Monday, October 28, 2019

مساحة آمنة في كورنيش الإسكندرية

منذ اللحظة الأولى، وتحديدا أثناء رحلة السائق المسالم إلى محطة الرمل، شد انتباهي تجول تلك المرأة بالفيسبا وسط الزحام، الظهر المنتصب، القيادة الواثقة.. ظننته مشهدا نادرا، كما هو الحال في القاهرة، لكنه تكرر أمامي مرات عدة خلال رحلة لم تتجاوز 4 أيام.
كنت كالمتربص الذي ينتظر نداء سخيفا يفسد على قائدات الفيسبا جولاتهن في هذه الناحية من الإسكندرية.
لم أتنقل في تحركات واسعة عبر المدينة هذه المرة، اكتفيت بوجودي داخل مربع محطة الرمل والمنشية، قرب البحر، كزائر لا يرغب في رؤية مشاهد مكررة اعتاد عليها في مدينته.


رغم نداءات الاستغاثة التي يطلقها السكندريون لإنقاذ كورنيش مدينتهم من الإغلاق وإعادة استخدامه تجاريا، فإن هناك مساحة ما زالت خارج تلك الأزمة حتى الآن، هي منطقة محررة بين المكتبة وحي بحري. 
ربما لا يمكنك التغافل عن مشهد "الأبراج"، التي ارتفعت في سماء بحري والمنشية مكان بنايات قديمة وسط الحواري، في صورة تذكرنا بالبنايات الغليظة في مناطق أرض اللواء والعمرانية والكيلو 4,5 بالعاصمة. 
مظهر هذه "الأبراج" العدوانية وهي تواجه القلعة لا ينزع مساحة الأمان بطول كورنيش هذه المنطقة.



أكتب هذه الانطباعات بعد 10 أيام من رحلة بين 17-24 أكتوبر/تشرين الأول، إذ جرت العديد من الأمور حتى لحظة الكتابة، فقد واجهت الإسكندرية أمطارا مغرقة بعد رحيلي، كما انطفأ موبايلي إلى الأبد أثناء هذه الزيارة وبقيت عدة أيام بعيدا عن الإنترنت وكافة الاتصالات، ولم يكن ضمن الخطة أن أبقى هذه المدة في الإسكندرية. وفي طريق العودة أصبت بوجع اضطرني إلى زيارة قسم الطوارئ بالمستشفى في القاهرة، أما الأسوأ من كل هذا هو أني عدت إلى العمل، بتفاصيله المملة و....
اليوم، أكتب فقط من أجل استعادة ما رأيته من أمان غريب قرب البحر.
**
في صباح الجمعة، 18 تشرين الأول، استيقظت مبكرا –كالعادة- لأرى الشوارع مغسولة بزخات أمطار خفيفة، وكان البحر هادئا على عكس زيارتي الأخيرة في مارس الماضي، حين رأيته هادرا يلقي بأمواجه على المارة.
شاهدت في هذا الصباح الهادئ فتيات يركضن بأزياء رياضية تنوعت بين ما يناسب المحجبات وأخرى أكثر تحررا، وانتقل نظري يلاحق شابا متوقعا منه محاولة إفساد اللحظة.
في الليلة السابقة، رأيت شابا يضم فتاة أثناء جلوسهما على الكورنيش، ولم يفسد اللحظة أحد، كنت مدفوعا بما نراه من قطعان المراهقين وهم يندفعون لطرد الفتيات بالتحرش من مساحة سيطرتهم المزعومة على كوبري قصر النيل أمام كورنيش القاهرة.
أعلم جيدا أن العاصمة هي المدينة التي أساء إليها سكانها، فأغلبهم من أبناء الجيل الثاني أو الثالث على الأكثر بعد هجرة إلى العاصمة، لذا أتفهم جيدا النزعة السكندرية المتعصبة ضد الوافدين، حتى إن كانوا زوارا جاءوا إلى المصيف.


مع شروق الشمس بدأ الزحام فوق الصخور المتناثرة قرب الكورنيش، وترتفع "سنارات" من يبحثون عن صيد يليق بوجبة الجمعة، ويتكرر الإحساس نفسه كلما مررت في كورنيش هذه الناحية من الإسكندرية، حين أرى شخصا يجلس وحده، بلا أي نشاط، يطالع الأفق.. لماذا لا يضربه أحد المارة بلا مبرر على قفاه ثم ينطلق ضاحكا مع رفاقه؟ لماذا لا يتعرض للإزعاج والمضايقة من الآخرين؟ أسئلة وافد من مجتمع المتنمرين.
**
أسكن حاليا في مدينة جديدة، حيث أنطلق بسرعة عالية في شوارع غير مزدحمة، واستمتع بما لن يدوم طويلا، وحين أعود إلى القاهرة، أتحول إلى سائق توكتوك يمرق بين السيارات بسرعة، وأقود كالمطارد الذي دأب على الفرار.
أنا أقدر مساحات الأمان، بعيدا عن التنمر والتدافع والتكالب.. ورغم زحام الإسكندرية، إلا أنني وجدت رحابة في السير على الكورنيش. لذا لم أذهب خارج هذه المساحة الملاصقة لكورنيش المنشية، حيث تقل فرص التربص بالآخرين.
**
لدي قناعة لم أتنازل عنها يوما.. إن المكان الذي تأمن فيه المرأة على نفسها، هو مكان مقدس يستحق التبجيل.

Tuesday, October 01, 2019

هل أدركت المعنى أو حققت الهدف؟ 39 سنة


 حين سألني صديق عن إحساسي بالوصول إلى العام 37 من عمري، لم أجد إجابة سوى أنني أمام رقم سخيف، وأضفت "يشبه الرقم 39". هكذا كنت أرى الرقم الذي بلغته اليوم رسميا، هي السنة التي تقودك  إلى الأربعين، وختام مرحلة الثلاثينات الشاقة.
**
ما الذي يمكن أن يقدمه لك عام يحمل هذا الرقم البائس؟ في عالم الثلاثينات سعيت إلى تحقيق أمور – كنت أحسبها شكلية- من أجل طمأنة من حولي، أردت تبليغ رسالة بأنني في تقدم، ومررت بالعديد من التجارب التي يحسدني عليها كثيرون.. في مرحلة الثلاثينات، كانت هناك بقايا من عالم العشرينات استكملت بها حياتي.. انطلاق بلا حساب، بوهيمية شاحبة، علاقات متجددة، ثم تلاشى ذلك بفعل السؤال في العنوان: هل أدركت المعنى أو حققت الهدف؟



الأسئلة تعصف برأسي حول سر الحالة المزاجية السيئة التي عشتها مؤخرا، والتي تنذر بعام سخيف يشبه الرقم 39. ما أدركه جيدا أني أصبحت تحت حصار شديد من الطاقة السلبية. 
وكما فعل أحدهم للهروب من أزمات السجن، حين سعى لدخول الحبس الانفرادي ابتعادا عن قرف زنزانته الجماعية. بدا الحل واضحا أمامي.
ما زلت أعيش مع بعض الأمل والطموح، من بقايا مرحلة العشرينات، وهذه أمور لا يصح أن تؤمن بها وسط صندوق الزبالة الضخم الذي أعيش فيه.
**
كتمان الصوت ليس سهلا، والتغاضي عن الفشل ليس سهلا، وتحمل نظرات البائسين ليس سهلا.. وهكذا تصبح بطولتك في عامك التاسع والثلاثين، أن تواجه ما حول من كبت وفشل وبؤس، وفي الوقت ذاته أن تراجع حياتك مجددا، وأن تحقق الهدف.
**
ليس لدي الكثير لأكتبه هنا في هذا المزاج العكر، حيث مرت أمامي صور المقرفين ومن مررت بهم مؤخرا، وسط أجواء خانقة، أحبس فيها الرأي والكلمة كي لا أغضب من لا أعرفهم.

Tuesday, September 03, 2019

لا تخافوا ولكن احذروا.. إلى المدونين القدماء


 كانت رحلة شاقة من عالم المنتديات المحكوم بقبضة المشرفين، إلى المدونات التي يحررها أصحابها، وصولا لساحات التواصل الاجتماعي.
يدرك مواليد السبعينات والثمانينات كيف كانت صعوبة استخدام الإنترنت في البداية، حين كان على المستخدم ألا يفرط فيما لديه مرة واحدة.
هذا المستخدم الثلاثيني والأربعيني، هو نفسه من فقد هذا الحس الحذر الآن، وتحول إلى مراقب يقضي الساعات في الـ Scroll down بلا فائدة... ويتابع التحديثات دون هدف.



أعزائي

كنتم تبحثون طوال رحلتكم عن التفاعل، وحاولتم تحويل هذا التفاعل إلى مواجهات وأنشطة على الأرض.. لكن العالم تغير، وعليكم أن تكونوا أكثر حذرا.
في عالم الإنترنت، تغيرت الحسابات، أصبح الهدف الأسمى هو أن يتحول المستخدم إلى Public Figure
ونحن الآن نراقب أجيالا أحدث، أكثر توحدا مع الإنترنت عبر الهواتف، نشأوا هكذا منذ الصغر، وأصبح الحضور الجيد على الإنترنت جزءا من حياتهم.
هل تواجهون هذا مع أبنائكم؟ 




ما كنتم تمارسونه من استعراض للعضلات على مدوناتكم قديما، لم يعد شيقا الآن، ولا تحاولوا أن تبحثوا لأنفسهم عن مكان بهذا الأسلوب، لأننا في عالم أكثر تفاهة، والاهتمام بالشأن العام أصبح مصطلحا غامضا وغريبا.. ما هو الشأن العام؟
وسط هذا الخواء، أصبح من السهل تجنيد كتائب كاملة لخوض حرب واحدة دون تكتيك أو استراتيجية، هي الحرب للحرب، أي أنك قد تتحول إلى ضحية معركة ضمن حرب عبثية لا هدف منها سوى الحرب.



أخطر ما يمارس الآن على الإنترنت، هو الاغتيال المعنوي.. كان يحدث هذا في السابق أيضا، لكن الأمر أصبح يمارس على نطاق واسع، بسبب توافر المعلومات التي يقدمها مستخدم الإنترنت عن نفسه، وقد تجد حسابات مزورة تستخدم صورك، أو لقطات لك يتم تداولها ضمن مادة ساخرة.
مثال على ذلك، حملات التنمر على أصحاب فيديوهات Tik Tok ، هي جزء من هذه الحرب العدمية.
التنمر يصبح هدفا، بينما تدور الحرب دون هدف.





عزيزي المدون القديم

ربما تحن إلى مرحلة سابقة كنت تكتب فيها وتظن أن هناك من يراقبك ويطلع على ما تكتب، فتشعر بقيمة تدويناتك، الآن تمارس هذا على فيسبوك، لكنك ستقع ضحية التريند، يوم، اثنان، أسبووووع على الأكثر، ويصبح كل ما تكتب غير مفيد.




لا تخافوا.. ولكن احذروا

نحن الآن وسط عصابات تمارس هجومها عبر الإنترنت، أجيال تعيش توحدا مع الإنترنت منذ الصغر، وكتابات لا تتجاوز حد التريند. 
كن حذرا، ولا تكن قديما. واخف نفسك جيدا، كمن يقود وسط ميكروباصات وتكاتك وباصات الجمعية..الخ.
ترفّع على عالم جديد لست جزءا منه.
كن مثل راغب علامة وهو يظهر يوميا دون أي جديد.

Wednesday, July 31, 2019

الواد اللي أمه جابته ورفعته على السلك


 "يبدأ الأمر بالإعادة حتى يتحول إلى تكرار"
**



في نفس الموقع من ساحة المقهى، تتكرر الجملة على لسان المعلق الرياضي "الوقت يمضي من عمر المباراة". تتغير النتيجة، ولا شيء يوحي بجديد.
أعيد كل ما مررت به اليوم، وأجده يشبه ما مررت به من قبل، فالمشاكل لها أسباب واضحة لا تتغير، وأنت لا تتغير حتى تتواءم معها.
**
أعدت نشر فيديو من مسلسل سوق العصر خضع لعملية مونتاج لئيمة، ومن الواضح أن صانع الفيديو قد أصابه الضجر من أداء الممثلين ومن الحوار، بل من كافة تفاصيل العمل، فقرر إعادة بعض الجمل في الديالوج بين الفنان أحمد عبد العزيز والفنان صبري عبد المنعم.
أكثر الجمل المكررة "أيوه.. الواد اللي أمه جابته ورفعته قدامي على السلك وقالت لي هيستناك"، وهكذا يدور الحوار في التكرار بشكل ساخر يجبر المشاهد على الضحك.
أصبح هذا الفيديو جزء من يومياتي، فهناك من يؤدي دول صبري عبد العزيز في حياتك، أسئلة مكررة لا جدوى منها، ثم يعيدها مرة أخرى، ويكرر ذلك إلى الأبد.




أحيانا يسألك من يسأل، لمجرد تلقي رد فعلك على السؤال، فهو لا يهدف إلى الحصول على إجابة، يظن أنه يضفي أجواء مرحة بردود فعلك الساخرة، أو يفتح حوارا لا مجال له، وهناك من يتعمد استفزازك وإنهاكك لمجرد الشعور بالراحة لرؤية مستنزفين غيره.
يتحول وجوده في حياتك إلى النكتة الشهيرة، التي تنتهي بكلمة عيد.. فيعيد صاحب النكتة قولها مرة أخرى، وهكذا.




تذكر.. يبدأ الأمر بالإعادة حتى يتحول إلى تكرار

Tuesday, July 16, 2019

حين هتف الجميع: #أبو_شخة_أهو

كان يحدث التنمر في المدرسة أحيانا بشكل عشوائي وهيستيري، على سبيل المثال، يوجه أحدهم هتافا ضد شخص عابر: أبو شخة أهو، فتتوجه صيحات المراهقين في هذه المدرسة البائسة نحو الضحية، لتبدأ الزفة أو الحفلة، ثم يوجه قائد الهتاف النداء إلى صيد جديد، ويبقى الهتاف مدويا: أبو شخة أهو.
وأحيانا ما ينال قائد الهتاف نصيبه من الأذى، حين يتحول هو أيضا إلي أبو شخة.. في إطار الهيستيريا الجماعية.
**
لن يدرك أبعاد المشهد سوى من أوقعه حظه السيئ في متابعة حالة تحرش جماعي من قبل، حين تختفي الضحية وسط مجموعة من المسعورين.. يقترب المشهد قليلا من اللقطات التي تبثها ناشيونال جيوجرافيك عن افتراس الغزلان والحملان.
لكن الفريسة في مواقع التواصل الاجتماعي، تتحول إلى وسم وتريند.

الاندماج مع عالم الإنترنت، لم يعد كما كان، فالتكثيف حول موضوع واحد، ومحاولة "ركوب" و"حرق" التريند، يحول البعض إلى شخصيات بليدة ومكررة، مثلما هو حال قائد الهتاف "أبو شخة".
**
 قوة مواقع التواصل الاجتماعي، تتحول أحيانا لخدمة فئة صاحبة مصلحة.
والحقيقة الممتعة، أننا نهتف "أبو شخة أهو"، بعشوائية جميلة، تذكرنا بأيام المدرسة، والشجارات اليومية التي لا تسعى إلى شيء سوى التمرين على العراك.
**
لا توجد حكمة أو عظة وراء هذه السطور، إنما هو ملل يصاب به من أرغموا على متابعة اهتمامات مواقع التواصل الاجتماعي. وتحمل الضراط المصاحب لتسجيل المواقف يوميا.

Tuesday, July 09, 2019

القوة والمعرفة.. بعض الأحاديث التي ليس لها صلة مباشرة بالسيد ميشيل فوكو


من المؤسف، أن تكتشف حقائق قديمة بعد مرور أشهر أو أعوام، وأنك لم تدركها مبكرا بسبب غياب الحذر.
**
لأسباب معقدة ومتشابكة، قد تصبح جاذبا لمن اعتقدوا أن لديك ما يحتاجونه من القوة، حتى إن كانت قوتك "الوهمية" مستمدة من بعض المعرفة، سيتسلل إليك كثيرون في هذه المرحلة الهشة والسائلة من حياتك، حتى تقرر استعراض ما أصابك من خدوش في لحظات ضعف، دون حذر.
وفي لحظة كاشفة.. تقرر الانسحاب.
ستكتشف انسحاب من كان يبحث لديك عن الدعم، وأنه سيقرر العمل بكد لتسليط الضوء على خدوشك، وستدرك أنه لم يكن يستحق الوجود في محيطك منذ البداية.

ميشيل فوكو
اختبار 1

كان الرجل صاحب نفوذ وجاذبية، ثم انطفأ وهج حياته، وبدأ يحد من علاقاته.. من سيبقى حوله؟

اختبار 2

وهو الاختبار المتمم للاختبار السابق، يعيد الرجل كل شيء إلى وضعه السابق، من سيعود؟ وكيف؟

**
في حياتنا زائرون، تضطرهم قسوة الحياة إلى الارتماء في أحضان أصحاب الرضا والسكينة أو في أحضان أصحاب السلطة والنفوذ.. وهؤلاء ينسحبون حال إحساسهم بأنهم لم يعودوا يحصلون على نصيبهم من الحماية أو الاستمتاع بالوجود تحت سلطان آخرين.
المؤسف أيضا، أن بعض السذج يعتقدون أن القرب والحميمية هي عنوان "الصداقة" أو "المحبة". لكن الأيام تكشف عن علاقات هشة بالفعل. تنهار حين تتبدل الأحوال أو حين تكشف عن بعض الخدوش في صورتك التي رسموها لك، بل قد تدرك أن بعضهم كان حاقدا منذ البداية.
**
يعتقد عالم الاجتماع المحترم ماكس فيبر أن السلطة لها 3 مصادر:
-          السلطة القانونية: وهي لا تمثل حضورا شخصيا بقدر ما يعبر عنها عالم التشريعات الذي يحكمنا جميعا.
-          السلطة الكاريزمية: وهي سلطة يمارسها فرد يظهر أمام الناس بقدرات متفوقة.
-          السلطة التقليدية: وهي متصلة بالأعراف والتقاليد كالسلطة الأبوية.

وقد تتقاطع هذه السلطات في شخص واحد، يوفر الله له كل شيء.. سيجتمع حول هذا الشخص ذباب الشرق والغرب، وكلما تساقط شيء من سلطاته، ظهر ما كان يضمره الذباب.



يقول السيد ميشيل فوكو، الذي ما زلت أعتقد أن ليس له صلة بما نتحدث عنه هنا: "إننا في هذه الحقبة، لا نستهدف اكتشاف أنفسنا بقدر ما نسعى لرفض ما نحن عليه".

في هذا الزحام، يأتيك من جاءوا هربا من ذواتهم، يجذبهم الإعجاب بما لديك، وتتشابك "العلاقة" بـما ظنوا أنك تملكه من "سلطة"، ويأتي تصالحهم مع أنفسهم بتخريب ما لديك، أو في أقل خسارة بالبحث عن خدوش في صورتك، فيطمئنوا بذلك على صحتهم النفسية والعقلية.
ويقول السيد فوكو في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي: عندما نتحدث اليوم عن إنسان مجنون، فإننا نتحدث عن ذاك الذي غادر أرض حقيقته المباشرة، وضاع على إثر ذلك.

نعم يا سيد فوكو، لقد تركوا حقيقتهم، بحثا عن خلل لدى الآخرين.
**
ما أسوأ علاقة تقوم على ما لديك من سلطة..

Tuesday, May 21, 2019

لا تقفز من القطار وهو يتحرك

في السنوات القليلة الماضية، رأيت  كما من الرداءة لم أره من قبل، في أماكن وشخصيات كنت أحسبها على صلاح. ولا أعلم، هل زاد السوء من حولنا أم أصبحنا أكثر وعيا؟
**
تعلمت من قيادة السيارات - وقد تعلمتها على كبر- أن كل ضوء في آخر النفق ليس بالضرورة نهاية طريق، بل قد يكون سيارة أخرى في الجهة المقابلة.
وهكذا تزداد الحيرة، بين الحذر والقلق.




كلما فتحت فيسبوك، وجدت هذه العبارة "عندما تركب القطار الخطأ، حاول أن تنزل في أول محطة، لأنه كلما زادت المسافة، زادت تكلفة العودة". والحقيقة أنها عبارة جاذبة، تصلح أسفل ورقة في نتيجة حائط.
والحقيقة أيضا، أن بعض القرارات يصعب الهروب منها بارتجال، كأن تقفز من القطار.. هكذا. فمهما بلغت بشاعة الرحلة، ومهما كانت قراراتك خاطئة، فعليك أن تستمر حتى اللحظة المناسبة، التي لا بد أن تأتي.
**
كنت قبل هذه السنوات الخبيثة، أصنع مسافات وعوازل أمام الكائنات المضطربة والفاشلة، لأني التقيت آلاف البشر، ولم يكن هناك مجال لاحتواء مضطرب أو مختل.
وفي لحظة، بدا هؤلاء أقرب من المعتاد، ثم انتقلنا إلى مرحلة تالية: كيف تتعامل مع الكائنات المحدودة والرديئة والمضطربة و...الخ؟
في الماضي، كنت أستطيع أن أصنع مسارا لا يعطلني فيه أحد، يمر الردئ ويعكر مزاجي، لكن دون أن أسقط في عالمه.
ومنذ العام 2014، أدرك أن القادم مختلف تماما عما مضى، وأن الرداءة في صعود، لكن الانغماس في عوالم الفشل والحقد وخوض معارك منحطة، لم يكن ضمن أولوياتي أبدا، وهذا ما أصبحت أتعايش معه، دون ألفة أو رضا.





الحياة ليست قطارا، الحياة طريق، يمر من أمامك التوكتوك الصاخب، وتحاصرك فيه عصابات الدراجات النارية، وتقذف المطبات بك إلى أعلي، وتدخل في منافسات تافهة مع مراهقين داخل سياراتهم.. وهكذا.
**
تعلمت من قيادة السيارات، التي قلت سابقا أني تعلمتها على كبر، أن تتأهب دوما لحماقة من حولك في الطريق، وكلما زادت الحماقة، هدئ السرعة، أو اتخذ مسارا آخر. ولكل طريق سمعته، فهناك المظلم، وآخر اشتهر بكثرة الحوادث، وثالث مزدحم بأحط السائقين،..الخ.






لا أسعى هنا لكتابة حكمة تصلح لنتيجة الحائط، بل أدون ما لم أدونه من قبل، عن رداءة السنوات الماضية، وأن هذا الطريق أصبح مزدحم بالفوضى، وأن المسار سيتغير.. طوعا أو غصبا.

Wednesday, March 20, 2019

حبس الرحبة


كنت أؤمن بأن الحياة أوسع من المساحات الضيقة التي تحاصرنا يوميا، وأن الجدران التي تحجب الطريق يمكن تجاوزها.. لكن المهمة تبدو قاسية.
تجف الأحاديث، وتزداد الحوارات غلظة، فنبتعد.. على أمل البحث عن مساحة رحبة جديدة.
الحقيقة أن العالم قد تغير قليلا، وأصبح أقل تسامحا معنا.


الزمالك


يقولون إن الجاحظ مات بعد سقوط الكتب عليه، فلم يحتمل جسده العليل ضربات الكتب.. فمات.
أحيانا ما، أخشى مصير الجاحظ، حين أغرق وسط الأخبار المتراكمة، التي يحتاج بعضها إلى عملية جراحية لاستعادة ملامحه من جديد، بينما يحتاج البعض الآخر إلى عملية ترميم، و... في النهاية أغرق في الأخبار.
يقولون أيضا إن لحظات الوداع، كالموت، يرى فيها الشخص كل أعماله وأحبابه في لحظات، وهذا ما يحدث لي كلما غرقت بين الأخبار الرديئة. 
في المرة الأخيرة، رأيت شوارع الزمالك نهارا،  وطرقا أعرفها جيدا في العجوزة، لم أعد أزر هذه الأماكن، وانا من قضيت سنوات اكتشفت فيها جمال المدينة في أوقات مختلفة.
**
تجولت قديما في حي الجمالية التاريخي، وقرب الناحية التي ولد فيها جدي، لفتت نظري لافتة تشير إلى شارع مجاور، اسمه "حبس الرحبة"، ما المقصود؟ حين كبرت، عرفت ما المقصود.
تبدو الحياة رحبة واسعة، تنطلق فيها كيفما شئت، ثم تتكرر المواقف والأحداث، وتتبدل الشخصيات، ويفرض عليك العقل والجسد قيودا جديدة، فتبقى الرحبة كما هي، لكن الحبس يتجدد، وانت الحارس على نفسك.


حبس الرحبة


هل يمكننا البدء من جديد؟ هل الهروب المفاجئ يعد حلا واقعيا؟ هل يمكن إنجاز ما فات؟
أسئلة جميلة.. كأننا في ندوة حول أي شيء.. الماضي والمستقبل، الأصالة والمعاصرة.. أي شيء.
وهكذا.. يبدو أن حبس الرحبة لم يكن مجرد شارع في الجمالية.

Wednesday, January 16, 2019

يوميات 6 أكتوبر: كنت اصطاد البشر.. اليوم ألاحق الكواسر

اعتدت في السنوات الماضية على البحث بين الحارات والشوارع عن قصص وشخصيات أقدمها لمن يهتم، لم يكن ذلك بدافع الاحتياج إلى العمل فقط، بل كانت هواية قديمة، حين كنت أتسكع لمشاهدة غرائب المدينة والتنقيب عن كنوز وحكايات يتم سحقها يوميا.
بمرور الوقت، تقلد الحراس المناصب، وطلبوا سماع حكاية واحدة يوميا، فلم يعد من واجب أحد أن يبحث أو ينقب.. أصبحنا نكتب عن المستقبل فقط، الذي لم/لن نره.
**

ربما تحدثت سابقا عن علاقتي بمدينة 6 أكتوبر، ووصفت كم كانت تجربة مؤلمة أن ينتقل قاهري من شرق العاصمة إلى أقصى الغرب.
ومثلما كنت أفعل في الماضي، كررت سلوكياتي المتمردة على البقاء في المنزل، وانتقلت أجوب المساحات الشاسعة حولي.. هذه المرة لا مجال للتسكع سيرا على الأقدام، بإمكانك الآن أن تتوه بسيارتك لساعات، وأن تقود إلى وجهة أنت تعلمها فتجد طريقك مغلق بأكوام من الرمال. 
ربما يحن الصياد إلى مهنته القديمة، أو هي محاولة لاستكشاف حكايات الصحراء.. بدأت في التنقيب عن المجهول.



على بعد كيلومترات قليلة من طريق الفيوم وكيلومترات أكثر من طريق الواحات البحرية، التقطت بعض المشاهد التي يمكنني أن أرويها لأطفال صغار سيولدون في هذه المساحة الجديدة، حيث سيسمعون من أجيال سبقتهم عن معاناة في المعيشة، وطبيعة دمرها المستوطنون الجدد.
**

"رأيت الثعلب يفر من مجهول إلى مجهول"..

بإمكاني أن أعود إلى المنزل من طرق عدة، وفي الليالي الحزينة، بعد وردية المساء، أحيانا أسلك طريق الواحات حتى نهايته، ثم أنتقل إلى طريق الفيوم، حيث الظلام الذي يخترقه ضوء السيارات، ومفاجآت النقل الثقيل قرب الواحدة صباحا، ثم أنتقل من جديد إلى شوارع فرعية. وفي منطقة هناك أولها ضياء وآخرها ظلام، رأيت ثعلبا يتحرك أمامي كأنه يفر من شئ، لمعت عيناه بضوء السيارة، ثم فر خلف كوم من الرمال.
كانت تلك هي المرة الثانية التي أرى فيها ثعلبا على هذه المسافة القريبة، أما المرة الأولى فكانت لقرب مقر العمل بعد وردية مسائية أيضا في 6 أكتوبر.
وفي المرة الثالثة، رأيت ثعلبا على هيئة كلب متسلل، تقدمت نحوه بالسيارة، فانتقل سريعا إلى أعلى كومة من مخلفات البناء، وقف ينظر إليّ وأنا اقترب لتنكشف هيئته كثعلب جميل الطلة، ثم اختفى.
**


أثناء الانتقال بالسيارة ليلا مع أحد الأصدقاء، رأيت سكة فرعية قبل الوصول إلى طريق الفيوم، فقلت لصاحبي: ممكن أدخل من الطريق ده أشوف فيه إيه؟ ورفض الصديق متعذرا بالوقت المتأخر وطول المسافة التي علينا أن نقطعها من حدائق أكتوبر حتى المكان الذي نقصده. "ليس لدينا وقت نضيعه".

تصادف أن مررت هناك بعدها، وتكرر الأمر، حتى اتخذت القرار أن أتوجه بالسيارة نهارا من الطريق الذي لم نجربه ليلا.
يمر هذا الطريق الفرعي بمحاذاة طريق الفيوم، على حدود العاصمة السياحية الجديدة، تقابلني مطبات وأكوام رمل تسد الطريق، حتى بدأت في الانتقال بعشوائية بين طرق في تقسيم أراض لم يتم بناءه، ووصلت إلى مساحة اتخذت فيها قرارا بالراحة، والتفكير في كيفية الخروج إلى "العمار".




كانت الساعة حوالي 11 صباحا، وفجأة تظهر كائنات تطوف فوق السيارة، فأغلقت زجاج النافذة وبدأت أتابع، مجموعة من النسور تحلق حولي، لم أرها من قبل، حتى في رحلاتي بين العديد من محافظات مصر.
كانت المرة الأولى التي أصبح فيها قريبا هكذا من هذه الجوارح، ضغطت على نفير السيارة، فطارت بعيدا، كررت محاولة البحث في أيام تالية ولم أجدها.

**

"وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ" 

..

رويت قصتي مع النسور، وواجهت حملة تشكيك ضارية، "من المستحيل أن ترى نسورا في هذه المنطقة". "هذه غربان وقد شبّه لك". 
وهكذا لم يصدق أحد، فاتخذت سبيلي مرة أخرى بحثا عن تجمع هذه الطيور الجارحة، وتكرر فشلي عدة مرات، حتى صعقت من المشهد في المرة الأخيرة قبل أسبوع، رأيت العشرات منها فوق مساحة صحراوية قرب طريق الفيوم. كلما اقتربت بالسيارة لالتقاط صورة، طارت أقربها فأتبعها الآخرون، كنت محددا بالطريق، وهم طلقاء في السماء ينتقلون كيفما شاؤوا، كررت محاولاتي، حتى استقروا وسط مساحة صحراوية، تنبت فيها بعض الأعشاب.



كانت لي تجربة بائسة قبل سنوات أمام كورنيش مدينة السويس، حين اضطررت إلى حمل أمتعتي والسير وحيدا في درجة حرارة حارقة، وفجأة اعتبرتني غربان المدينة ضيفا ثقيلا، وشنت هجوما عنيفا دفعني إلى الجري بحمل ثقيل.
انتهت قصة الكواسر بصور مشوشة، كدليل ضعيف على ما أقول.

**

ما زال قلبي معلقا بالقاهرة وقصصها، حيث أرى حكاية في كل شارع، رغم علمي بأن وجة المدينة سيتغير، وستختفي الحكايات تماما. أما هنا فلا يوجد تاريخ سوى لدى الأعراب، ولدى قطار حربي يمر من بعيد.

Tuesday, January 01, 2019

خطوة ثقيلة نحو 2019

لست متأكدا من انتهاء 2018، بدأ هذا العام بمواجهات، وتكررت، وزادت، لم أعلم إن كانت طلقات تحذيرية أم تصفية حسابات، ما أدركه جيدا أني أصبحت أقل صبرا، وأعلم جيدا أنهم استحقوا قلة الصبر.

سأكمل عامي المقبل بقلة صبر، ومزيد من الابتعاد.





2018 أم 2019؟

لم تعد هناك اختلافات فارقة بين الأعوام المتتالية، نعيش مرحلة مستقرة لا مجال فيها للجديد والمختلف والمتباين.. هذا ما سيكتبه التاريخ بعد سنين.

ولما كنت أنت ستظل أنت، ولما كانوا هم باقين كما هم، فلزم عليك أن تصب تركيزك عليك، فإن لم تفعل، ستأتيك السنوات بعاصفة تجمعك بك، وتذكرك بما أهملته في حق نفسك.



رحم المعاناة

ما نعرفه جيدا، أن هناك أشياء تولد من رحم المعاناة، أيا كانت، لكننا لم نهتم بالتعرف أكثر على رحم المعاناة، هذا المكان الغامض الذي يضم –على الأرجح- كائنات ما.

لا بد من وجود حرس لهذا الرحم المقدس الذي تولد منه أشياء مهمة، ربما نجد عالما أو مجتمعا صغيرا يعمل بدأب على عملية الولادة.

التقيت، بل ما زلت ألتقي شخصيات من العاملين هناك، زرت رحم المعاناة نفسه وأصبحت فردا في هذا المجتمع المريض.




نقطة


في الساعات الأولى من 2014 كتبت الآتي: اتعلم العوم قبل ما تنط من المركب. في الحقيقة.. لا أدري إن كنت في حاجة إلى تعلم السباحة أم تعلم القفز من المركب. وفي بداية 2019، أعود إلى نفس الرسالة.