بعد ان تابعت قصة المخرجة الوثائقية نهى رشدي صاحبة أول قضية ضد التحرش، تذكرت لا إراديا شيرين صاحبة العصا الكهربائية الشهيرة.. فتاة شارع فيصل التي عوملت بطريقة التجريس والتشهير بشكل يثير الإحباط، فبدلا من التفكير وقتها في اسباب استعانة فتاة بهذه العصا السحرية، وأسباب ادعاءها بأنها نجلة عميد شرطة، وكيفية مواجهة هذه المواقف في شوارعنا حين تقع مصادمات بين السيارات.. اتجه الجميع إلى التجريس والتشهير بالفتاة كأنهم يؤدون رقصة وثنية حول صنم أحول
في قضية المخرجة نهى رشدي التي جرجرت المعتدي على القسم في موقف بطولي لايمكن انكاره، اتجه الحدث إلى اتجاه مصري خالص.. وهو التجريس والوعيد للمتهم، على طريقة: هات الكرباج عشان أضرب ابن الكلب ده ويكون عبرة لمن يعتبر
هكذا تحدث الاعلام.. فتاة تقف ضد مجتمع متخلف يحض الفتيات على قبول التحرش والرضا بنصيبهن من اللمسات وغير ذلك.. وتحولت القضية إلى.. يا فتيات مصر اتحدن، واتخذن سبيلكن إلى تقليد نهى، وعلى الجميع امساك الأجراس لتجريس أي متحرش، وعلى رجال الشرطة الانتظار في أقسامهم انتظارا للفتيات وهن قادمات برؤوس المتحرشين، وعلى الجياع الحاقدين على أسيادهم أن يتحرشوا بالفتيات المعفنات المستضعفات
كيف تختار الفتاة التي تتحرش بها؟
بعيدا عن نهى رشدي.. أتصور مشهدا آخر يتحرش فيه شاب أخرق بجسد أمرأة موظفة بدينة مصابة بأمراض الدنيا لكن الله أعطاها جسدا يحرك مشاعر المشوهين.. كيف سينتهي الموقف؟ سينتهي نفس نهاية الشاب الذي خطف حقيبة فتاة محجبة بسيطة، فجلست تبكي في هستيريا حتى انطلقت سيارة أحد السكان ليأتي بحقيبتها من الشاب بعد تأديبه بعلقة ساخنة، أتصور فتاة أخرى وهي صديقة قديمة تعمل في وظيفة محترمة ومعرضة فعلا للتحرش في أي وقت، واتذكر انني كنت أسير معها في الشارع وانتقلت لي مشاعرها حين تلقت تعليقا عابرا من صبي أحمق ظن انها تسير بمفردها، أتصور هذه الصديقة وهي تحاول ضبط أحمق آخر تجرأ وتحرش بها، اعتقد انها قد تتعرض لتمزيق ملابسها، وسيهرب الاخرق حتى حين
صناعة الأمازونيات
لا أدري ما هدف من يروج لعبارة خدي حقك بإيدك .. هل انتهينا إلى هذا الحد؟ ردود فعل بعض الفتيات والنساء المشجعات على الاقتداء برمز البطولة نهى رشدي تثير الحيرة، و لا أعرف ان كان هدفهن هو رفع الادرينالين الى أعلى مستوياته لدى الفتيات وخلق أمازونيات متحفزات ضد الرجال، أم أنها مؤامرة مع جهاز الشرطة لتقليل تواجده في الشارع عدا في كمائن الشرطة والمظاهرات ومحاكمة هشام طلعت مصطفى؟
في الماضي حين كنا نلعب في سن الابتدائي، كانت بعض الفتيات يستخدمن عبارات من نوعية.. امشي يا غلس، روحوا العبوا مع الولاد، انتوا رخمين، أنا هقول لأخويا... وبذاكرة حديدية أتذكر أن نسبة 90% من هذه العبارات كانت مجرد تماحيك ومناوشات وتنمر متبادل من الطرفين، أو انعكاس لنرجسية متأصلة تدفعنا إلى الضحك
إن إيجاد هذا الحس الأمازوني، سيعمق مأساة فتيات يعانين من صراع بين الاستقلالية و الوحدة، بين النظرة المتعالية إلى الرجل على أنه حيوان تحركه غرائز و رغبات دنيئة، وبين تأسيس علاقة سليمة مع زميل أو صديق أو رئيس أو حتى زوج ودود
كان يقال في أتوبيس المدرسة : البنات البنات.. أوسخ الكائنات ، وترد الفتيات : الولاد الولاد أقذر الكائنات.. في تناص مع شعر صلاح جاهين
أعتقد أننا ما زلنا نلعب نفس اللعبة حتى الآن.. وربما نضيف إليها لعبة أخرى تلعبها فتيات الطبقى الوسطى والعليا، ولن يشارك فيها فتيات الطبقات الأدني، لعبة قد تلعب بطريقة كيدية في المستقبل القريب إن شاء الله... وكل هذا ضمن لعبة الاعلام المصري حول الشباب اللي يفرح
بنت الجامعة الأميركية
ولأن محامي المتهم كان يمثل الرجعية بصورة غير مسبوقة، فقد استخدم إشارات وعبارات عن كون المدعية من خريجات الجامعة الأميركية وانها من سكان مصر الجديدة، أي أنه يريد أن يصل إلى أن هناك اتجاه للتشهير بالمتهم والتجني عليه من الناحية القضائية، من أجل استخدام القضية إعلاميا، وأن وراء الأمر حسابات طبقية استخدمته ككبش فداء
وبعيدا عن حكايات المحامين وحساباتهم، فهل لو كانت الفتاة التي تعرضت لهذا الحادث و اوصلت المتهم إلى السجن فتاة أخرى من أي محافظة مصرية، أجرت إجراءاتها في سرية دون مراكز حقوقية أو دعم من صحافيات يخشين أن يكن في مكانها، وأصحاب حملة لسه فيكي رجالة يا مصر.. أقول لو كانت نهى فتاة قروية اتخذت إجراءاتها في سرية دون اتصال بالاعلام.. هل كانت ستكون في هذه المكانة؟ نهى كانت مؤهلة لهذه المكانة.. حتى أنها في لحظة الحادث استخدمت كلمة اتحرش بي جنسيا وهي تحدث المارة في الشارع، وهي مكانة لن تصل إليها فتيات أخريات.. لسن في جرأة مخرجة ولسن بوعي فتاة من الجامعة الأميركية، ولسن من سكان مصر الجديدة
أنا مش ليلى.. انا نهى
فتاة بميت راجل، في إشارة إلى نقص هرمون التستسرون لدى الرجال الذين يتابعون التحرش دون تدخل
على هامش القصة
ـ حسب رويترز أنه : وقالت المصادر القضائية ان محامي جبريل قال للمحكمة ان الشريعة الاسلامية تقبل بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين لكن المحكمة اعتمدت على تقرير تحريات كتبه ضابط شرطة تضمن شهادة أصحاب متاجر في الشارع
وهنا أتساءل عن هذا التعليق الغريب من المحامي الأغرب، فإما أنه فعلا لا يكاد يفقه شيئا في الشريعة الإسلامية التي من المؤكد أنه درسها في سنة تانية حقوق، أو ان هناك حالة إعلامية أوجدت هذا التعليق محشورا في متن التقرير على لسان المصادر القضائية، كدليل على رجعية المحامي التي لابد انها تتواءم مع رجعية المتهم والمجتمع المعادي ـ بالضرورةـ لتصرف الفتاة كما يلمح البعض هنا
فالشريعة الاسلامية تأخذ بشهادة أي شاهد بل قد تقدم شهادة المرأة على الرجل.. إقرأ هذا الرابط .. ومسألة رجل وأمرأتين هذه في حالة الاشهاد وليست الشهادة، وفي حالة من حالات التعاملات المالية، وهناك اجتهادات تجاوزتها لأنها على حد علمي تخيير للدائن، عموما ربما يكون هذا التعليق ضمن باقة الرجعية وطرائفها، فهو إما محامي رجعي طريف فعلا، او انها عبارة استخدمت في الموضوع وتم تصديرها من أجل تكامل الحالة ورسم الصورة المطلوبة
ـ أول قضية تحرش : لا أدري هل أنا مغيب أم أن لدي مشكلة مع القانون؟ حين سمعت العبارة المستخدمة في الاعلام من إنها القضية الأولى من نوعها، درت حول نفسي دورة كاملة، وتذكرت ما قرأته في مجلدات أحكام المحاكم الأهلية وتحديدا في عام 1913 حين لفت نظري طعن مقدم في قضية هتك عرض ومذكور فيه اسم الفتاة والمتهم، كما قرأت أيضا في أعوام تالية حكم في قضية طفل لم يتجاوز السابعة تعرض لهتك عرض، والأسماء مدونة في المجلدات بأسماء القضاة والمحاكم
إذن فنحن منذ عام 1913وما بعدها ـالفترة التي كنت أطلع فيها على المجلدات ـ نلجأ للقانون، ولنا ان نتخيل عقلية المجتمع في هذه الفترة البعيدة، وان نتخيل أن الفتاة التي ذكرت اسمها في الوثائق كانت مصرية بسيطة، ولم تخش الفضيحة، ولجأت للقانون، لكن المثير أن أحدا لم يعتبرها بطلة في هذه الفترة السحيقة، منذ أكثر من 95سنة
إذن لماذا اعتبرها الإعلام أول قضية من نوعها في تاريخ مصر القضائي، رغم ان الحكم صدر كجريمة هتك عرض تقليدية ؟ علما بأن هناك مسودة مقدمة لقانون ضد التحرش، وان مصر شهدت تماديا في هذه الحوادث مؤخرا.. هل هي صناعة حالة..؟ هذا ما كنت أقصده
في مثل هذه المواقف يسمع الناس صوتك من مقام خالف تعرف الموسيقى.. بينما أنت تتحدث عن قضايا أخرى، عن صناعة الحدث إعلاميا لخدمة أهداف أخرى، عن رضا الدولة بهذه الحالة التي توكل فيها بعض المهام للحقوقيين والاعلاميين لرفع بعض الأعباء عنها، عن صناعة أبطال لم يكونوا ليصبحوا ابطال لولا أنهم من نخبة، عن محاولة التشهير بنماذج كفتاة فيصل أو المتحرش الخسيس لخدمة بيانات وأنشطة تعدها المراكز الحقوقية وفقرات في الصحف والبرامج الفضائية، عن حالة المجتمع المصري بما فيه من بغضاء، عن الحس النسوي الذي تحركه أبعاد نفسية انتقلت للاعلام. كل هذه المسائل تحركت دون أن أعرف لماذا مد المتحرش يده إلى صدر فتاة في مصر الجديدة؟ ولماذا يتحرش المتحرشون في أماكن أخرى ..؟ وهل التحرش فعلا يعكس علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع كما يدعي البعض، أم انه يعكس علاقة أفراد المجتمع ببعضهم على حد سواء؟




.jpg)
.jpg)

.jpg)
**







