Wednesday, March 20, 2019

حبس الرحبة


كنت أؤمن بأن الحياة أوسع من المساحات الضيقة التي تحاصرنا يوميا، وأن الجدران التي تحجب الطريق يمكن تجاوزها.. لكن المهمة تبدو قاسية.
تجف الأحاديث، وتزداد الحوارات غلظة، فنبتعد.. على أمل البحث عن مساحة رحبة جديدة.
الحقيقة أن العالم قد تغير قليلا، وأصبح أقل تسامحا معنا.


الزمالك


يقولون إن الجاحظ مات بعد سقوط الكتب عليه، فلم يحتمل جسده العليل ضربات الكتب.. فمات.
أحيانا ما، أخشى مصير الجاحظ، حين أغرق وسط الأخبار المتراكمة، التي يحتاج بعضها إلى عملية جراحية لاستعادة ملامحه من جديد، بينما يحتاج البعض الآخر إلى عملية ترميم، و... في النهاية أغرق في الأخبار.
يقولون أيضا إن لحظات الوداع، كالموت، يرى فيها الشخص كل أعماله وأحبابه في لحظات، وهذا ما يحدث لي كلما غرقت بين الأخبار الرديئة. 
في المرة الأخيرة، رأيت شوارع الزمالك نهارا،  وطرقا أعرفها جيدا في العجوزة، لم أعد أزر هذه الأماكن، وانا من قضيت سنوات اكتشفت فيها جمال المدينة في أوقات مختلفة.
**
تجولت قديما في حي الجمالية التاريخي، وقرب الناحية التي ولد فيها جدي، لفتت نظري لافتة تشير إلى شارع مجاور، اسمه "حبس الرحبة"، ما المقصود؟ حين كبرت، عرفت ما المقصود.
تبدو الحياة رحبة واسعة، تنطلق فيها كيفما شئت، ثم تتكرر المواقف والأحداث، وتتبدل الشخصيات، ويفرض عليك العقل والجسد قيودا جديدة، فتبقى الرحبة كما هي، لكن الحبس يتجدد، وانت الحارس على نفسك.


حبس الرحبة


هل يمكننا البدء من جديد؟ هل الهروب المفاجئ يعد حلا واقعيا؟ هل يمكن إنجاز ما فات؟
أسئلة جميلة.. كأننا في ندوة حول أي شيء.. الماضي والمستقبل، الأصالة والمعاصرة.. أي شيء.
وهكذا.. يبدو أن حبس الرحبة لم يكن مجرد شارع في الجمالية.

No comments: