Friday, May 16, 2014

ست طلقات لأربعة مصادر صحفية



 جلست أمام السيد الأستاذ الوقور، الأكاديمي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لم أعرف كيف أبدأ، ولا كيف يمكنني الاستفادة من انخراطه في عدد من الكيانات السياسية، أو من خبرته الأكاديمية، يكاد أن يكون أكثر المصادر استهلاكا في الصحافة وأكثر الضيوف ظهورا في الفضائيات .. كان عليّ أن أبدأ.
سألته سؤالا مستهلكا يشبه طلـّته التقليدية: "كيف ترى المشهد السياسي حاليا؟"، وبدأ حديثه بالتشاؤم، ثم مزيد من التشاؤم، حتى قال: "مصر مقدمة على نفق ليس له نهاية". توقفت عدة ثوان أمام العبارة، سألني: "اتفضل كمّل أسئلتك، ولا خلصت؟". تركت أوراقي جانبا، أخرجت المسدس، "بتعمل إيه يا مجنون !!". أطلقت رصاصة استقرت في صدره.
**
في داخل منزل مبني من الطوب اللبن، تجمع حولي 4 أفراد من أبناء المنطقة العشوائية، حيث عشرات من الأسر المهددة بالتهجير القسري، "احنا ناس غلابة يا باشا .. محدش هنا حاسس بينا، ولا صحافة، ولا إعلام، اكتبوا بقى وبطلوا كدب". أنهيت اللقاء سريعا، واعدا إياهم أن أنقل الصورة إلى الجمهور، كما يملي عليّ ضميري، ثم طلبت من الرجل الذي أمرني بالكتابة دون كذب، أن يصاحبني حتى أطراف الطريق، وفي منطقة مظلمة، أمامها مساحة شاسعة من الصحراء التابعة للقوات المسلحة، قلت له: "أنت ليه متخيل إني هكتب كلام كدب؟"، قال: "الإعلام كله كدب، وانت عارف يا باشا، أنا ابن عمتي كان بيكتب في جرنال مراجيح الحرية، وساب الشغلانة، واشتغل على تاكسي .. وقاللي على كل حاجة". أخرجت مسدسا كبيرا بكاتم للصوت، وأطلقت طلقة هادئة، اخترقت منتصف جبهته.
**
في بناية عظيمة تطل على النيل، جلست المديرة الشابة خلف مكتبها الأنيق، وحكت لي قصة نجاح الشركة، منذ أن كانت مجرد شقة عادية في الضفة الأخرى من النيل حتى هذه اللحظة، "كان الفيو برضو بيطل على النيل؟"، هكذا سألت. وجاءتني الإجابة بتوتر: "آه كانت بتطل على النيل، بس كانت أصغر.. وكنا خمسة بس، إنما احنا دلوقت 33 موظف !". طلبت منها أن تفتح الشباك، وأن تشير إلى موقع المقر القديم، حيث تلك الشقة المتواضعة المطلة على النيل، وأثناء وقوفها خلف الشباك المفتوح، سددت رصاصة غادرة، أسكتتها إلى الأبد.
في هذه المرة، توجهت إلى المذيعة اللامعة، التي اشتهرت (بسلخ) ضيوفها، سواء كانوا نجوما مشهورين أو كانوا ضحايا مغمورين، حذروني بشدة من هذا الحوار، وأنها قد تكون نهايتي المهنية، واخترت التحدي، وقيل لها أني مجرد صحفي لطيف، لو (زغرت) لي سأعود إلى لطافتي المعهودة، وهكذا دار الحوار، حاولت استفزازي، والاستهاني بي، وشتمي مباشرة، وكل هدفي هو انهاء الحوار، فلدي هدف أسمى من ذلك.
"لدي سؤال أخير .." صمتت، نظرت إليّ ببرود، فاستكملت وأنا أضع يدي داخل الحقيبة الجلدية التي لا تفارقني: "هل شايفة انه المشاكل الجنسية اللي بيواجهها البني آدم، ممكن تأثر على أدائه الإعلامي؟". اتسعت عيناها، ثم قامت من مكانها وهي تردد: "انت قلت إيه دلوقت ؟!!". لم تستطع تكرار الجملة، فقد استقرت رصاصة في صدرها .. ماتت وهي مذهولة.
**
في مسيرة، اكتشفت بعدها بقليل أنها كانت جنازتي، وسط مقابر كثيفة في جوار القلعة، تركوا المحفة قرب القبر، فنظرت إلى لوحة رخامية تعلو الشاهد، تقول: "شهيد الصحافة المصرية". 
أصبت باستياء شديد. "إيه الحركة اللي ملهاش معنى دي، ازاي العيلة سمحت بالرخص ده !؟". سمعت من خلفي صوت رجل وامرأة، كان الناس قد رحلوا، وتركوني وحيدا أمام القبر.. الاستاذ الأكاديمي والاعلامية الشابة، يرتديان (أبيض في أبيض)، يحملان نظرة تسامح، ومغفرة. قالت الإعلامية: "أنا مسامحاك على فكرة، والدكتور برضو جاي يقولك كده". اخترق صوت طلقتي رصاص هدوء المقابر، وسقطا معا وسط تصفيق الموتى.

Friday, May 02, 2014

النزاهة كنز قد يفنى ،،


لم أنجح في نسيان ذلك المشهد من فيلم "الرجل الذي فقد ظله"، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب فتحي غانم، كان المشهد كالتالي: يدخل كمال الشناوي إلى مكتب رئيس التحرير، ويخبره عن حريق أصاب دار الأوبرا، فيسمع منه رئيس التحرير حتى النهاية، ويخبره أن معظم التفاصيل التي قالها، لم تحدث، ثم يبتسم قائلا: "هي الصحافة كده، نصها حقيقة، والنص التاني فبركة".
يلخص هذا المشهد إحدى نقاط ضعف الصحافة، فأحيانا ما تعلو قيمة السرعة على حساب الدقة، والإثارة على حساب المصداقية، وفي النهاية يفصل بين كل هذا حقيقة هامة، وهي حجم المبيعات، خاصة بعد ما حدث في السنوات الأخيرة من فقدان الصحافة الورقية قوتها أمام الانترنت والفضائيات، وما يعانيه سوق الاعلانات من تعثر.
**
ما الذي يدفع صحفي إلى فبركة خبر أو تأليف قصة إنسانية ؟ نحن هنا نتحدث عن تدمير أهم خدمات الصحافة، ألا وهي تقديم المعلومات، لذا فإن غياب النزاهة والمصداقية، هو أمر يقضي على سبب وجود الصحافة من الأساس، فلا أحد يحتاج إلى معلومة خاطئة.
هل تعلم ما الذي يدفع إلى استبعاد النزاهة والمصداقية من العمل ؟ الضغط والإجبار والاحساس بالضعف.. 
**
يبرز عامل الضغط في الجانب المالي، الذي يقود إلى ضرورة تطعيم المادة بالإثارة، بل والاختلاق أحيانا، والتركيز على معلومات قد لا تفيد القارئ بقدر ما تخاطب غرائزه، غالبا ما يأتي القرار هنا بعد اجتماعات فوقية، من أصحاب رأس المال، لإيجاد حلول لدى إدارة التحرير، كي يزيدوا من المبيعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
أما الإجبار فيبرز في العامل السياسي، الذي لم يعد دوره خفيا في التأثير على توجهات الصحف، وهنا، إن لم ينصاع المحرر للخطط الجديدة، فعليه أن يتقبل التهميش، أو تطويع أخباره لترضي الموجة السياسية الحاكمة.
أما العامل الأخير، فيبرز في أشكال تافهة من تصفية الحسابات بين أصحاب المصالح من الصحفيين، فليس غريبا أن يتعرض محرر ناشيء لتوجيه من مديره، كي يطعن في المهرجان الفلاني، أو في الشركة العلانية، والسبب أن صحفيا منافسا، قد اغتنم منصب المستشار الاعلامي الذي كان يطمح إليه، وهنا يتحول الصحفي الناشيء إلى أداة في يد رئيسه.
**

أذكر أني قد تحدثت مع زميلة حول هذا الموضوع قبل الكتابة، وكانت إجابتها عملية جدا .. هل تستطيع إثبات تلك التفاصيل بالدليل ؟ أما أنا فأرى أن الدليل على الفبركة وغياب النزاهة، هو كم الأخبار والقصص الملفقة التي تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية يوميا، لكن الدليل على أسباب الفبركة، لن تسمعه سوى في كواليس الصحافة، من شباب يريدون زيادة كشف انتاجهم، ومديرين تحركهم ضغوط مالية، أو حسابات شخصية .. لكن ما زال في هذا المسرح دورا صغيرا لأحدهم، يحاول أن يبتعد عن تلك الحسابات الفاسدة، سواء كان رئيس تحرير، أو مديرا، أو محررا عاديا.