Wednesday, July 25, 2018

أنت ما تحن إليه


أنت تشفق على نفسك، من أي شئ ومن كل شئ، ربما تعتصر الغربة قلبك بعنف وتذكِّرك بلحظات مارست فيها الخوف والقلق تجاه نفسك وتجاه من تحب، لكنك قاومت دون انتصار أو هزيمة. وفي عقلك، جمعت ذكرياتك البائسة لتخفيها من حياتك اليومية، وظننت أن طريق الانعتاق يبدأ بالوحدة والتوحد، كصوفي يصنع عالما من الرضا. تكاسلت عن مواجهة كل ما فات، وحان الوقت كي تنفجر الألغام مع كل خطوة جديدة تخطوها نحو الرضا.
**
السوط بيدي الآن، كم جلدة مقابل خطئك؟ سنوات من التلوّن والتطبُّع والمزايدة حتى ظننت أنك لست أنت، وفي لحظات صدق إجبارية، فوجئت بأنك ما زلت تمارس هوايتك في الإشفاق على العالم وانتزاع البؤس من الأيام.
أنت لا تستحق الجلد! فلن تنجح في استغلال الألم لصنع أسطورة جديدة، أنت بحاجة لعقوبة أفضل، أن تعود إلى مغارتك، وتواجه بؤسك المحبّب إلى نفسك، بعد أن تمرعلى حقل الألغام قافزا كراقص باليه محترف.

نويبع - يوليو2018

أنت لا تعـرف إيـّاك.. ولا تـدرى مـن أنـت.. ولا كيـف الوصـولْ - الغزالي 

تدرك اليوم أن "ما تبحث عنه يبحث عنك".. أنت الآن تبحث عن حقل ألغام مفروش بالشفقة والخوف والغربة، وتستقطب طول الوقت ما هربت منه، وقد نبَّهك هذا وذاك بما كنت عليه قديما، ثم ابتعدوا قسرا، بعد أن حاولت تركهم اختيارا.
قالت لك: "أنت اخترتها بديلا عنهم بعد أن فارقتهم خشية الخوف والقلق، وتريدها أن تكمل مسيرتهم"، كان من حقك أن تغضب من هذا الحديث، لست خسيسا لهذه الدرجة، أنت لم تبتعد عن من ظللت سنوات تشفق عليهم وتشاركهم الإحساس بالضعف والوهن.
كنتَ طفلا يبحث عن حل، أردت أن تكون مع من أحببت دون ضعف، أردت قوة دون تجبّر.
قالت عبارتها ثم ذهبت في رحلة أنت بدأتها مبكرا، كنتما تبحثان عن القوة، وحين اقتربت منها، خافت، فقوتها المصطنعة جذبتك.. لعلها هربت منك ومن ضعفها المدفون، لم يفهمك إلا قليل، فأنت لا تحتقر الضعف، لكنك تكره الخوف والغربة.



يا زارع الريحان حول خيامنا.. لا تزرع الريحان، لست مقيمُ- أبوفراس الحمداني

البعض ودّعك بقسوة، فيما كنت تبتعد عن آخرين بهدوء، والآن ما زال هناك من ينتظر الرحيل، فقد علموا أنك تحِنُّ إلى ما هربت منه، وأنك لست من هذا النوع الذي يستعرض عضلاته أمام الآخرين، فأنت تؤمن بأن القوة لا تحتاج إلى شرح وضرب بالأمثال، كنت هادئا في التعامل مع الجميع رغم أجواء الشفقة والتأثر، لكنها لحظة مختلفة الآن..

"جاءت معذبتي" 

اصطحِب الفقدان دون صراخ، كطفل يتيم لم ينس أباه، كلاجئ لا وطن له سوى الغربة.. جاءت من تذكرك بالمعركة، واجه ما تحنُّ إليه، واجه الشفقة والبؤس والفقدان. تخبرك دون أن تقول بأن عليك أن تقلل معارك إثبات القوة أمام الماضي، أن تقلل خوفك وقلقك، الذي هو حنين إلى هوان وخشية من غربة تضل فيها الطريق. هي تقدم لك طريقا بديلا.. هل تأخذها في زيارة إلى حقل الألغام؟ أم تأخذك هي إلى طريق أبعد من ألغامك الحزينة؟


"حين توفت والدتي لم أبك حتى اليوم" ليست عبارة تفخر بها، أنت فقط تراجع نفسك.. هل ما زلتُ على نفس الثبات أم أصبح الفقدان أشد وطأة؟
تصالَح مع ضعفك، اصطدم بمزيد من الألغام في طريقك إلى النعيم.. استمتع بقدرك، وإن كان بائسا.

No comments: