Friday, March 16, 2018

أرض المدافن.. كيف تقاوم العداء لمدينة 6 أكتوبر؟

كنت مولعا قبل سنوات بتتبع أثر الماضي في شوارع المدن، ربما بحثت عني أو عن أجدادي هناك، فتشت عن أصل الأشياء والعلاقات وعن جذور ما أراه. لكني أدركت أمرا، أني كلما اتجهت غربا، ازدادت الوحشة في نفسي.
لك أن تعلم أنك ستسقط في كوابيسك يوما ما، فما تبحث عنه يبحث عنك، فتخير وجهتك جيدا، وعليك ألا تخشي مغارب الأرض بعد اليوم.


هل أتى على الإنسان حين من الدهر كان يخشى الانتقال إلى الجانب الغربي من النيل؟ يبدو أن علاقة الإنسان المصري الصميم كانت واضحة من البداية، فقد اختار تقسيما واضحا، إذ كان يعتقد القدماء أن الحياة في الشرق، حيث تقبل الشمس فتهب الناس الضياء والدفء، ثم تغرب خلف التلال لتؤنس الموتى. لذا كانت المدافن في الأغلب على الجانب الغربي من النيل.
كنت أدرك هذا الأمر حين أنتقلت من شرق العاصمة إلى غربها، وإلى الآن ما زلت أزور مناطق مثل التجمع الخامس أو الرحاب وغيرهما، فأشعر بألفة أكبر على عكس الناحية الأخرى من الجيزة، وخاصة في أقصى الغرب، حيث مدينة السادس من أكتوبر. طبعا أنا لم أتحدث عن هليوبوليس وشبرا ومناطق أخرى أحبها في الجهة الشرقية.




من المؤكد أن خلق أساطير موجزة في رأسك قد يقدم تفسيرات لأمور كبيرة، منها على سبيل المثال تلك العلاقة مع جبل المقطم، إذ ارتبط معي بحكايات بعض الأقارب ناحية الإباجية، حيث رووا لي قصة أحد شبابهم الأطهار، الذي يتجلى لهم ليلا من بين المقابر بصحبة مجموعة من المنشدين بأيديهم الدفوف.
ليست هذه القصة الوحيدة التي تربطني بالمقطم، فمازالت سيرة الحاكم بأمر الله حاضرة في هذا الأمر، وتحديدا نهايته التي زعم البعض أنها كانت جوار هذا الجبل الشامخ. هو جبل مسحور، ورغبت في السكن هناك، مكان يليق بالنهايات، الحاكم بأمر الله، الإخوان المسلمون، قصة حب فاشلة.. كذلك نهاية هذا الشاب من الإباجية الذي يتجلى ليلا من بين المقابر.




يقال أن قبيلة عربية جاءت إلى مصر مع عمرو بن العاص، اسمها همدان، وكسر هؤلاء العرب ما اعتقد فيه المصريون من أن الموت في الغرب، فاتجهت همدان لأسباب عسكرية تخص تأمين حصن بابليون، إلى غرب النيل، ولما اجتازوا النهر، سميت تلك الأرض بالجيزة، وما زال هناك شارع باسم همدان وآخر باسم مراد، نسبة إلى العرب الأوائل الذين عاشوا غرب النيل دون خوف.
ولما اتسعت الجيزة، ظهرت مدينة السادس من أكتوبر، وفي خلفيتها المدافن الأعظم، الأهرامات.


A post shared by Abderrahman Mostafa (@abderrahmanmostafa) on


تركت الحياة شرق النيل، وأصبحت أعمل في مدينة السادس من أكتوبر، وحين سكنت، لم أجد سواها أيضا، من بعيد أرى الأهرامات الضخمة، تذكرني بأسطورة الأجداد، أن الحياة ليست هنا. أسكن الآن في منطقة ما زالت تحت الإنشاء، قرب طريق الفيوم، أرى لافتة على الطريق، (الفيوم 65 كيلو)، هذه المسافة أقرب لي من الذهاب إلى سيتي ستارز في مدينة نصر.
اليوم أكتب هذه الكلمات بعد أن قررت اختراق صحراء الفيوم، حتى بلغت موقعا يطل على بحيرة قارون، لا أرى الأهرامات، ولا الجيزة، ولاهمدان، لكني أعلم أني ما زلت في الغرب، بعيدا عن معنى الحياة. أنا الآن أمام الموضع الذي خسف الله فيه الأرض بقارون، والمكان الذي ضاعت فيه ذكرى امرأة العزيز.

A post shared by Abderrahman Mostafa (@abderrahmanmostafa) on


في الطريق إلى الفيوم، ودعت خيالات أهرامات الجيزة خلفي، لأرى مقابر أخرى لمسلمين ومسيحيين، في "طريق الفيوم"، غربا.
لم أعد أبغض مدينة السادس من أكتوبر، بقدر ما أشتاق إلى الشرق، أرى مستقبلا أوسع أمام أكتوبر، التي ربما أفارقها في لحظة، مثلما انتقلت إليها في لحظة.