأت في الركض مرة أخرى تاركا له مسافة تحفظ له ما تبقى من كرامته الرياضية، وفي تلك الأثناء مر شاب صارخا : عاش يا كابتن ! . أما الشاب الممتليء فقد تجاوزته للمرة الأخيرة .. ووسط كل ذلك كان الأهم بالنسبة لي هو متابعة ضربات قلبي، وألا أنهك أربطة ساقي المتعبة. وحين وصلت قرب نهاية الجولة، كان الشاب الممتليء قد انسحب من المشهد تماما، أما الذي مر بي وصرخ : عاش يا كابتن، فوجدته قد جلس يستريح ويتأمل، بعد ان انهك نفسه .
**
أهم الدروس التي تعلمتها من تلك الجولة الصباحية، ألا أنهك نفسي بسبب مزايدات الآخرين، أن أبحث عن إمكانياتي وقدراتي، دون النظر إلى لحظات مبهرة في حياة الآخرين، فالمتابع قد لا يعلم نهاية هؤلاء المبهرين حين ينسحبون، أو حين يختلون إلى أنفسهم، وقد ضاع هدفهم تماما.